العدد تسعة عشر والإعجاز

يحوي القرآن الكريم بين دفّتيه (114) سورة كريمة، أولها "الفاتحة" وآخرها "الناس". وتتكوّن كل سورة فيه من عدد معين من الآيات، أطول هذه السور هي "البقرة" المكوّنة من (286) آية، وأقصرها "الكوثر" المكوّنة من (3) آيات. أما مجموع كل آيات القرآن فيساوي (6236) آية كريمة، أطولها آية الدّين(1)، وأقصرها آية "والضحى"(2). وعند النظر في السور القرآنية نجد أنه بالإمكان تصنيفها وفقًا لميّزات كل واحدة منها. فنجد أن من السور ما هو مكي وما هو مدني، وأن منها ما هو طويل وما هو قصير.. ومن ثم نجد أن بعض السور تحوي قواسم مشتركة فيما بينها، كالتساوي في عدد الآيات، مثل سورتي يوسف والإسراء، حيث حوت كل منهما (111) آية، أو سورتي نوح والجن، كل منهما (28) آية.. أو باحتواء بعض السور على آية سجدة(3)، أو بافتتاح بعضها بالحروف النورانية، مثل (ألـم، حـم، طسـم..).

 وإن مثل هذه المعطيات يمكنها أن تزوّدنا بمعلومات هامّة في بحثنا عن العلاقات الكامنة بين السور القرآنية من جهة، وبين عدد آيات كل سورة من جهة ثانية. ولذلك كان من البديهي أن نبدأ بالبحث عن وجود علاقات بين ترتيب السور في القرآن الكريم، وبين عدد آيات كل سورة فيه. وللكشف عن مثل هذه العلاقات نرجع في طبيعة الحال إلى الطرق الرياضية في البحث. فللتحقّق من وجود روابط بين متغيّرات طبيعية(4)، يلجأ الرياضيون إلى الطريقة البيانية، التي تُظهر ما إذا كان أحد المتغيّرات عبارة عن دالّة لمتغيّرات أخرى. ويتكوّن الرسم البياني المبسّط بشكل عام من إحداثيين (x،y). فإذا قمنا بوضع كل السور القرآنية من (1) إلى (114) على الإحداثي (x)، وقمنا من جهة ثانية بوضع آيات كل سورة على الإحداثي (y)، نحصل على نموذج يتشكّل من الرسم البياني التالي: 

فسورة الفاتحة مثلاً ترتيبها في القرآن (1) وعدد آياتها (7)، لذلك يكون موضعها في الرسم البياني على الإحداثيين (7،1). وسورة البقرة ترتيبها في القرآن (2) وعدد آياتها (286)، لذلك يكون موضعها في الرسم البياني على الإحداثيين (286،2)، ثم ننتقل إلى السورة التي تليها.. وهكذا حتى نصل إلى آخر سورة، وهي سورة الناس التي رقم ترتيبها (114) وعدد آياتها (6)، فيكون موضعها في الرسم البياني على الإحداثيين (6،114).. وبذلك نجد أن لكل سورة على الإحداثي (x) ما يناسبها من عدد للآيات على الإحداثي (y).

 هذا النموذج المتحصّل من الرسم البياني أعلاه يبدو لأول وهلة بدون نظام ظاهر، ولا يوحي بوجود أيّة علاقة بين ترتيب السور القرآنية، وبين الآيات التي تتكوّن منها هذه السور. إلا أن الأمر يختلف عندما نقوم بتقديم هذه المعطيات إلى الحاسوب الإلكتروني، ونطلب منه أن يقوم بتغطية إحصائية لمواقع إحداثيات السور وما يناسبها من الآيات. لأننا نحصل على ما لا يخطر ببال بشر:

 

 

 

 

 

 

 

ذلك أن الشكل المتحصّل من هذه التغطية هو لفظ الجلالة "الله" كما يُكتب في الرسم العثماني. فسبحان الذي أنزل القرآن وحفظه من كل زيغ وعبث! إنها حقًا نتيجة مذهلة تحتبس عند عظمتها الأنفاس، وتبيّن لكل ذي عقل بالدليل والحُجّة القاطعة أن الذي أحكم سور وآيات هذا الكتاب العظيم هو بديع السماوات والأرض. وإن هذه الحقيقة المطلقة قد اشتملت على قواعد رياضية بدهية، وتجلّت بتناسق متسلسل ونظام عجيب ونموذج رياضي فريد، أحكمته قدرة الله الحكيم الخبير. وأنت يمكنك الحصول على هذا الشكل حتى عن طريق إيصال النقاط الخارجية بخطوط يدوية:

 

الأمر الذي يجعل منه دليلاً قاطعًا على أمرين بدهيين، الأول: أن ترتيب السور والآيات القرآنية كان بتوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، والثاني: أنه يثبت وجود علاقات رياضية بين ترتيب كل سورة من السور القرآنية، وبين عدد آيات كل سورة في القرآن.

 وقد أشرنا فيما سبق أن هذه البنية القرآنية المحكمة ترتكز على كثير من الثوابت العددية، إلا أن الثابت الرئيسي والأساسي الذي يتحكّم فيها هو العدد (19)، لكونه "نذيرًا للبشر"، ولكونه "مثلاً" من الأمثال التي ضربها الله تعالى للناس، للدلالة القطعية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

 وبما أن الدليل الذي يثبت به الله سبحانه وتعالى صدق الرسول الذي أكرمه برسالته، هو المعجزة، فلا بدّ أن تكون لهذا العدد خصائص معيّنة لها مقوّمات تدلّ على كونه معجزًا، وهذا ما سنتعرض له في الفصول القادمة إن شاء الله.

لماذا (19)؟ ولماذا لا يكون النظام الرياضي في القرآن الكريم مبنيًّا على عدد آخر غير الـ(19)؟ فما هو السرّ الكامن في هذا العدد؟ عند الرجوع إلى عالم الأعداد والأرقام، نجد أن لكل عدد من الأعداد الصحيحة والطبيعية خصائص معيّنة، إلا أن العدد (19) يتميّز بصفات مثيرة وعجيبة. وإن من أهم خصائص هذا العدد هي كونه عددًا أوليًا، أي عددًا لا يقبل القسمة إلا على (1) وعلى نفسه فقط.

 فما هي أهميّة هذه الخصوصيّة من ناحية رياضية؟ ولماذا اختار الله تعالى للنظام القرآني البديع أن يرتكز على عدد أولي، وليس على أي عدد آخر من الأعداد المركّبة، كالعدد (12) مثلاً؟

 لقد عرّف العلماء العدد الأولي بأنه أي عدد أكبر من الواحد، وعوامله الأولية الموجبة هي الواحد والعدد نفسه، وعكس هذا هو العدد المركّب وهو العدد الذي يمكن تحليله إلى عوامل أصغر منه. فعلى سبيل المثال، العدد (10) يمكن تجزئته إلى (2 × 5)، وبالتالي فهو عدد مركّب، وأما العدد (7) فلا يمكن تجزئته، وبالتالي فهو عدد أولي.

 وقد بيّنت النظرية الأساسية في الحساب(5) أن الأعداد الأولية هي لبنات الأعداد الصحيحة الموجبة، بمعنى أن أي عدد صحيح وموجب هو عبارة عن حاصل ضرب أعداد أولية:

24 = 2 × 2 × 2 × 3

42 = 2 × 3 × 7

50 = 2 × 5 × 5..

 وأنت لو تفكّرت في العدد (12) مثلاً، لوجدت أنه يقبل القسمة على الأعداد: (2، 3، 4، 6). فماذا تعني هذه الميزة من ناحية رياضية؟ ولماذا يكون احتمال تحصيل التحدّي في هذا العدد ضئيلاً؟ بالإستناد إلى تعريف الأعداد الأولية، نقول: إن العدد (12) يمكن تحليله إلى عوامل أصغر منه، بحيث يكون أي عدد قابل للقسمة على (12)، هو في الوقت نفسه حاصل ضرب لأحد من الأعداد (2، 3، 4، 6). ولذلك فإنه لتحقيق إعجاز رياضي في بنية النصّ القرآني الكريم، كان لا بدّ من ارتكاز هذا النصّ على أساس الأعداد الأولية، ليكون التحدّي فيه كاملاً ومتكاملاً. فإن قيل: ولماذا لا ترتكز هذه البنية على عدد أولي آخر غير الـ(19)، فهناك ما لا يُحصى من الأعداد الأولية، مثل (3، 5، 7، 11، 13، 17، 29...)؟

نقول: إن لهذا العدد خصائص وميّزات لا نجدها في أي عدد آخر، وهي التي جعلت منه مثلاً من الأمثال العظيمة التي ضربها الله للناس، ليتفكّروا فيه ويتدبّروا شأنه. ونريد هنا أن نركّز اهتمامنا على خصائص منفردة ستواجهنا في هذا البحث.

 فمن الميّزات العجيبة التي يتّصف بها العدد (19) أنه يجمع في صيغته أكثر القليل وأقل الكثير، لأن الآحاد هي أقل الأعداد وأكثرها هو الـ(9)، وما سوى الآحاد كثير وأقل الكثير هو الـ(10). وبذلك وقع الإقتصار على عدد يجمع أكثر القليل وأقل الكثير. ومن ناحية ثانية يتميّز العدد (19) بكتابته الجبرية لأنه يجمع بين أول عدد (1) وآخر عدد (9) في النظام العشري الذي تتّبعه البشرية جمعاء. وبذلك فهو يحوي ألف وباء لغة الأعداد والأرقام.

وبالإضافة إلى هذا، فإن العدد (19) يمثّل أصغر الأعداد الأولية التابعة إلى عائلة العدد (1)، ذلك أن جمع عناصره الأساسية (9 + 1)، يعطينا العدد (10)، وجمع عناصر العدد (10) يعطينا بدوره (1). فلو أخذنا أي عدد أولي آخر، كالـ(17) مثلاً، نحصل عند جمع عناصره الأساسية على (7 + 1 = 8)، ولو أخذنا (29)، نحصل على (9 + 2 = 11 =< 1 + 1 = 2). ثم نجد أن للعدد (19) خصائص عديدة تُعتبر في الرياضيات جدّ فريدة من نوعها، وتزوّده بمزايا حسابية عديدة لا نجدها في عالم الأعداد والأرقام. فنذكر على سبيل المثال أن مجموع الأعداد من (1) إلى (19) يساوي: (1+ 2 + 3 + 4 + 5 + 6 + 7 + … + 19 = 190). وعند تدقيق النظر في عالم الأعداد، نجد أن هذه المجموعة هي الوحيدة التي تعطينا حين نقوم بجمع عناصرها من (1) إلى (19)، عشرة أضعاف عدد عناصر المجموعة نفسها، ذلك أن: (190 = 19 × 10). ومن ثم نجد أن مجموع أول (10) أعداد فردية يساوي:

(1 + 3 + 5 + 7 + 9 + 11 + 13 + 15 + 17 + 19 = 100). ولهذه الميزة أيضًا دلالتها، لأن العدد (19) هو الوحيد الذي يمتاز بصفة عجيبة تتمثّل في المعادلة التالية:

(10(1) + 9(1)= 10 + 9 = 19 = 10(2) - 9(2) = 100 – 81)

 وإن لمكوّنات هذه المعادلة دلالات عظيمة، سنتطرّق إليها في الفصل الأخير من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. على أننا نريد الآن أن نخوض بعض الشيء في كيفيّة تداخل هذا العدد العجيب في البنية القرآنية المحكمة، لتتجلّى لنا الأمثال التي يضربها الله للناس، ولتتضّح لنا عظمة هذا الكتاب الحكيم..


(1) سورة البقرة: 2/282، وتتكون هذه الآية من (128) كلمة و(540) حرفاً.

(2) سورة الضحى: 93/1، وتتكون هذه الآية من (6) حروف.

(3) فصلت، والسجدة، والنجم، والعلق، والأعراف، والنحل، ومريم، والحجّ (فيها سجدتان)، والنمل، والإنشقاق، والرعد، والإسراء، والفرقان، وص.

(4) كالعلاقة بين الضغظ والحجم مثلاً، أو علاقة الكتلة بالطاقة، أو علاقة قوة الجذب بالبعد بين أي كتلتين..إلخ.

(5) وهي النظرية القائلة بأن جميع الأعداد الصحيحة الموجبة هي عبارة عن حاصل ضرب أعداد أولية، أي أنه يمكن تجزئتها إلى عوامل أولية، كالعدد (12) مثلاً، حيث يمكن كتابته كحاصل ضرب (2×2×3).

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام