العظمة في شأن مريم

لقد ذكرنا فيما سبق أن أكبر نسبة لورود لفظ الجلالة ((الرحمن)) في القرآن كانت في سورة مريم عليها السلام، حيث تكرّر فيها هذا اللفظ الجليل (16) مرة. وإذا علمنا أن رقم ترتيب سورة مريم عليها السلام في القرآن هو (19)، فيلفت انتباهنا أولاً أن المرة الـ(19) التي يتكرّر فيها لفظ الجلالة ((الرحمن)) من أول القرآن، وردت في الآية (92) من السورة (19) نفسها، وثانيًا أن إسم مريم عليها السلام ورد في هذه السورة لأول مرة في الآية رقم (16)، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. ثم نلاحظ أيضًا أن هذه السورة قد افتتحت بذكر الرحمة، حيث جاء فيها قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾(1). فما هو مدلول هذه المعطيات؟

 عند التمعّن في السورة نجد أن مقصدها الأساسي هو بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم على جميع خلقه(2). وتدخل قصة مريم عليها السلام في أجواء معجزة إلهية على فرادة متميّزة كونها تتحدّى المألوف في عملية الخلق، ذلك أن الخليقة التي بدأت بحفنة من طين نفخ الله فيها من روحه فكان آدم، وكانت حواء، دون أب أو أم، ثم كان التوالد على أساس التقاء الرجل والمرأة ليكون الإنسان نتيجة هذا اللقاء الزوجي، واستمرت البشرية في هذا الخط حتى أصبح القاعدة التي تحكم التصوّر كما تحكم الواقع.

 ثم جاءت قصة ولادة مريم لعيسى عليهما السلام، لتخرق هذا القانون الطبيعي بقوة ولتعرف البشرية مخلوقًا وُلد من أم دون أب، ولتفرض ولادته تصوّرًا جديدًا في أجواء العقيدة، من خلال التعمُق في فهم سرّ قدرة الله في عملية الإيجاد المتنوّع في كل مظاهره الدالة على وحدانيته وقدرته سبحانه وتعالى، حيث لا تمنع إلفة الوضع الطبيعي للتناسل التفكير الدقيق في إعجاز الأساس الذي أودع في لقاء النطفة بالبويضة سرّ الحياة التي ينشأ عنها الإنسان.

وبذلك لا يكون في إعجاز الخلق فرق، بين خلق آدم وخلق عيسى عليهما السلام، وخلق الناس بالطريقة العادية، بل كل ما هناك أننا ألِفْنَا المعجزة في بعض صورها، ولم نألفها في البعض الآخر.

 وقد جعل الله سبحانه وتعالى مريم العذراء عليها السلام عنوان القصة، لأن حركة الخلق انطلقت منها ومعها، وحملت أكثر الملامح اتصالاً بها، من حيث المضمون والموقف، ومن حيث الإيحاءات الروحية في مسألة تقديم النموذج الأمثل للمرأة من خلال الإنسانة المؤمنة التي يتحوّل ضعفها الأنثوي بفضل الإيمان والرعاية الإلهية إلى عنصر قوة وثبات، فكانت هي الأنثى الوحيدة التي أكرمها القرآن بذكر إسمها.

 ولقد سبق ودرسنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب الترتيب المعجز لإسم عيسى عليه السلام في النسق القرآني. ونريد هنا أن نكمل المشوار بالكشف عن بعض الأسرار العجيبة الأخرى التي تربط إسمه بإسم أمه عليهما السلام في هذه السورة الكريمة، لتتجلّى لنا عظمته سبحانه وتعالى.

فسورة مريم هي السورة رقم (19) حسب الترتيب القرآني وتعدّ (98) آية، وهي تُعتبر إحدى السور المقطعات، حيث ابتدأت بالحروف النورانية: ﴿كهيعص﴾.

وعند الرجوع إلى السورة نجد أن إسم "مريم" عليها السلام تكرّر فيها (3) مرات، وذلك في الآيات: (16، 27، 34):

 ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾(3)

﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾(4)

﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾(5)

 وأول ما يلفت انتباهنا هنا أن عدد الآيات من أول إسم لمريم إلى آخر إسم لها عليها السلام في السورة، أي من الآية (16) إلى الآية (34)، يساوي بالضبط (19) آية، وهو عبارة عن رقم ترتيب السورة في القرآن.

 وإضافة إلى ذلك نلاحظ أن الآية (25) قد توسّطت الآيات الـ(19)، وقامت بتجزئتها إلى نصفين متساويين. وقد سبق وذكرنا أن إسم عيسى عليه السلام تكرّر في كل القرآن (25) مرة. ولا يفوتنا أن إسمه الـ(19) عليه السلام جاء في الآية (34) من السورة نفسها. فهذه المعلومات تشير إلى وجود روابط محكمة بين مكوّنات السورة من جهة، وبين التناسق العددي الوارد فيها من جهة أخرى.

 وللكشف عن دلالة هذه الروابط، نبدأ أولاً بالتحري عن خصائصها وميّزاتها. فأول عامل يتيح لنا التعرف على العلاقات القائمة بين الأعداد المذكورة هو معرفة مجموعها. وبذلك فإن الأالإذا صياغة متوالية حسابية لمجموع الأعداد من (16) إلى (34)، يعطينا: (16 + 17 + 18 + ... + 34 = 475 = 19 ´ 25). فما هو مدلول هذه المعادلة؟ وما هو مدلول الأعداد الواردة فيها؟ لقد أشرنا فيما سبق أن رقم ترتيب سورة مريم في القرآن هو (19)، وأن للعدد (25) علاقة مباشرة بمجموع المرات التي تكرّر فيها إسم عيسى عليه السلام في كل القرآن.

 فما هي دلالة العددين (34) و(16)؟ أما بالنسبة للعدد (34)، فنجد من العجب أنه يساوي عدد المرات التي تكرّر فيها إسم مريم عليها السلام في كل القرآن الكريم، وهو (34) مرة بالضبط:   

الآيات التي ورد فيها إسم مريم عليها السلام في القرآن الكريم

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

2

2

3

3

3

3

3

3

3

الآية

87

253

36

37

42

43

44

45

45

الرقم

10

11

12

13

14

15

16

17

18

السورة

4

4

4

4

5

5

5

5

5

الآية

156

157

171

171

17

17

46

72

75

الرقم

19

20

21

22

23

24

25

26

27

السورة

5

5

5

5

5

9

19

19

19

الآية

78

110

112

114

116

31

16

27

34

الرقم

28

29

30

31

32

33

34

السورة

23

33

33

57

61

61

66

الآية

50

7

57

27

6

14

12

 وإذا تمعّنا هذه المواقع نجد إحكامًا عجيبًا حتى في توزيع إسمها عليها السلام في كل القرآن. فمن اللافت للإنتباه أن إسمها الـ(25) جاء في الآية الـ(16) من السورة (19). ثم نلاحظ أن إسمها عليها السلام جاء في بعض الأحيان مرتين بنفس الآية: الآية (45) من السورة (3)، والآية (171) من السورة (4)، والآية (17) من السورة (5). وعليه يكون إسمها عليها السلام قد تكرّر (34) مرة في (31) آية من آيات القرآن الحكيم(6).

 ومن ثم فإذا قمنا الآن بتتبّع هذه المرات، وذلك دون إحصاء الآيات المتكرّرة منها، نجد أن إسمها الـ(16) قد جاء في المرتبة الـ(19) حسب الترتيب القرآني. ونلاحظ أيضًا أن الحديث عن مريم عليها السلام قد بدأ في سورة مريم بالآية رقم (16) وانتهى بالآية رقم (40)، ليبدأ الحديث بالآية (41) عن إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه. ولدهشتنا نجد مرة أخرى أن عدد الآيات من (16) إلى (40) يساوي أيضًا (25) آية بالضبط.

لقد بدأت الصورة تتضح إذن أكثر فأكثر بشأن الأعداد (19، 25، 34). ولكن ما هي دلالة العدد (16) في هذا السياق؟ عند تفحص ذكر الإسمين عيسى ومريم عليهما السلام في كل القرآن نجد أولاً أن كلاً منهما ذُكر في عدة مواضع على حدة. ولكننا نعجب عندما نجد أنهما ذُكرا معًا في (16) آية بالضبط، وذلك بصيغتين:  

"عيسى ابن مريم" = (13)

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

السورة

2

2

5

5

5

5

5

الآية

87

253

46

78

110

112

114

الرقم

8

9

10

11

12

13

السورة

5

19

33

57

61

61

الآية

116

34

7

27

6

14

 

"المسيح عيسى ابن مريم" = (3)

الرقم

1

2

3

السورة

3

4

4

الآية

45

57

171

 والأمر لا يقف عند هذا الحد! إذ كيف يعلن لنا سبحانه وتعالى أن المسيح عيسى هو حقًا ابن مريم عليهما السلام؟ فلا بدّ للصورة أن تكتمل. لقد سمّاه القرآن ((عيسى ابن مريم))، وسمّاه ((المسيح عيسى ابن مريم))، كما ذكرنا آنفًا. ولكننا نجد أن القرآن نعته أيضًا بأسماء أخرى، منها إلى نسبه، ومنها دون ذلك، وإليك التفصيل: 

"المسيح ابن مريم" = (5)

الرقم

1

2

3

4

5

السورة

5

5

5

5

9

الآية

17

17

72

75

31

"ابن مريم" = (2)

الرقم

1

2

السورة

23

43

الآية

50

57

"المسيح" = (2)

الرقم

1

2

السورة

4

5

الآية

172

72

 

"عيسى" فقط، أي دون نَسَبِه = (9)

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

2

3

3

3

3

4

6

42

43

الآية

136

52

55

59

84

163

85

13

63

 وبذلك يكون المجموع الكلي لنعوت عيسى عليه السلام في كل القرآن مساويًا لـ: (13 + 3 + 5 + 2 + 2 + 9 = 34) مرة(7)، وهو عدد المرات التي ذُكرت فيها أيضًا أمه مريم عليهما السلام في كل القرآن. فتأمل، وتفكّر في هذا التناسق والإبداع المحكم والمطلق، الذي لا يضاهيه كلام إذ هو تنزيل من ربّ العالمين. ولنعد بعد هذا التفصيل مرة أخرى إلى ميّزات الآيات من (16) إلى (34). فذكرنا فيما سبق أن الآية (25) قد فصلت بين مجموع هذه الآيات وقسمتها إلى نصفين متساويين. وقمنا في الجدول التالي بالكشف عن بعض مكوّنات هذه الآيات: 

الرقم

الآية

الكلمات

الحروف

1

16

10

41

2

17

11

51

3

18

8

30

4

19

9

31

5

20

11

37

6

21

15

58

7

22

5

24

8

23

13

56

9

24

10

38

10

25

8

34

11

26

18

76

12

27

10

40

13

28

11

38

14

29

10

38

15

30

8

34

16

31

11

49

17

32

6

28

18

33

9

35

19

34

9

34

 فعند تحليل كل من هذين النصفين على حدة نجد ما يلي:

- عدد الكلمات من الآية (16) إلى الآية (24)، يساوي (92) كلمة

- عدد كلمات الآية (25)، يساوي (8) كلمات

- عدد الكلمات من الآية (26) إلى الآية (34)، يساوي (92) كلمة

وعليه يكون مجموع الكلمات مساويًا لـ(92 + 8 + 92 = 192) كلمة. فنلاحظ أولاً أن عدد الكلمات في النصف الأول تساوى تمامًا مع عدد الكلمات في النصف الثاني: ألا وهو (92) كلمة(8)! والأمر الثاني الذي يلفت الإنتباه هو أننا نجد من بين جميع هذه الآيات (3) آيات قد تكوّنت بدورها من (34) حرفًا، وهي الآيات: (25، 30، 34). فعند إحصاء مجموع الكلمات في هذه الآيات الـ(3) نجد أنها تساوي (8 + 8 + 9 = 25) كلمة!

 ثم نجد أن مجموع أرقام هذه الآيات يساوي: (25 + 30 + 34 = 89). وإذا دقّقنا في خصائص هذا العدد فنجد أنه معكوس العدد (98)، الذي يساوي عدد آيات سورة مريم. وللتأكّد من صحّة خطوتنا هذه نقوم بعكس العدد (34)، الذي شكّل عدد المرات التي ورد فيها إسم مريم في القرآن فنحصل على (43). وعند الرجوع إلى القرآن نجد أن السورة (43) هي الوحيدة التي تكوّنت من (89) آية(9)!

 ومن المعلوم أن إسم مريم جاء في كل القرآن (34) مرة، منها (3) مرات فقط في سورة مريم، حيث كان ذلك في الآيات: (16، 27، 34). فعند البحث في خصائص هذه الآيات، نجد أن الآية (16) تكوّنت من (41) حرفًا، والآية (27) تكوّنت من (40) حرفًا، والآية (34) تكوّنت من (34) حرفًا! فإذا جمعنا أرقام الآيات مع عدد حروفها نحصل على: (16 + 27 + 34 + 41 + 40 + 34 = 192). ولكن هذا العدد ما هو إلا عدد الكلمات في الآيات من (16) إلى (34). فتأمّل!

ومن ناحية ثانية نجد أن مجموع أرقام الآيات الثلاث (16، 27، 34) يساوي (77). والعجيب أن السورة الوحيدة التي تكوّنت من (77) آية كريمة في كل القرآن هي سورة الفرقان التي رقم ترتيبها هو (25)! فتدبّر!

 وقد سبق وذكرنا في الفصل السابق أن العدد (19) عبارة عن عدد أولي، وهو العدد الأولي رقم (8): (2، 3، 5، 7، 11، 13، 17، 19). فنلاحظ وجود (3) آيات أخرى في الجدول أعلاه، التي تكوّنت بدورها من (8) كلمات، وهي الآيات (18، 25، 30)، وأن كل واحدة من هذه الآيات تكوّنت على التوالي من (30، 34، 34) حرفًا. فنجد أن مجموع هذه الحروف يعطينا عدد آيات السورة، والذي يساوي بالضبط (30 + 34 + 34 = 98)!

 ومن ثم نجد أن القرآن الكريم يحوي آية واحدة فقط، والتي وصفت ولادة مريم لعيسى عليهما السلام بأنها ((آية)) من آيات الله العجاب، فكان ذلك في الآية (50) من سورة المؤمنون: ﴿وَجَعلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ(10). يقول الزركشي: "﴿وَجَعلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ يعني: مريم وعيسى، وقال ﴿آيَةً﴾ ولم يقل "آيتين"، وهما آيتان، لأنها قضية واحدة، وهي ولادتها له من غير ذكر"(11). ونحن هنا نجد المحكّ في العلاقات العددية القائمة بين آيات القرآن الحكيم. فعند التوجه إلى الجدول الذي أحصينا فيه عدد المرات التي تكرّر فيها إسم مريم عليها السلام في كل القرآن نجد أن موقع هذه الآية الكريمة، من بين الآيات غير المتكرّرة، هو الـ(25): 

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

2

2

3

3

3

3

3

3

4

الآية

87

253

36

37

42

43

44

45

156

الرقم

10

11

12

13

14

15

16

17

18

السورة

4

4

5

5

5

5

5

5

5

الآية

157

171

17

46

72

75

78

110

112

الرقم

19

20

21

22

23

24

25

السورة

5

5

9

19

19

19

23

الآية

114

116

31

16

27

34

50

وكما رأينا سابقًا، فإن كل ما انطبق على مريم وجدنا له مثيلاً في عيسى عليهما السلام، ولذلك نتوقع أن ينطبق هذا الأمر أيضًا على المعادلة السابقة. فعند التوجه إلى الجداول التي أحصينا فيها إسم عيسى عليه السلام بكل الأسماء التي نعته بها القرآن الكريم، نجد أن موقع هذه الآية الكريمة، من بين الآيات غير المتكرّرة، هو أيضًا الـ(25): 

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

2

2

2

3

3

3

3

3

4

الآية

87

136

253

45

52

55

59

84

57

الرقم

10

11

12

13

14

15

16

17

18

السورة

4

4

4

5

5

5

5

5

5

الآية

163

171

172

17

46

72

75

78

110

الرقم

19

20

21

22

23

24

25

السورة

5

5

5

6

9

19

23

الآية

112

114

116

85

31

34

50

 ومن المعلوم أن (25) هو (50 ٪ 2). فسبحان الذي أنزل كل شيء بقدر وحساب. على أن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ! ذلك أن جمع الرقم والسورة والآية في كلتا الحالتين يعطينا: (25 + 23 + 50 = 98)، وهو مرة أخرى عدد آيات السورة.

 وعند العودة إلى مضمون السورة من جديد نجد أن الخطاب قد انتقل من مريم إلى عيسى عليهما السلام في الآية (30)، لينتهى بالآية (33)، حيث يأتي بعدها قرار من الله سبحانه وتعالى مباشرة في الآية (34) أنه: ﴿ذَلِكَ عيِسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾(12). والعجيب أن عدد الكلمات في هذه الآيات، أي من (30) إلى (33)، يساوي (34) كلمة بالضبط.

 ما هي دلالة هذا العدد العجيب الذي واجهنا في كل ما تمّ بحثه في هذه السورة الجليلة؟ عند التدقيق في السورة نجد أن آخر إسم لمريم وعيسى عليهما السلام جاء في الآية (34)، ونجد من العجب أيضًا أن أول تغيير في بنية فواصل السورة، أي في الكلمات الواردة في أواخر آياتها، قد طرأ أيضًا في الآية (34).

فقد انتهت الآيات من (2) إلى (33) بمقطع "يا":

زَكَرِيَّا(2)      خَفِيًّا(3)          شَقِيًّا(4)           وَلِيًّا(5) 

رَضِيًّا(6)      سَمِيًّا(7)          عِتِيًّا(8)           شَيْئًا(9)   

سوِيًّا(10)    وَعَشِيًّا(11)      صَبِيًّا(12)          تَقِيًّا(13)

عَصِيًّا(14)   حَيًّا(15)          شَرْقِيًّا(16)        سَوِيًّا(17)             

تَقِيًّا(18)     زَكِيًّا(19)         بَغِيًّا(20)           مَقْضِيًّا(21)

 قَصِيًّا(22)  مَنْسِيًّا(23)        سَرِيًّا(24)         جَنِيًّا(25)        

إِنسِيًّا(26)   فَرِيًّا(27)          بَغِيًّا(28)          صَبِيًّا(29)                 

 نَبِيًّا(30)   حَيًّا(31)           شَقِيًّا(32)          حَيًّا(33)

 ليظهر أول اختلاف بحروف فاصلة الآية (34)، التي انتهت بمقطع "ون" في كلمة ((يمترون)). فتدبّر! ومن ثم يستمرّ هذا الإختلاف حتى فاصلة الآية (40):

يَمْتَرُونَ(34)  فَيَكُونُ(35)  مُسْتَقِيمٌ(36)  عَظِيمٍ(37)  مُبِينٍ(38)   يُؤْمِنُونَ(39)  يُرْجَعُونَ(40)

 ثم تعود الفواصل من جديد للمقطع "يا" من الآية (41) حتى الآية (74). والعجيب أن عدد الآيات من (41) إلى (74) هو مرة أخرى (34):

نَبِيًّا(41)       شَيْئًا(42)          سَوِيًّا(43)      عَصِيًّا(44)         وَلِيًّا(45)

مَلِيًّا(46)      حَفِيًّا(47)          شَقِيًّا(48)        نَبِيًّا(49)           عَلِيًّا(50)

نَبِيًّا(51)      نَجِيًّا(52)           نَبِيًّا(53)         نَبِيًّا(54)           مَرْضِيًّا(55)

 نَبِيًّا(56)      عَلِيًّا(57)          وَبُكِيًّا(58)       غَيًّا(59)            شَيْئًا(60)

 مَأْتِيًّا(61)     وَعَشِيًّا(62)       تَقِيًّا(63)         نَسِيًّا(64)          سَمِيًّا(65)

 حَيًّا(66)       شَيْئًا(67)         جِثِيًّا(68)        عِتِيًّا(69)          صِلِيًّا(70)

 مَقْضِيًّا(71)    جِثِيًّا(72)          نَدِيًّا(73)        وَرِئْيًا(74)

ثم تختلف حروف الفواصل مرة أخرى من الآية (75) إلى الآية (98)، لتنتهي بمقطعين جديدين، هما "دا" و"زا". حيث أن (21) آية منها انتهت بمقطع "دا"، و(3) آيات انتهت بمقطع "زا":

جُندًا(75)       مَرَدًّا(76)          وَوَلَدًا(77)           عَهْدًا(78)              مَدًّا(79)

فَرْدًا(80)       عِزًّا(81)           ضِدًّا(82)            أَزًّا(83)                عَدًّا(84)

وَفْدًا(85)       وِرْدًا(86)          عَهْدًا(87)            وَلَدًا(88)               إِدًّا(89)

هَدًّا(90)        وَلَدًا(91)           وَلَدًا(92)            عَبْدًا(93)               عَدًّا(94)

فَرْدًا(95)       وُدًّا(96)            لُدًّا(97)              رِكْزًا(98)

 وعند تدقيق النظر في الفواصل نجد أنها كوّنت (4) مجموعات: الأولى من الآية (2) وحتى الآية (33)، والثانية من الآية (34) وحتى الآية (40)، وأما الثالثة فمن الآية (41) وحتى الآية (74)، فالرابعة من الآية (75) وحتى الآية (98).

وعند البحث في المجموعة الأولى يتّضح لنا أن (7) فواصل منها قد تكرّرت، وهي: (سَوِيًّا، تَقِيًّا، بَغِيًّا، صَبِيًّا، حَيًّا، شَقِيًّا، حَيًّا)، فتبقى إذن (25) فاصلة غير متكرّرة.

 وفي المجموعة الثالثة تكرّرت (9) فواصل، هي: (نَبِيًّا، نَبِيًّا، نَبِيًّا، نَبِيًّا، نَبِيًّا، عَلِيًّا، شَيْئًا، شَيْئًا، جِثِيًّا)، فتبقى كذلك (25) فاصلة غير متكرّرة. مع العلم أن (9 + 7 = 16)! فتدبر!

 وأما المجموعة الرابعة فنجد أن (5) فواصل منها قد تكرّرت، وهي: (عَهْدًا، وَلَدًا، وَلَدًا، عَدًّا، فَرْدًا)(13)، فتبقى (19) فاصلة غير متكرّرة! وبهذا ثم نعود مرة أخرى إلى الأعداد (16، 19، 25)، ومن ثم إلى علاقتها بالعدد (34)! وقد سبق وذكرنا أن فواصل الآيات من (2) إلى (33)، والآيات من (41) إلى (74)، أي فواصل المجموعة الأولى والثالثة، قد انتهت بمقطع "يا".

ونلاحظ أن (17) فاصلة من المجموعة الأولى قد تكرّرت في المجموعة الثالثة، وهي: (شَقِيًّا، وَلِيًّا، سَمِيًّا، عِتِيًّا، شَيْئًا، سَوِيًّا، وَعَشِيًّا، تَقِيًّا، عَصِيًّا، حَيًّا، سَوِيًّا، تَقِيًّا، مَقْضِيًّا، نَبِيًّا، حَيًّا، شَقِيًّا، حَيًّا). ومن المعلوم أن (17) هو (34 / 2). فتأمّل!

ثم نجد عند النظر في المجموعات الـ(4) التي تمّ ذكرها أعلاه، وبالإضافة إلى الآية الأولى، أن (77) فاصلة من مجموع (98) آية كريمة لم تتكرّر في السورة، لأن: (1 + 7 + 25 + 25 + 19 = 77)! وإن لهذا العدد (77) دلالات عظيمة سنبحثها لاحقًا بشكل مفصّل، إن شاء الله.

 ولكن ليكن لديك معلومًا أن (77 – 16 = 61) وأن (77 – 34 = 43)، وأن الفارق العددي بين العددين (43) و(61) يساوي بالضبط (19)! وذكرنا أيضًا فيما سبق أن السورة الوحيدة التي تكوّنت من (77) آية كريمة هي سورة الفرقان، التي رقم ترتيبها في القرآن (25)!

 وبالإضافة إلى هذه الملاحظات نجد في السورة آيتين مثيرتين للإنتباه. الأولى هي الآية (15): ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾(14). والثانية هي الآية (33): ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾(15). فهاتان الآيتان هما أكثر ارتباطًا من حيث أن كلاً منهما تعلّقت بالنبيين يحيى وعيسى عليهما السلام، وأنهما لا توجدان في مكان آخر من القرآن الكريم.

فنلاحظ أولاً أن البعد من الآية (15) إلى الآية (33) يساوي (19) آية! فتأمّل! والأمر لا يقف عند هذا الحدّ! إذ نجد أن هذه السورة الكريمة قد حوت أيضًا أسماء (13) نبيًا ورسولاً. والعجيب في الأمر أن أسماء جميع هؤلاء الأنبياء والرسل، عليهم صلوات الله وسلامه، تكرّرت في هذه السورة الكريمة بمجموع (19) مرة بالضبط: 

الإسم                   الآيات                                الإسم              الآيات

زكريا                   2، 7                                 موسى             51

يعقوب                  6، 49                                إسماعيل          54

يحيى                   7، 12                                إدريس             56

هرون                  28، 53                              آدم                 58

عيسى                  34                                    نوح                58

إبراهيم                 41، 46، 58                         إسرائيل            58

إسحاق                 49

 ولقد ذكرنا في البداية أن سورة مريم تُعتبر من السور المقطعات، وسنقوم ببحث خصائص هذه السور في نهاية الباب القادم إن شاء الله تعالى. إلا أننا سنذكر هنا جزءًا من مدلولها في هذه السورة الكريمة، لتكتمل الصورة الإعجازية التي أردنا تقديمها.


(1) سورة مريم: 19/2.

(2) برهان الدين البقاعي، نظم الدرر، 4/514.

(3) سورة مريم: 19/16.

(4) سورة مريم: 19/27.

(5) سورة مريم: 19/34.

(6) ولدهشتنا نجد أن السورة (34) في القرآن قد تكونت من (31) آية كريمة. ثم قارن هذه الحقيقة بما سيتم عرضه في الفصول القادمة إن شاء الله.

(7) مع العلم أن النصارى نعتوه عليه السلام بـ"المسيح ابن الله" في الآية (30) من السورة (9). إلا أننا لا يمكننا الأخذ بهذا النعت، فما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه!

(8) قلنا إن عدد الكلمات من الآية (16) إلى الآية (25) يساوي (92 + 8 = 100) كلمة. وإنه حقاً لأمر عجيب أن نجد أن عدد حروف الفواصل من الآية (1) حتى الآية (25) يساوي أيضًا (100) حرف!

(9) قلنا إن إسم مريم عليها السلام جاء (34) مرة في كل القرآن، وذكرنا أنه تكرّر في (3) آيات منها مرتين. وعليه يكون عدد الآيات التي ذكرت إسم مريم عليها السلام في كل القرآن هو (31). فإذا توجهنا إلى السورة (31) في القرآن نجد أنها تكوّنت من (34) آية. ومن ناحية ثانية نجد أن معكوس العدد (31) هو (13). والعجيب أيضاً أن السورة رقم (13) هي الوحيدة في كل القرآن التي تكوّنت من (43) آية كريمة، مع العلم أن العدد (43) هو معكوس العدد (34)! فلا بدّ إذاً أن هذه المعطيات تكنّ بأسرار عظيمة سيكشفها لنا المستقبل إن شاء الله تعالى.

(10) سورة المؤمنون: 23/50.

(11) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1/203.

(12) سورة مريم: 19/34.

(13) العجيب أن عدد حروف هذه الفواصل المتكرّرة يساوي (19)! وأما مجموع حروف كل الفواصل التي انتهت بمقطع "دا" فيساوي (77)! فسبحان الله العظيم!

(14) سورة مريم: 19/15.

(15) سورة مريم: 19/33.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام