لا يستوون

سنقوم الآن باستعراض بعض الأمثلة على النوع الثاني من المعادلات، وهي تلك المعادلات التي جاءت في القرآن بصيغة "لا يستوي (أ) و(ب)". فنجد مثلاً في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾([1]). فهنا يأمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يقول للكافرين الذين يقترحون عليه تنزيل الآيات وخوارق العادات، أن خزائن الله ليست مفوضة إليه حتى يقترحوا عليه تنزيل الآيات، وأنه لا يدّعي أنه يعلم الغيب حتى يسألوه عن وقت نزول العذاب، وأنه لا يدّعي أنه من الملائكة حتى يكلّفوه الصعود إلى السماء. فهو لم يدّع شيئًا من هذه الأشياء الثلاثة، حتى يجعلوا عدم إِجابته إلى ذلك دليلاً على عدم صحة رسالته.

 وبعد أن تأتي العبارة المؤكّدة على مصدر القرآن وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه وتعالى في نهاية النصّ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾؟ فمن المعلوم أن الأعمى لا يستوي مع البصير. ولكن الأمر الذي يهمّنا هنا هو عدم التساوي المطلق بين هاتين الصفتين. وللتحقّق من عدم هذا التساوي في القرآن، نقوم أولاً بالبحث عن الآيات التي وردت فيها كل من الكلمتين في النصّ القرآني. وإذ ذاك نجد فعلاً أن الأعمى والبصير لا يستويان، وذلك ليس بالمفهوم التشريعي والبيولوجي فحسب، وإنما كذلك بالمفهوم المنطقي – الرياضي:  

كلمة "الأعمى"

السورة

6

11

13

24

35

40

48

80

الآية

50

24

16

61

19

58

17

2

 

كلمة "البصير"

السورة

6

11

13

17

35

40

40

40

42

الآية

50

24

16

1

19

20

56

58

11

 إذ يتّبيّن لنا من الجدول أعلاه أن كلمة "الأعمى" جاء ذكرها في القرآن (8) مرات، في حين أن كلمة "البصير" وردت فيه (9) مرات([2]). فيتّضح من هذه النتائج أن "الأعمى" بالفعل لا يستوي مع "البصير"! ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. فقد وردت آية شبيهة لهذه الآية في سورة الرعد: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلِ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾([3]).

 واللافت للإنتباه في هذه الآية أن عدم التساوي بين الكلمات قد شمل كلمتين أخريين، هما "الظلمات" و"النور". وإن هاتين الكلمتين متنافيتين تمامًا، كالتنافي بين "الأعمى" و"البصير". وعند الرجوع إلى القرآن، نجد أن كلمة "الظلمات" تكرّرت فيه (14) مرة، في حين أن كلمة "النور" جاء ذكرها فيه (13) مرة:  

كلمة "الظلمات"

السورة

2

2

5

6

6

6

13

الآية

257

257

16

1

39

122

16

السورة

14

14

21

33

35

57

65

الآية

1

5

87

43

20

9

11

 

كلمة "النور"

السورة

2

2

5

6

7

13

14

الآية

257

257

16

1

157

16

1

السورة

14

33

35

57

64

65

الآية

5

43

20

9

8

11

 فـ"الظلمات" و"النور" لا تستويان في كنههما فحسب، وإنما أيضًا بعدد ذكرهما في القرآن الكريم. وهذه المعطيات ترينا مدى البُعد المطلق في التصوير القرآني، حيث لا نجد كلمة زائدة، أو ناقصة عن المعنى المطلق الذي يريده الله سبحانه وتعالى.


(1) سورة الأنعام: 6/50.

(2) مع العلم أن كلمة "أعمى" مع وبدون ألـ(التعريف) جاءت في القرآن (23) مرة، أما كلمة "بصير" مع وبدون ألـ(التعريف) فجاءت (24) مرة!

(3) سورة الرعد: 13/16.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام