"عجبا" في الكهف والجن

عند التدقيق في الألفاظ القرآنية نجد أن كلمة "عددًا" جاءت (3) مرات في كل القرآن: منها مرة واحدة في سورة الكهف، في قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾(1)، ومرتين في سورة الجن، حيث كانت الأولى في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا(2)، وأما الثانية ففي قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(3). فهل نجد مناسبات عددية بين السورتين؟

 عند قراءتنا للسورتين تلفت انتباهنا عدّة أمور، نذكر منها: أن أول آية ذكرت قصة أصحاب الكهف في سورة الكهف انتهت بكلمة "عجبًا"، في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾(4)، وأن أول آية ذكرت قصة الجن في سورة الجن انتهت أيضًا بكلمة "عجبًا"، في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾(5).

 ثم نجد أن كلمة "عجبًا" لم ترد في كل القرآن الكريم إلا (3) مرات في فواصل الآيات، أي في نهاياتها، منها المرتان اللتان ذكرناهما آنفًا، ومرة أخرى جاءت أيضًا في سورة الكهف نفسها، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾(6).

 وبالإضافة إلى ذلك نلاحظ أيضًا أن السورتين قد احتوتا على فواصل متشابهات. ونعني بالفاصلة هنا نهاية الآية، أي آخر كلمة وردت في الآية. على أننا نجد فاصلتين من فواصل سورة الجن قد جاءتا بشيء مختلف: ففاصلة "شططا" كانت الوحيدة التي انتهت بمقطع "طا"، وفاصلة "ملتحدا" كانت أيضًا الوحيدة التي تألفت من (6) حروف.

وعند الرجوع إلى القرآن الكريم نجد أن هاتين الكلمتين لم تردا في كل القرآن الكريم إلا في سورتي الكهف والجن. ففي سورة الكهف جاءت كلمة "شططا" في قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا(7)، وجاءت كلمة "ملتحدا" في سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾(8).

وأما بالنسبة لورود الكلمتين في سورة الجن، فجاءت الكلمة الأولى في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾(9)، وأما الكلمة الثانية، فجاءت في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾(10). لقد بدأت الصورة تتّضح إذن أكثر فأكثر بشأن العلاقة القائمة بين هاتين السورتين. وخاصة عندما نعلم أن (10) فواصل من فواصل سورة الجن قد تكرّرت (22) مرة في سورة الكهف:

 سورة "الجن"                           سورة "الكهف"

عَجَبًا(1)                                   عَجَبًا (9)

أَحَدًا(2، 7، 18، 20، 26)                أَحَدًا (19، 22، 26، 38، 42، 47، 49، 110)

وَلَدًا(3)                                     وَلَدًا (4)

شَطَطًا(4)                                  شَطَطًا (14)

كَذِبًا(5)                                    كَذِبًا (5، 15)

رَشَدًا(10، 14، 21)                      رَشَدًا (10، 24)

مُلْتَحَدًا(22)                                مُلْتَحَدًا (27)

أَبَدًا(23)                                   أَبَدًا (3، 20، 35، 57)

عَدَدًا(24، 28)                            عَدَدًا (11)

أَمَدًا(25)                                   أَمَدًا (12)

ولعلّ القاريء يذكر العدد (22) ودلالته في سورة الكهف. وذلك مع العلم أن كلمة "الجن" تكرّرت في كل القرآن (22) مرة أيضًا، منها (19) مرة منها قبل سورة الجن و(3) مرات في السورة الجن نفسها. ولا يفوتنا أن نذكر هنا أيضًا أن البعد بين سورتي الكهف والجن هو (55)، وأن السورة (55) في ترتيب القرآن هي سورة الرحمن. وأن لفظ "الجن" جاء في هذه السورة للمرة الـ(19) من بداية القرآن، فكان ذلك في الآية (33) التي جاء فيها قوله تعالى: ﴿يمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَنٍ﴾(11). وذلك مع العلم أن البعد بين سورة الرحمن وسورة الجن هو (18)، وهذا هو رقم ترتيب سورة الكهف في القرآن.

 وعند التمعن في السورة نجد أيضًا أن الحديث عن ((الجن)) بدأ فيها بالآية (1) وانتهى بالآية (19)، ليتوجّه الخطاب بعدها من الله سبحانه وتعالى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم نلاحظ تداخلاً عجيبًا آخرًا ضمن فواصل السورتين. ففي حين أن (19) فاصلة من فواصل سورة الجن انتهت بمقطع "دا"، نجد أن (28) فاصلة من فواصل سورة الكهف انتهت بهذا المقطع. وتتجلّى الصورة أمامنا عندما نعلم أن (14) فاصلة من الفواصل التي انتهت بمقطع "دا" في سورة الجن، قد تكرّرت (18) مرة في فواصل سورة الكهف. فلاحظ التوافق بين هذه الأعداد التي ربطت بين السورتين، خاصّة وأن عدد آيات سورة الجن يساوي (14 × 2 = 28)، وأن رقم ترتيب سورة الكهف في القرآن هو (18).

 ومن ثم نجد أن (26) فاصلة من فواصل سورة الجن قد تكوّنت من (4) حروف، وفاصلة تكوّنت من (5) حروف ((وشهبا))، وفاصلة واحدة تكوّنت من (6) حروف ((ملتحدا))، وعليه فيكون مجموع الحروف الكلي لفواصل سورة الجن هو (115) حرفًا.

أما فواصل سورة الكهف فنجد أن (4) فواصل منها تكوّنت من (3) حروف، و(89) فاصلة تكوّنت من (4) حروف، و(10) فواصل تكوّنت من (5) حروف، و(7) فواصل تكوّنت من (6) حروف، وبذلك يكون المجموع الكلي لحروف فواصل هذه السورة هو (460) حرفًا. وعليه فإن الفارق بين مجموع حروف فواصل السورتين هو (460 – 115 = 345)! ما هي دلالة هذا العدد؟

قبل أن نتوجّه إلى الإجابة عن هذا السؤال نريد أن نجمع المعلومات الكافية التي من شأنها أن تساعدنا على الجزم بأمره. على أن هذه المعطيات تؤكّد لنا أن هناك علاقات عجيبة وتناسقًا عدديًا بديعًا في الألفاظ القرآنية من جهة، وبين السور القرآنية من جهة ثانية. فالأمر ليس مجرّد ظواهر عددية ولغوية متناسقة فيما بينها، وإنما هو تصميم منسوج ومنسّق بالأعداد في جميع أجزائه وبمختلف أشكاله، ويشير دائمًا إلى اتجاه واحد ووحيد: أن الذي أنزل القرآن هو الله رب العالمين. وكأن الأعداد في هذه العلاقات المعقّدة والمتشابكة قامت بدور الخيوط التي تربط بين أطراف المكوّنات القرآنية المطلقة، من حروف وكلمات وآيات وسور.


(1) سورة الكهف: 18/11.

(2) سورة الجن: 72/24.

(3) سورة الجن: 72/28.

(4) سورة الكهف: 18/9.

(5) سورة الجن: 72/1.

(6) سورة الكهف: 18/63. ولاحظ هنا أيضاً أنه عند جمع رقمي الآيتين الحاويتين لكلمة "عجبًا" في سورة الكهف، نحصل على: (9 + 63 = 72). وهذا العدد يشكّل رقم ترتيب سورة الجن في القرآن.

(7) سورة الكهف: 18/14.

(8) سورة الكهف: 18/27.

(9) سورة الجن: 72/4.

(10) سورة الجن: 72/22.

(11) سورة الرحمن: 55/33.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام