يستوون ... ولكن !

يقول سبحانه وتعالى في سورة المائدة: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(1). فيضرب الله مثلاً للتمييز بين الخبيث والطيب. وهما مصطلحان عامان، يندرج تحتهما المال وحرامه، وصالح العمل وفاسده، وجيّد الناس ورديئهم، وصحيح العقائد وفاسدها. 

 فيأمر الحقّ تبارك وتعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس بأن الخبيث والطيب لا يستويان، ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث، فاتّق الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لتفلح وتفوز برضوان الله والنعيم المقيم.

 وقد تسأل: وما هو المعجز في هذه الآية؟ لننظر كم مرة تكرّرت كل من الكلمتين "الخبيث" و"الطيب" في كتاب الله. فعند الرجوع إلى القرآن الكريم نجد أن كلمة "الخبيث" جاء ذكرها (7) مرات، وأن كلمة "الطيب" ذُكرت أيضاً (7) مرات بالضبط. عجيب! ستقول: أليس هذا تناقضًا؟ فالآية تقول: ﴿لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾. فكيف يستويان إذن؟

 هذا الكلام يقوله من لا يتدبّر آيات الله! لماذ؟ لأننا إذا تأمّلنا هذه الآية جيدًا، سنجد أن هناك عبارة هي المحكّ في تحديد طرفي المعادلة! فهل انتبهت لعبارة ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾؟ فلا بدّ أن تكون لهذه العبارة دلالة مقصودة في هذا السياق! لأنها هي المسئولة بالفعل عن تحديد طرفي هذه المعادلة.

 ومن ناحية ثانية، فإننا نجد في القرآن نصًّا آخرًا يقوم بتحديد هذه العلاقة، والذي جاء فيه قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾(2).

فهذه الآية تفصّل لنا كيف يفرق الله بين ﴿الْخَبِيثُ﴾ و﴿َالطَّيِّبُ﴾، إذ يجعل ﴿الْخَبِيثُ﴾ متراكمًا بعضه فوق بعض. أي أنه سبحانه وتعالى يميز بين ﴿الْخَبِيثُ﴾ و﴿َالطَّيِّبُ﴾ بجمع كل أنواع ﴿الْخَبِيثُ﴾ المتواجدة في كل مكان، ليفصلها بصورة مطلقة عن ﴿َالطَّيِّبُ﴾.

وهنا نجد المحكّ للمعضلة التي قمنا بتحليلها آنفًا. فحين نقوم بتطبيق ما جاء في هذه الآية الكريمة، نجد أن كل مشتقات كلمة "الخبيث" في القرآن تساوي (16)، أي أن هذه الكلمة تكرّرت بجميع صورها ومشتقاتها (16) مرة في كل القرآن الكريم.

 ولذلك ﴿لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾، لا في كتاب الله، ولا على أرض الواقع، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾! فانظر إلى دقّة التعابير في النصوص القرآنية. وعلاوة على هذا فإننا نلاحظ مدلولاً آخرًا لعبارة ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ في النصّ المذكور!

 إذ يلفت انتباهنا أن كلمة ﴿الْخَبِيثُ﴾ جاءت في بعض الآيات أكثر من مرة واحدة، أي أنها وردت أكثر من مرة بالآيات التي تُذكر فيها. ومثالاً على ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(3)، حيث تكرّرت فيه كلمة ﴿الْخَبِيثُ﴾ مرتين.

وما جاء في قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(4)، والذي تكرّرت فيه هذه الكلمة مرتين أيضًا. أو ما جاء في قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(5)، حيث تكرّرت فيه هذه الكلمة (4) مرات.

 والآن، وبعد سياق هذه البراهين الساطعة الدالّة على وجود تناسق وارتباط عددي ومنطقي في النصّ القرآني الحكيم، لا بدّ أنك قد بدأت تتساءل عن دلالة هذه الأعداد والأرقام، وعن الحكمة من ورودها في النصّ القرآني الكريم؟ فما من شكّ أن هذا التناسق العددي والمنطقي، يدلّ قطعًا على أن القرآن الكريم هو كلام في غاية الإحكام والإبداع، وأن الإرتباط الذي نراه بين الكلمات القرآنية وبين المسائل التي تصفها هذه الكلمات، لا بدّ أن يكون نابعًا عن علم مطلق بماهية كل هذه المسائل. وهذا لا يكون إلا لله تعالى وحده، الذي جعل التوافق بين القرآن وبين البرهان، رغم تعاقب الأزمان، مع العلم أن تعاقب الزمن مقترن دائمًا بتحوّل جذري على صعيد الحضارة والفكر والعلم.

 وإن هذه السلاسل المتوالية من الأعداد والأرقام، ما هي إلا جزء من سلسلة عظيمة متدرّجة في القرآن العظيم، تقترن فيها الآيات وتتماسك فيها الحروف والكلمات، وفق نظام محكم في غاية الدقّة والإبداع، كأننا نرى فيها شيفرة سرية، تقوم بترتيب كل من الآيات والكلمات والحروف. وإنه لمن المستحيل علينا أن نفكّ رموز هذه الشيفرة ما لم نعلم الطريقة التي بُنيت عليها آيات هذا الكتاب المعجز. فقد بات الأمر إذن واضحًا وجليًا: فآيات القرآن مصفوفة ومرتّبة بطريقة حسابية، مبنيّة على أساس التسلسل العام للأعداد الحسابية، ولغته ترتكز على نظام وقاعدة محكمة، مبنيّة على أساس (28) حرفًا عربيًا.

ولكي تدرك أنك تقف هنا أمام مشهد عظيم، يصوّر الآيات التي أودعها الله تعالى في كتابه العزيز، بشكل مطلق وخال من التناقض والنقصان، سنقوم في الأبواب القادمة باستعراض طائفة أخرى من عجائب هذه الظاهرة القرآنية، لتنكشف أمامك آفاق جديدة من التناسق والنظم القرآني المحكم، وليتسنّى لك الحكم بالدليل والبرهان القاطع على أن القرآن هو كتاب من عند الله عزّ وجلّ، ولتعلم أن القرآن هو أعظم ما حواه الوجود من علم!


(1) سورة المائدة: 5/100.

(2) سورة الأنفال: 8/37.

(3) سورة المائدة: 5/100.

(4) سورة الأنفال: 8/37.

(5) سورة النور: 24/26.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام