الحق المبين

نجد في القرآن الكريم (4) سور تطابقت أسماؤها مع أسماء حروفها النورانية التي افتتحت بها، وهي سورة "طه" (20)، سورة "يـس" (36)، سورة "ص" (38)، وسورة "ق" (50). والعجيب أنه من أول هذه السور إلى آخرها فإننا نعدّ (18) سورة و(19) حرفًا نورانيًا من مجموع حروف كل السور المقطعات. ونلاحظ أن بداية هذه السور قد تكوّنت من حرف أو حرفين نورانيين، في حين نجد أنه من أول رمز مكوّن من حرفين "طه" إلى الثاني "يـس" توجد (9) سور مقطعة.

 ثم نلاحظ أنه من أول رمز تكوّن من حرف واحد، وهو "ص"، إلى الرمز الثاني، وهو "ق"، توجد أيضًا (9) سور مقطعة. وبذلك فقد عدنا إلى قضية العدد (9) مرتين، وذلك على مدى (18) سورة، كما كان الأمر بالنسبة للفظ ((رحيم))، الذي جاء في سورتين بنسبة (9) مرات، وقد بعدت السورتان إحداهما عن الأخرى بنسبة (18) سورة (التوبة والشعراء).

 ولكون العدد (9) يمثّل آخر عدد في النظام العشري، ولكونه جزءًا من العدد (19)، نريد أن ننهي هذا الفصل بالكشف عن توزيع إبداعي عجيب في ترتيب السور المقطعات. فلننظر إلى توزيع حرف "القاف" الذي استُعمل في تكوين الرموز مرتين: مرة في رمز السورة (42)، ومرة في رمز السورة (50). فهذا التوزيع يذكّرنا بالظهور الثنائي للعدد (9)، والذي تعرّضنا له بشكل موسّع في الفصل الثالث من هذا الكتاب. فقد رأينا أن العدد (9) جاء باستثناء عجيب مرتين في السورة رقم (9): الأول كان البسملة المفقودة، والثاني كان المرة الـ(9) التي ذُكر فيها لفظ ((رحيم)) في السورة، لأنه الوحيد الذي جاء كوصف للرسول صلى الله عليه وسلم.

 وتعرّضنا إلى سورتين جاء فيهما ذكر لفظ ((رحيم)) أيضًا (9) مرات، وهما السورتان (9) و(26). ولا يفوتنا أن العدد (9) ذُكر مرتين في السورة رقم (27)، وذُكر مرتين في علاقة مباشرة مع آيات موسى عليه السلام، وذُكر أيضًا مرتين في علاقة مباشرة مع أصحاب الكهف. ونشير هنا أنه من السورة (42) إلى السورة (50) توجد أيضًا (9) سور.

ثم نلاحظ أن مجموع هذين العددين يساوي (42 + 50 = 92)، وهو رقم ترتيب سورة الليل في القرآن، والتي ترتيبها حسب النزول هو من العجب (9). وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجد أيضًا أن لفظ "الليل" تكرر بجميع مشتقاته في القرآن الكريم (92) مرة بالضبط! وعند الرجوع إلى هاتين السورتين نجد أن رمز السورة (42) قد تكوّن من (5) حروف هي "حم عـسق"، وأن رمز السورة (50) تكوّن من حرف واحد هو "قـ". والسورتان تدخلان في توزيعهما ضمن "الحواميم": 

السورة

ترتيب السورة

رموز السورة

 

غافر

40

حـم

1

فصلت

41

حـم

2

الشورى

42

حـم

عسـق

3

4

الزخرف

43

حـم

5

الدخان

44

حـم

6

الجاثية

45

حـم

7

الأحقاف

46

حـم

8

ق

50

ق

9

 والعجيب أنه ضمن حروف هذه السور، فإننا إذا عددنا من أول "حاء" إلى أول "قاف" نجد أن عدد الحروف هو (9). والحرف الذي يأتي بعد أول "قاف" هو من جديد حرف "حاء". والعدّ ابتداءًا منه إلى غاية "القاف" الثانية والأخيرة يعطي (9) حروف من جديد: فابتداءًا من رمز "حـ" في سورة غافر إلى رمز "قـ" في سورة الشورى:

1        2        3        4        5        6        7        8        9

حـ      مـ       حـ      مـ       حـ      مـ       عـ      سـ      قـ

 ومن رمز "حـ" في سورة الزخرف حتى رمز "قـ" في سورة الأحقاف، نجد:

1        2        3        4        5        6        7        8        9

حـ      مـ       حـ      مـ       حـ      مـ       حـ      مـ       قـ

 فهذا الترتيب العجيب للحروف لا يمكن أن يتحقّق إلا في هذه الحالة، التي اختار الله تعالى فيها أن تكون السورة (42) مميّزة برمزين وليس برمز واحد كباقي السور المقطعات. وإن عملية العد من (1) إلى (9) ابتداءًا من "الحاء" ووصولاً إلى "القاف" قد تمّ مرّتين. وبذلك نجد (18) حرفًا موزّعًا على مجموعتين كل واحدة مكونة من (9) حروف، كما أن كلاً منهما بدأت بـ"حـاء" وانتهت بـ"قـاف". كما أن أول حرف في رمز السورة (42) هو "حـاء"، وآخر حرف هو "قـاف".

 ومن ثم نلاحظ أيضًا أن أول "حـاء" جاء في رمز السورة (40) وأن آخر "قـاف" جاء في رمز السورة (50) وأن جمع أرقام هاتين السورتين عددًا عددًا يعطينا أيضًا العدد (9): (0 + 4 + 0 + 5 = 9). فبدأنا بحرف "الحاء" وانتهينا بحرف "القاف"، والعجيب أن هذين الحرفين يكوّنان كلمة "حق"!!! فلا شكّ أنه الحق جاء من رب العالمين. وسبحان الله القائل في محكم التنزيل: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(1).

 ولتوضيح حقيقة أن هذا الترتيب العجيب للحروف لا يمكن أن يتحقّق إلا في هذه الحالة، التي اختار الله تعالى فيها أن تكون السورة (42) مميّزة برمزين، وليس برمز واحد كباقي السور المقطعات، نريد أن نسوق دليلاً آخرًا نجد فيه قمّة الدقّة والإبداع الإلهي العظيم. فقد تعرّضنا في الفصل الثالث إلى أسماء الله الحسنى، وأشرنا إلى صور عديدة من الإعجاز فيها. وعند الرجوع إلى حروف الرموز التي جاءت في كل السور المقطعات، نجد أنه يمكننا صياغة إسم واحد ووحيد من بين أسماء الله الحسنى من خلال جمع حروف الرموز، وهي: "ألـر، حـم، ن"، التي تكوّن لفظ الجلالة ((الرحمن)). وقد سبق وبحثنا في هذا اللفظ الجليل، وذكرنا أنه تكرّر في القرآن الكريم (55) مرة دون "البسملات"، وأن السورة رقم (55) في ترتيب القرآن هي سورة الرحمن!!!

 وعند الرجوع إلى السور المقطعات نجد ما يلي: الرمز "ألـر" شكّل أول رمز للسورة (10) في القرآن، وهو في المرتبة الـ(4) ضمن جميع الرموز. والرمز "حـم" شكّل أول رمز للسورة (40) في القرآن، وهو في المرتبة الـ(21) ضمن جميع الرموز. أما الرمز "ن" فقد شكّل رمز السورة (68) في القرآن، وورد في المرتبة الـ(30) ضمن مجموع الرموز. والعجيب في الأمر أن مجموع ترتيب حروف هذه الرموز يعطينا: (4 + 21 + 30 = 55)، وهو رقم ترتيب سورة الرحمن في القرآن. فتأمّل! ومن الملاحظ أنه باستثناء "النون"، فإن جميع الحروف التي كوّنت لفظ الجلالة ((الرحمن)) قد تكرّرت في رموز السور المقطعة:

  أ               لـ             ر               حـ            مـ             ن

13              13            6                7             17            1

 وجمع هذه الأرقام يعطينا: (13 + 13 + 6 + 7 + 17 + 1 = 57)، وهذا العدد هو حاصل ضرب (19) في (3). ولكن الأمر الأهم هو أن لفظ الجلالة ((الرحمن)) ورد أيضًا (57) مرة في السور القرآنية، منها (55) مرة في الآيات العاديّة، ومرتين في "البسملة"، حيث كانت الأولى في سورة الفاتحة، والتي تُعدّ آية، والثانية في البسملة الثانية الموجودة في الآية (30) من سورة النمل! والله تعالى أعلم.


(1) سورة الإسراء: 17/81.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام