يستوون

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(1). فكان خلق آدم من غير أب وأم، وخلق عيسى من أم بدون أب. ولو تفكّر الإنسان في هذين الخلقين الكريمين لوجد فيهما آيتين منفردتين من آيات الله العجاب، ذلك أن لهما مدلولات عظيمة على قدرة الله تعالى ومشيئته. ولا نريد هنا الدخول في تفاصيل هذا الإعجاز الفريد(2)، ولكننا سنقوم بمعالجة هذه الآية من منظار آخر، يدلّ على عظمة منزّل هذا الكتاب العظيم.

 فقد جاءت هذه الآية بعبارة شبيهة لما تناولناه سابقًا، إذ يقول الحقّ تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى.. كَمَثَلِ آدَمَ..﴾. فأين نجد التساوي بين آدم وعيسى عليهما السلام، في غير التساوي الذي نعهده في التفاسير، أي التساوي بخصوص الخلق؟ للكشف عن هذا التساوي، وجب علينا أن نقوم أولاً بالبحث عن الآيات التي ورد فيها "ذكر" الإسمين "عيسى" و"آدم" عليهما السلام في القرآن.

 وأول ما يلفت انتباهنا هو أن هذه الآية تُعتبر الوحيدة في كل القرآن التي ورد فيها هذان الإسمان معًا. أي أن الأسماء الخاصة بـ"عيسى" والأسماء الخاصة بـ"آدم" عليهما السلام جاءت كلها منفردة في آيات القرآن، إلا في هذه الآية.

وعند مواصلة التدبّر في القرآن الكريم نجد أن إسم "عيسى" وإسم "آدم" عليهما السلام ورد كل واحد منهما (25) مرة في كل القرآن. وبذلك يكون عدد المرات التي تكرّر فيها إسم "عيسى" عليه السلام في القرآن مساويًا بالضبط لعدد المرات التي تكرّر فيها إسم "آدم" عليه السلام، والذي يساوي (25) مرة. فهذه إذن أول نتيجة حتميّة على أنه لا بدّ أن تكون هناك علاقة عددية مقصودة بين الإسمين الكريمين: 

المواقع التي ورد فيها إسم عيسى عليه السلام  في القرآن

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

2

2

2

3

3

3

3

3

4

الآية

87

136

253

45

52

55

59

84

157

الرقم

10

11

12

13

14

15

16

17

18

السورة

4

4

5

5

5

5

5

5

6

الآية

163

171

46

78

110

112

114

116

85

الرقم

19

20

21

22

23

24

25

السورة

19

33

42

43

57

61

61

الآية

34

7

13

63

27

6

14

 

المواقع التي ورد فيها إسم آدم عليه السلام  في القرآن

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

2

2

2

2

2

3

3

5

7

الآية

31

33

34

35

37

33

59

27

11

الرقم

10

11

12

13

14

15

16

17

18

السورة

7

7

7

7

7

7

17

17

18

الآية

19

26

27

31

35

172

61

70

50

الرقم

19

20

21

22

23

24

25

السورة

19

20

20

20

20

20

36

الآية

58

115

116

117

120

121

60

فهذا التساوي العددي هو دليل واضح على أن ﴿مَثَلَ عِيسَى.. كَمَثَلِ آدَمَ..﴾، حيث ساوى الله سبحانه وتعالى بين هذين النبيين الكريمين ليس فقط في خلقهما، وإنما كذلك في نسبة تكرار إسميهما في صفحات القرآن.

 وقد ذكرنا من قبل أن إسمي "عيسى" و"آدم" عليهما السلام وردا في كل القرآن الكريم مرة واحدة فقط في نفس الآية، حيث كان ذلك في الآية (59) من سورة آل عمران، التي رقم ترتيبها في القرآن هو (3). فإذا اعتبرنا هذه الآية كنقطة التقاء بين النبيين الكريمين نجد العلاقات التالية:

 عند إحصاء أسماء "عيسى" عليه السلام من بداية القرآن، أي من أول مرة جاء فيها ذكره عليه السلام في الآية (2:87)، وحتى نصل إلى الآية التي يُذكر فيها الإسمان "عيسى" و"آدم" معًا في الآية (3:59)، نجد أن هذه الآية هي الـ(7) في الترتيب. والعجيب أننا نحصل على نفس النتيجة عندما نقوم بإحصاء أسماء "آدم" عليه السلام من بداية القرآن، أي من أول مرة جاء فيها إسمه في الآية (2:31)، وحتى نصل إلى الآية (3:59)، حيث نجد أيضًا أنها الآية الـ(7) في الترتيب. أليس هذا دليلاً آخرًا على أن ﴿مَثَلَ عِيسَى.. كَمَثَلِ آدَمَ..﴾؟

 وحتى في حالة عدّ تكرار الأسماء عكسيًا، أي ابتداءًا من آخر إسم لـ"عيسى" عليه السلام في الآية (61:14)، وابتداءًا من آخر إسم لـ"آدم" عليه السلام في الآية (36:60)، نجد أن ترتيب الإسمين في الآية المذكورة أعلاه متساوٍ، ذلك أن ترتيب كل من الإسمين جاء في المرتبة الـ(19) على التوالي. أليس هذا دليلاً آخرًا على أن ﴿مَثَلَ عِيسَى.. كَمَثَلِ آدَمَ..﴾؟ وذلك مع العلم أيضًا أن (61 – 36 = 25)، وهو عدد المرات التي تكرّر فيها كل من الإسمين في القرآن الكريم!

 ثم نجد من ناحية ثانية أن الإسم الـ(19) لـ"عيسى" قد ورد ذكره في الآية (34) من السورة (19) في القرآن، والتي تحمل إسم أمه مريم عليهما السلام، وأن الإسم الـ(19) لـ"آدم" عليه السلام جاء أيضًا في سورة مريم، وذلك في الآية رقم (58) منها.

ويتجلّى لنا الإبداع في أن البعد بين الآيتين (34) و(58) يساوي (25) آية بالضبط، وهو مجموع تكرار كل إسم من الإسمين "عيسى" و"آدم" في كل القرآن الكريم. أليس هذا دليلاً آخرًا على أن ﴿مَثَلَ عِيسَى.. كَمَثَلِ آدَمَ..﴾؟

 فهذا التناسق والإحكام الذي نراه في الآيات القرآنية الكريمة لهو أكبر دليل ملموس على عظمة منزلّه، وصدق من بُعث به. إنه المعجزة الخالدة التي لا يمكن للبشر أجمعين أن يأتوا بمثلها! لقد تحدّاهم الله على أن يأتوا بمثل هذا الكتاب، ولكن أنّى لهم ذلك! إنه كلام الله الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددًا. إنه القرآن الكريم الذي لا تفنى عجائبه.


(1) سورة آل عمران: 3/59.

(2) قارن هذه الحقائق بما سيأتي عنه الكلام في الباب القادم.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام