اللغة والمنطق والقرآن

إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أنه كتاب جمع أبعاد الزمان، والتقط مفردات الأحداث، ورموز الوقائع، وقوافل كافة المعاني، ليحضرها على متن لوحة تعبيرية موجزة، كان أصدق أسمائها «آيـة»، هي أعمق من البحر، وأوسع من السماء.. هي كذلك، لأنها «أيـة»! آية تحكي عظمة المبدع، ووحدانية الصانع لتلك الهيكلية المحكَمة، ولذلك النظام الذي يحمل في طيّاته أجمل صور الإبداع والإتقان. إنه الكتاب الذي تحدّى الله به الجنّ والإنس على أن يأتوا بمثله، فعجزوا!

 وهذا العجز لم يأتِ من فراغ! ذلك أن الإرتباط والتناسق بين مكوّنات القرآن الكريم، هو مطلق في ماهيّته، لأنه كلام فوق الحدوث، وفوق قوانين النطق المادي الذي يتقيّد بالزمان والمكان. فعظمة الكلمات والحروف القرآنية تتجلّى في تصويرها المطلق للأشياء بشكل يطابق تمامًا حقيقة وجود هذه الأشياء، حتى لتكون الصورة المنبثقة عن هذه الحقيقة عبارة عن كلمات تنبض هي وحروفها بروح هذه الأشياء. ولذلك نجد أن الكلمات القرآنية، بمجموع حروفها، ومواقع هذه الكلمات في العبارات القرآنية، ومن ثم مواقع العبارات في الآيات والسور القرآنية، كلها ترتبط بصورة مطلقة في المسائل التي تصفها وتعبّر عنها، ومن ثم تصوّر المسائل بشكل مطابق تمامًا للواقع الذي تبحث فيه هذه المسائل.

 وهذا ما يدفعنا في الحقيقة إلى التدبّر في أسرار الكلمات القرآنية التي تعطي لكل جيل ما يناسب معرفته وعلمه، حول ماهية الأشياء التي تصفها، دون أن يناقض ذلك المفاهيم التي تعطيها هذه الكلمات لغيره من الأجيال. ولذلك سنتعرّض في هذا الباب من الكتاب إلى مجموعة من الأمثلة، لتساعدنا على فهم كيفية تداخل الكلمات القرآنية في معادلات التصوير المطلق للعبارات القرآنية، ولندرك كيف أن موقع الكلمة في العبارة القرآنية، يرتبط ارتباطًا مطلقًا بالمعاني التي تحملها العبارة التي تنتمي إليها. ولبيان مرجعية القرآن لهذه الطلاقة الفريدة، نحتاج أن نقف عند بعض المفاهيم والمصطلحات، التي من شأنها أن تساعدنا على إدراك هذا التصوير المطلق والمقصود.

 فالنصّ القرآني يجيب عن أسئلة الوجود والكون والحياة والمصير. وهو يجيب عن ذلك بشكل فنّي لا يمكن فهمه إلا بفهم لغته أولاً. لأن اللغة التي نزل بها القرآن ليست مجرّد مفردات وتراكيب، وإنما تحمل في مضمونها رؤيا مطلقة للإنسان وللحياة وللكون. فلا عجب إذن أن دهشة العرب الأولى إزاء القرآن كانت لغوية محضة، حيث فتنهم بلغته، جمالاً وفنًا، فكانت هي المفتاح المباشر الذي فتح لهم الأبواب لدخول عالَم النصّ القرآني والإيمان بدين الإسلام.

 ولذلك يمكن القول إن المسلمين الأوائل الذين شكّلوا النواة الصلبة الأولى في الدعوة إلى الإسلام قد آمنوا بالقرآن لكونه نصًّا بيانيًا امتلكهم. فَهُمْ لم يؤمنوا به لأنه كشف لهم عن أسرار الكون والإنسان، أو لأنه قدّم لهم نظامًا جديدًا للحياة، بل لأنهم رأوا فيه لغة لا عهد لهم بما يشبهها. فبلغة القرآن تغيّر كيانهم النفسي، وبلغته تغيّرت حياتهم، حتى صار هو نفسه وجودهم. فأجمعوا على أن القرآن كتاب فريد لم يروا مثله من قبل، وأقرّوا بأنه لا يمكن مضاهاته ومحاكاته، واتفقوا على أنه نقض لعادة الكتابة شعرًا، وسجعًا، وخطابة، ورسالة، وأن نظمه عجيب وغريب. ولهذا لا يمكن الفصل، على أي مستوى، بين القرآن واللغة التي نزل بها.

 وإن هذا الإقرار الذي توصّل إليه العرب قبل أربعة عشرة قرنًا، نجده يتحقّق بشكل جديد في عصرنا الحالي. فحيثما قلب الإنسان نظره في القرآن الكريم، يجد الإعجاز اللغوي في نظامه البديع، وفي ألفاظه التي تفي بحق كل معنى في موضعه، لا ينبو منها لفظ يقال إنه زائد، ولا يعثر الباحث على موضع يقال إنه إثبات لفظ ناقص.

فالباحث المتعمّق في كلمات القرآن، يجد بالفعل أن لغة هذا الكتاب العظيم، ليست كباقي اللغات الوضعية، ذلك أن إعجازه اللغوي، لا يقتصر على نحوه وصرفه واشتقاقه، ولا على بلاغته وفصاحته فحسب، وإنما كذلك على منطقه، الذي يتّخذ منه القرآن سبيلاً في هدايته. فهناك ارتباط وثيق وعلاقة مطلقة بين اللغة التي يستعملها القرآن، وبين المنطق الذي تعبّر عنه هذه اللغة. فكيف وأين يتجلّى لنا هذا الترابط بين اللغة والمنطق في القرآن الكريم؟

 عند النظر في قوانين اللغة بشكل عام نجد أنها تتمثّل في أدائها لأغراض متعدّدة ومتنوعة، أهمّها أمران اثنان: الأول، وصف العالَم. والثاني، وصفها لذاتها(1). ففي حين أن التمثيل في الحالة الأولى ينعكس على "استعمال" كلمة ما في عبارة معيّنة، نجد أن التمثيل في الحالة الثانية ينعكس على "ذكر" تلك الكلمة في العبارة نفسها. فما هو الفرق بين الحالتين؟ إننا نكون بصدد "استعمال" شيء ما عندما نسند إليه خاصيّة معيّنة، في قولنا مثلاً: «يرفض أنيس أن يمتثل للأوامر». في حين أننا نتكلّم عن "ذكر" شيء ما في حالة إسناد خاصيّة معيّنة لإسم الشيء، وليس للشيء ذاته، في قولنا مثلاً: «هذه الجملة تتكوّن من ست كلمات».

 إذ يبدو الفرق واضحًا بين الجملتين. فالأولى تنتمي إلى اللغة الشيئيّة، لكونها تعيّن واقعة شيئيّة تتمثّل في رفض أنيس الإمتثال للأوامر. في الوقت الذي تطرح فيه الجملة الثانية بعض الصعوبات، لأنها تتميّز بتسميتها لذاتها، أي أنها انعكاسية وتقوم بوصف ذاتها، وهي تعود في المنطق إلى ما نسمّيه بـ"الإحالة الذاتية"(2). وإن البحث عن الفرق بين هاتين الحالتين يجرّنا مباشرة إلى البحث عن المفارقات اللغوية.

 فعلى سبيل المثال، لو دقّقنا النظر في الجملة القائلة: "إن الصبا يسبق الشيخوخة"، لعلمنا أن الجملة تفي بشروط اللغة من نحو وتأليف، وأن "استعمال" الكلمات الواردة فيها يفي أيضًا بالمعنى المطلوب، إلا أنها تكشف لنا في الوقت نفسه عن ثغرة منطقية عميقة! لماذا؟ لأننا نجد عند اللجوء إلى أي قاموس لغوي، مثلاً، أن "ذكر" كلمة (شيخوخة) ككلمة، قد سبق "ذكر" كلمة (صبا) ككلمة، وذلك لأن ترتيب حرف "الشين" حسب حروف الأبجدية قد سبق حرف "الصاد". فطبقًا لما جاء في القاموس، فإن كلمة (شيخوخه) قد سبقت كلمة (صبا)! وهذا الأمر يؤدّي إلى تناقض في تركيب الجملة القائلة بأن "الصبا يسبق الشيخوخة"! حيث وجدنا ثمّة حالة واحدة على الأقل، التي تدلّ على عدم استقامة هذه الجملة من ناحية منطقية. ذلك أن "ذكر" كلمة (شيخوخة) في القاموس قد سبق "ذكر" كلمة (صبا)، في مثالنا! وإن لهذا النوع من المنطق اللغوي تاريخًا طويلاً، ويرجع في أصله إلى العصر الإغريقي.

 ومن أشهر الأمثلة التي ما زالت تشكّل تناقضًا ظاهرًا حتى يومنا هذا، هو ما ورد عن الفيلسوف الكريتي إبمنيدس(3)، الذي وصلتنا عنه العبارة المشهورة: "إن جميع الكريتيين كاذبون"(4)! فما هو التناقض في هذه العبارة؟ بما أن إبيمنيدس يُعدّ من جزيرة كريت اليونانية، أي أنه من الكريتيين، وبما أنه ادّعى بأن الكريتيين جميعهم كاذبون، كما جاء في العبارة، فلا بدّ للعبارة التي قالها إبيمنيدس أن تكون كاذبة وغير صحيحة!

ولكن.. إذا كانت عبارته غير صحيحة، فهذا يعني أن الكريتيين جميعهم صادقون. ولكن.. إذا صدق جميع الكريتيين، فوجب أن يكون إبيمنيدس أيضًا صادقًا. وإذا صدق إبيمنيدس، فستكون عبارته صادقة.. وعليه فقد دخلنا في دوّامة لا مخرج منها، إذ نجد أنفسنا نرجع إلى نفس نقطة التناقض والمفارقة.

 وقد شكّلت مثل هذه التناقضات والمفارقات عقبات جدّية في المفاهيم المنطقية، وخصوصًا في المنطق الرياضي. وكان أول من تنبّه لهذه النقطة الفلسفية في العصر الحديث عالم الرياضيات النمساوي جودل(5)، والذي تمكّن من تقديم برهان رياضي قاطع في إثباته لما تقدّم من كلام، على استحالة تمثيل عبارة ما لذاتها بصورة مطلقة(6)، أي أنه لا يمكن إثبات شيء ما بصورة قاطعة(7)! ولذلك نجد أن المنطق اللغوي الذي نتعامل معه نحن البشر ينقسم إلى النوعين اللذين ذكرناهما آنفًا لحالتي "ذكر" شيء ما أو "استعمال" ذات الشيء في الكلام.

 وعليه فلا يمكننا وصف أية لغة بشرية بالطلاقة، لكونها مولّدًا للتناقضات والمفارقات. ذلك أن اعتمادها يؤدّي حتمًا إلى بناء جمل غير متّسقة، أي جملاً تحتمل الصدق والكذب في الوقت نفسه، مثل العبارة الصادرة عن إبمنيدس في المثال السابق. ويتحقّق هذا الأمر خاصّة عندما نسمح لتعبير ما بأن يتكلّم عن نفسه، أو عندما ينطبق محمول ما على نفسه، أو أن تتضمّن مجموعة ما نفسها.

 وكملخّص لما ذكرناه أعلاه، نقول: إن "الإحالة الذاتية" تأخذ بعين الإعتبار نوعيّة الكلمات الواردة في عبارة ما، أي أنها تفرّق دائمًا بين "استعمال" أو "ذكر" تلك الكلمات. فعندما "نستعمل" كلمة ما في عبارة معيّنة، فإننا نقصد المعنى الذي جاءت هذه الكلمة لتعبّر عنه. في حين أننا عندما "نذكر" كلمة ما، فنحن نتكلّم عن اللفظ، وبالتالي ليس عن المعنى. وهنا، يتّضح لنا الضعف في اللغات الطبيعية، التي نتعامل معها نحن البشر. فمهما علت ومهما توسّعت وترعرعت هذه اللغات، فإنها ستبقى ضعيفة وناقصة، وستحوي التناقضات والمفارقات في ثنايا كلماتها، ذلك أن الفكر الإنساني محدود أصلاً، ولن يتأتّى له الإتّصاف بالطلاقة أبدًا.

 هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإنه طبقًا لمواصفات مبدأ "الإحالة الذاتية"، أو ما يُسمّى أيضًا بـ"الإنعكاسية"، يمكننا أن نعتمد على هذه الطريقة لامتحان قيمة اللغة، أيّة لغة كانت. وبعودة إلى القرآن الكريم، وبما أنه يتكلّم عن أشياء عديدة ويستعمل كلمات كثيرة، منها ما يتكرّر ومنها ما يفسّر نفسه، فإنه لو كان من تأليف البشر، لكان من الضروري أن نجد في ثناياه أيضًا مفارقات وتناقضات منطقية، كالتي تعرّضنا لها سابقًا، والتي تجلّت بتطبيق هذا المبدأ عليها. ولكن هيهات.. هيهات..


(1) انظر اللغة والمنطق: بحث في المفارقات للدكتور حسّان الباهي، ص82.

(2) Self-Reference

(3) (Epimenides)، شاعر وفيلسوف يوناني من جزيرة كريت، عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وتُنسب إليه هذه العبارة المشهورة.

(4) The Liar`s Paradox

(5) Kurt Goedel. لقد خرج جودل في عام 1931 بنظرية الـ“Incompleteness Theorem”، والتي حدّدت استحالة برهنة نسق غير متناقض يتضمّن نظرية الحساب على بعض المسائل الرياضية. وبرهن بنظريته هذه وجود أقوال في نظم رياضية تحتمل الصدق والكذب في نفس الوقت، بحيث لا يمكن لأحد أن يثبتها أو ينقضها. وانتهى به البحث إلى القول بأنه لا يمكن إثبات إتساق البديهيات الرياضية الموجودة في أي نظم رياضي.

(6) Kurt Goedel, On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems, (1931)

(7) ومن المفهوم ضمنًا أن هذا البرهان الجديد الذي قدّمه (جودل) قد أحلّ ثورة عظيمة في المفاهيم المنطقية والرياضية، لأنه ناقض في الجوهر مبدأ أرسطو المشهور الذي وضعه في القرون الساحقة، والذي يستند على استحالة القول بوجود صفة وعدم وجودها في آن واحد، وفي شخص واحد، وبمعنى واحد. فإذا ثبت مخالفة مبدأ هذا التحديد في أية عبارة، فلا بدّ من الحكم بوجود تناقض فيها.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام