الحمد لله ووسطية سورة الكهف

لقد رأينا أنه بعد ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وبين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الأولى و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثانية، جاءت في فاتحة الكتاب آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي أن هذه العبارة جاءت في الوسط بين عبارتي ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ورأينا أيضًا أنه من بين السور التي ابتدئت بثناء الله تعالى على نفسه وذاته الكريمة بـ﴿الحمدُ لله﴾، فقد وقعت سورة الكهف في الوسط تمامًا، وذكرنا أيضًا أن سورة الكهف توسّطت سورتي التوبة والنمل. فهل نجد لهذه الوسطيّة دلالة معيّنة تخصّ سورة الكهف نفسها؟

 ذكرنا أن السور الـ(5) التي ابتدئت بعبارة ﴿الحمدُ لله﴾، هي: الفاتحة (1)، والأنعام (6)، والكهف (18)، وسبأ (34)، وفاطر (35). وأول ما يلفت انتباهنا في ترتيب هذه السور، أن سورة الكهف قد توسّطت هذه السور الـ(5)، وذلك ليس بوسطيّة نسبية، وإنما بوسطيّة مطلقة متعمّدة ومقصودة، نجدها متحقّقة في أبعاد هذه السور الخمس عن بعضها البعض. فسورة الكهف تبعُد عن سورة الفاتحة بمقدار (18) سورة، وكذلك تبعُد سورة فاطر عن سورة الكهف بمقدار (18) سورة:

    (الفاتحة)                                                                                (الكهف)

01 02 03 04 05 06 07 08 09 10 11 12 13 14 15 16 17 18

18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35

   (الكهف)                                                                                   (فاطر)

لتبقى سورة الكهف محافظة على وسطيّتها ضمن هذه السور. وعند التدبّر في هذه السورة الكريمة، نجد أنها حوت إشارات عديدة ومقصودة على وسطيّتها، يصحبها تناسق بديع في مواقع كلماتها، وإحكامًا عجيبًا في ترتيب آياتها، ودلائل يقينية على قدرة الله المطلقة سبحانه. ولا يمكننا في هذا البحث المصغّر أن نتطرّق إلى جميع هذه الأمور، لأن كل مجلّدات الكون لا تكفي لهذا. ولكننا سنعالج بعض الأمور التي منّ الله علينا بالكشف عنها بعونه وبفضله.

 فأول العجب الذي يواجهنا هنا هو أن قصة "أصحاب الكهف" بدأت بآية رقمها (9)، وانتهت بآية رقمها (26)، وأن عدد الآيات التي روت لنا قصتهم يساوي (18) آية بالضبط، والذي يساوي رقم ترتيب السورة في القرآن! فانظر إلى هذا التناسق العجيب! ثم قارن هذه المعطيات بما تمّ الحصول عليه من نتائج مذهلة في البنود السابقة، وخاصّة فيما يتعلّق بالأعداد (9، 18، 26)! وقبل أن نبدأ بالبحث عن دلالة هذه الأعداد في السورة، علينا أن نكشف أولاً عن الحكمة من الوسطيّة المطلقة التي تحلّت بها السورة دون غيرها من السور، والتي نجد لها إشارة في ثلاث أحاديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والمتعلّقة بفضلها.

 فقد أخرج الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن(1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حفظ الآيات العشر الأوائل من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال". وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم رضي الله عنهم أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال أيضًا: "من قرأ الآيات العشر الأواخر من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال".

 وروى الإمام الحاكم وصحّحه في مستدركه على الصحيحين والإمام البيهقي في السنن، عن أبي سعيد رضي الله عنهم جميعًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين". فما هو السرّ الكامن إذن في سورة الكهف، والذي لأجله عيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم برأسها وبذيلها وبذاتها من بين كل سور القرآن الكريم؟ ولماذا خصّها صلى الله عليه وسلم كمنجىً ومُعْتَصَمٍ من فتنة الدجال؟

 نقول، والله تعالى أعلم، إن سورة الكهف قد تفرّدت بقصص عجيبة لم تتكرّر في أي موضع آخر من سور القرآن الكريم، وهي: قصّة أصحاب الكهف، وقصّة نبي الله موسى مع الخضر عليهما السلام، وقصّة الملك فاتح الآفاق ذي القرنين. فهي قصص يتيمة وردت لمرة واحدة في كل القرآن. وليس بسط هذه القصص من مقصودنا في هذا البحث، ولكنّا نريد أن نكشف بعون الله تعالى عن شيء من هذا السرّ، الذي لأجله خصّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السورة دون غيرها من السور بهذه الميزات، والتي نراها مرتبطة بموقع السورة من جهة، وبالتحام آياتها وكلماتها من جهة أخرى.

 فمن تأمّل هذه السورة وقرأها بعين اليقين، وجد أن سياقها واحد، وأن موضوعاتها على ما يبدو من اختلاف ظاهر بينها إنما تدور على محور واحد، هو محور الإعتقاد والعقيدة، وتصحيح القيم والمعايير والموازين وفق قيم هذه العقيدة. ثم إن القصص الواردة فيها تحدّثت عن كثير من العطايا الربانية التي يؤتيها الله من يشاء من عباده، نذكر منها: عطاء الإيمان متمثّلاً في قصة فتية الكهف الذين تحدّوا الجاهلية جمعاء، وخرجوا عليها غير آسفين على ما يفوتون ولا آبهين بما يلاقون، ثم آووا إلى الكهف، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾(2).

 ومنها عطاء العلوم والفتوح الغيبية متمثّلاً في قصة نبي الله موسى عليه السلام وفتاه مع الخضر، الذي آتاه الله من العلوم التي لا تُحصّل بفكر ولا بإعمال نظر، وإنما مصدرها روح قدسيّة ونفس زكيّة وصلت نفسها بحبل الله تعالى، ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾(3). ومنها أيضًا عطاء القوة المادية متمثّلاً في قصة ذي القرنين، الذي آتاه الله تعالى من قوة مادية استظهر بها لنصرة المستضعفين وحرب العالين المفسدين في الأرض، ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾(4).

 ثم إن هذه المعاني لم ترد مجرّدة، بل إن أوجه المناسبة الكامنة بينها كثيرة، والعلاقات الرابطة بينها لهي من الخوارق التي توحي إلى دلالة مباشرة على ما ورد في الأحاديث التي ذكرناها آنفًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما أن هذه السورة الجليلة تفرّدت دون غيرها من السور بإيراد هذه القصص العجيبة، فهي كذلك تفرّدت أيضًا من دون سائر سور القرآن بجملة خصائص ومجموعة مزايا، على رأسها ما يشبه أن يكون كرامة قرآنية عجيبة تدلّ على عظمتها. كيف؟

 عند التمعّن في موقع سورة الكهف من القرآن، نجد أولاً أنها تقارب أن تنتصف القرآن من ناحية صفحاته. ثم نلاحظ أن الجزء الخامس عشر انتهى فيها بالآية (74)، ليبتديء الجزء السادس عشر في الآية (75) من السورة نفسها، وعليه فقد انتصفت فيها أيضًا أجزاء القرآن الثلاثون. ثم نجد فيها أنه بحرف "النون" في قوله تعالى ﴿نُّكْراً﴾ من الآية (74): ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ قد انتصف عدد حروف القرآن، ليكون حرف الـ"الكاف" من الكلمة نفسها هو بداية النصف الثاني من حروف القرآن(5). ثم نجد أيضًا أن عدد الآيات التي روت لنا القصص اليتيمة الثلاث يساوي بالضبط (57) آية كريمة(6)، وهو ما يعادل نصف سور القرآن.

 ثم نجد أن هذه السورة الكريمة توسّطت أيضًا السور الخمس التي افتتحت بثناء الله تعالى على نفسه وذاته الكريمة بقوله سبحانه: ((الحمد لله))، وهي سور: الفاتحة (1)، الأنعام (6)، الكهف (18)، سبأ (34)، وفاطر (35). ثم إن إسمها من بعد ذلك ومن قبل سورة الكهف، والكهف يقع في قلب الجبل، فحريّ بها أن تقع إذن في قلب القرآن لأنها سورة الكهف.

 فهذه المناسبات الجليّة تشير إلى دلالات لطيفة، اتخذت منها سورة الكهف موضعًا يتّصف بالـ"الوسطيّة" في كثير من الجوانب العددية. والعلّة من ذلك، والله أعلم، أن الوسط بطبيعة الحال دائمًا محميّ الأطراف ومحفوظ. لأنه يشكّل المنزل الأوقى والموضع الأقوى من حيث أنه محروس ومحميّ بما حوله، فهو يمثّل الأمان والبعد عن المخاطر، في حين أن الأطراف هي التي تتعرّض عادة للخطر والفساد. وفي هذا قال الشاعر:

كانت هي الوسطَ المحميَ فاكتنفت        بها الحوادث حتى أصبحت طرفًا

 فالوسط يشير دائمًا إلى الأمن والإستقرار ويشكّل في الوقت نفسه مركز القوة. فأشعة الشمس مثلاً لا تكون أقوى تأثيرًا وإضاءة وحرارة إلا في وسط النهار وفي وسط قبّة السماء، ولا يكون الإنسان في أقوى حالاته إلا في شبابه وهو وسط بين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة. والوسط يمثّل أيضًا نقطة الوحدة ومركز التلاقي، فقد تتعدّد الأطراف تعدّدًا لا يتناهى ويبقى الوسط واحدًا يمكن لكل الأطراف أن تلتقي عنده، فهو المنتصف وهو المركز. والوسطية تعني أيضًا استقامة المنهج، والبعد عن الميل والإنحراف. فالصراط المستقيم هو الطريق السويّ الواقع وسط الطرق المنحرفة عن القصد، فإذا فرضنا خطوطًا كثيرة واصلة بين نقطتين متقابلتين فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية، وهو وسطها وأقصرها إلى الهدف.

 ومن ثم فإن الوسطية في الإسلام تعني الخيريّة والفضل والتميّز في الأمور المادية والمعنوية، فأفضل حبّات العقد واسطته، ورئيس القوم في الوسط والأتباع من حوله. وقال أحد الحكماء: الفضيلة وسط بين رذيلتين، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا": الوسط هنا الخيار والأجود، كما يقال قريش أوسط العرب نسبًا، أي خيرها، وكان عليه الصلاة والسلام وسطًا في قومه أي أشرفهم نسبًا..

ولذلك نجد من المعاني التي تمّ ذكرها، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خصّ هذه السورة الكريمة بهذه المزايا والصفات الدالّة على الوسطيّة، كإشارة لطيفة إلى أن من حفظها حُفظ من الدجال، كما أنها محفوظة في وسط القرآن. ونلفت انتباه القاريء إلى أن هذه الإشارة ليست من الهوى والخيال، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى عندما تكلّم عن وسطيّة هذه الأمّة في آية البقرة بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، وجدنا أن رقم هذه الآية في السورة هو (143)، مع العلم أن سورة البقرة تعدّ (286) آية كريمة. فذكر الله تعالى آية الوسط في وسط سورة البقرة.

 إذن أن توضع سورة الكهف في هذا المكان أيضًا إشارة إلى ما تقدّم من معاني. واستنادًا إلى ما ذكرنا من عطايا الإيمان فيما سبق، تكون هذه السورة الكريمة بمثابة عصمة وحفظ من كل دجل الدجاجلة، وليس من دجل الدجّال الأكبر وحده. بل من كل تدجيل المدنيات والحضارات والثقافات والكذبة من رؤوس الشرّ في هذه البشرية، لأن دجل الدجاجلة جميعًا يستغلّ إما ضعف العقل أو ضعف الإيمان أو ضعف الإرادة أو الضعف المادي. أما من كان قويًا في عقله وإيمانه ومتدرّعًا في أسباب النصر، فأنّى أن يكون للدجاجلة عليه سبيل؟ فكأن القرآن عرض لنا هذه العطايا في هذه القصص لكي يدلّ على أن من تحفّظ بها، فقد عُصم وحُفظ من كل أشكال الدجل بشكل عام، ومن الدجّال الأكبر بشكل خاص.


(1) إلا ابن ماجة.

(2) سورة الكهف: 18/10.

(3) سورة الكهف: 18/65.

(4) سورة الكهف: 18/84.

(5) القرآن العظيم له أنصاف باعتبارات، فنصفه بالحروف "النون" من ﴿نُّكْراً﴾، والـ"الكاف" من النصف الثاني. ونصفه بالكلمات الدال من قوله ﴿والجلود﴾ في سورة الحج، وقوله: ﴿ولهم مقامع﴾ من النصف الثاني. ونصفه بالآيات ﴿يأفكون﴾ من سورة الشعراء، وقوله ﴿فألقي السحرة﴾ من النصف الثاني. ونصفه على عداد السور آخر الحديد، والمجادلة من النصف الثاني. انظر: الإتقان للسيوطي، 1/190.

(6) قصة أصحاب الكهف في

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام