التدبّر ومثل التحدي

يروّج كثير من المستشرقين أن هناك "أشياء متناقضة" في القرآن الكريم. ويلجأون في ادعاءاتهم هذه إلى ألاعيب المنافقين، قديمًا وحديثًا. وأساس هذا الإتجاه هو أن القرآن الكريم، وهو المعجزة، هو كلام الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه منزّه عن الخطأ، ومنزّه عن النسيان، ومنزّه عن كل ما في البشر من نقص وتناقض. وبالتالي فإن وجود أي تناقض أو اختلاف فيه، ولو كان ظاهريًا، سيساعدهم على هدم المعجزة، ومن ثم الإدعاء بأن هذا الكلام ليس منزلاً من عند الله تعالى.

 ولكن الإعجاز القرآني الموجود في كل كلمة من كلماته، وفي كل حرف من حروفه، إنما يظهر أمام هؤلاء بهذه الصورة، ليجعلهم بالفعل شهداء على المعجزة الخالدة، وليجعلهم، وهم يحاولون ادّعاء التناقض في القرآن، أن يبيّنوا معجزاته. إذ هم يثيرون مما يزعمونه أشياء تجعل العقل البشري ينشط في محاولة للردّ عليهم، وبالتالي فإنه في بحثنا في القرآن الكريم تتبيّن المعجزة، ويتبيّن أنه كلام الله سبحانه وتعالى، المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم.

 ولقد عاب الله تعالى هؤلاء المنافقين بالإِعراض عن التدبّر في القرآن لفهم معانيه المحكَمة وألفاظه البليغة، بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾(1). فلكون الرسالة المنبثقة منه سبحانه خالية من التناقضات والمغايرات، ولكونها متناسقة وثابتة في نصّها، نعلم علمًا يقينيًا أنها من عنده سبحانه وتعالى. وإن هذه الآية الكريمة وحدها فيها من التحدّي والإعجاز القرآني ما لا يخطر ببال بشر. فهي تصرّح بأن سلامة القرآن الكريم من الإختلاف والتناقض، هو دليل على كونه من عند الله تبارك وتعالى.

ومع أن هذا التصريح جليّ للأعيان، إلا أننا نعجب أن مِن علمائنا مَن أغفل قيمته في مصنّفاته، حتى أن الإمام يحيى بن حمزة العلوي قد شكّك في اعتبار كون القرآن خاليًا عن التناقض، وجهًا من وجوه إعجازه. يقول رحمه الله في بيانه لما ذهب إليه: "وهذا فاسد لأوجه، أما أولاً فلأن الإجماع منعقد على أن التحدّي واقع بكل واحدة من سور القرآن، وقد يوجد في كثير من الخطب، والشعر، والرسائل، ما يكون في مقدار سورة خاليًا عن التناقض، فيلزم أن يكون معجزًا. وأما ثانيًا فلأنه لو كان الأمر كما قالوه في وجه الإعجاز، لم يكن تعجّبهم من أجل فصاحته، وحسن نظمه، ولوجب أن يكون تعجّبهم من أجل سلامته عما قالوه، فلما علمنا من حالهم خلاف ذلك بطل ما زعموه. وأما ثالثًا فلأن السلامة عن المناقضة ليس خارقًا للعادات، فإنه ربّما أمكن كثيرًا في سائر الأزمان، وإذا كان معتادًا لم يكن العلم بخلوّ القرآن عن المناقضة والإختلاف معجزًا، لما كان معتادًا، ومن حقّ ما يكون معجزًا أن يكون ناقضًا للعادة"(2).

 وبعد أن ذكر هذه الأوجه في تبيان فساد هذا النوع من الإعجاز، قال رحمه الله: "وأيضًا فإنا نقول جعلكم الوضع في إعجازه خلوّه عن المناقضة والإختلاف ليس علمًا ضروريًا، بل لا بدّ فيه من إقامة الدلالة، فيجب على من قال هذه المقالة تصحيحها بالدلالة، لتكون مقبولة، وهم لم يفعلوا ذلك".

ويبدو أن الشيخ عبد العظيم الزرقاني قد تأثّر أيضًا ملاحظة الإمام العلوي، إذ نراه هو الآخر يورد في كتابه عنوانًا أسماه "وجوه معلولة"، قال بعده مباشرة: "ذكر بعضهم وجوهًا أخرى للإعجاز، ولكنها لا تسلم في نظرنا من طعن، لأن منها ما يتداخل بعضه في بعض. ومنها ما لا يجوز أن يكون وجهًا من وجوه الإعجاز بحال. ونمثّل لهذا الذي ذكروه بتلك الأوجه العشرة التي عدّها القرطبي، وهي.."(3). وبعد أن تعرّض لهذه الوجوه، وقام بدمج بعضها في بعض، خالف القرطبي في وجهين منها هما: الحِكم البالغة والتناقض بين معانيه. وقال: "إن واحدًا منهما لا يصلح وجهًا من وجوه الإعجاز لأنهما لا يخرجان عن حدود الطاقة، بل كثيرًا ما نجد كلام الناس مشتملاً على حِكَمٍ وسليمًا من التناقض والإختلاف"(4).

 والمتأمّل في كلام هذين الإمامين يرى أنه بنفيهما "عدم الإختلاف والتناقض" من بين وجوه الإعجاز، قد خالفا نصًّا قرآنيًا، يقول فيه الحقّ تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾(5). فالقرآن الكريم يصرّح بأن سلامته عن الإختلاف دليل على كونه من عند الله تبارك وتعالى. فهو إذن وجه أصيل من وجوه الإعجاز. خاصّة وأن القرآن استغرق إنزاله ثلاثًا وعشرين سنة، ومع هذا لا نلمح خلافًا بين أول ما نزل وآخر ما نزل من حيث استواؤه موضوعًا وشكلاً((6).

 ولتقديم الدليل على ما نذهب إليه، نقول: إن آية النساء تصرّح أنه لو كان القرآن مُخْتَلَقًا وليس من عند الله سبحانه وتعالى، كما يزعم المنافقون، لوجدوا فيه اختلافًا وتناقضًا كبيرًا، في أخباره، وفي نظمه، وفي معانيه.. فتفسير الآية واضح وجليّ، وذهب المفسرون إلى ذات المعنى في تفصيلها. ولكن الذي يهمّنا هنا هو "الإمتحان"! فقد سبق ووضّحنا أن مبدأ "الإحالة الذاتية" يمكنه أن يساعدنا على التحقّق من قيمة الكلمات الموجودة في عبارة ما، وذلك عن طريق تفحّص "استعمال" الكلمات الواردة فيها، ومن ثم القيام بتفحّص "ذكر" تلك الكلمات في العبارة نفسها. والآية تقول إنه لو كان القرآن من تأليف البشر، وليس من عند الله، لوجد فيه المنافقون كثيرًا من التناقضات! والآن، كيف يمكننا تطبيق مبدأ "الإحالة الذاتية" على هذه العبارة من النصّ القرآني الكريم؟

 قبل أن نباشر بتطبيق هذا المبدأ على كلمات من القرآن الكريم، نودّ أن نسلّط بعض الضوء على مفهوم الكلمة القرآنية التي نحن بصددها هنا. فقد وجدنا بُعدًا جميلاً لهذا المفهوم عند الأستاذ محمد العفيفي، في قوله: "إن كل كلمة في القرآن تعطيك مع اتصالها فصلاً خاصًّا بها وحدها، لا يتكرّر في القرآن كله بعد ذلك.."(7). وهو يؤكّد على أن "تفصيل القرآن هو التطابق المطلق بين مواقع الكلمة القرآنية مهما تعدّدت مواقعها، وبين عدد الحقائق التي تقدّمها مواقع كل كلمة قرآنية. فعدد مواقع كل كلمة قرآنية هو نفسه عدد حقائقها"(8). ثم يقول في موضع آخر: "كلما تدبّرنا أي كلمة قرآنية متعدّدة المواقع في موقع جديد من مواقعها، فإن تعداد المواقع إنما هو تحقيق الإستجابة لحاجاتنا إليه"(9).

 وبعد هذه المقدّمات يخلص العفيفي إلى القول بأن "تعدّد مرات ورود أى كلمة في القرآن، دليل على ثبات هذه الكلمة، وحاجتنا نحن المخلوقين إلى عدد من الحاجات، قدّرها الخالق سبحانه تقديرًا، فجاءت في كتابه العزيز، آية قرآنية مفصّلة، تفي بهذه الحاجات، على مستويات الفكر الإنساني والعمل الإنساني كما وصلهما الله بالحياة"(10). ثم ينتهي إلى القول بأن "الكلمة القرآنية مهما تعدّدت مواقعها، فقد أتت مرة واحدة، والحاجات هي التي تكرّرت، بدليل أن القرآن ليس به أي إضافة عددية لكلمة من كلماته، دون حاجة حقيقيّة يأتي ذكرها مفصّلاً ومحكمًا لا مكان معه لتكرارنا لكلامنا العادي"(11). وذلك ليقرّر بحُكم قاطع أن "النظر في كلمات القرآن على أساس البُعد العددي لمواقع كل كلمة في سائر الآيات التي جاءت فيها الكلمة القرآنية، إذا وعينا هذه المواقع تفصيلاً وتوصيلاً، فقد وعينا عدد الحقائق السماوية لها تفصيلاً وتوصيلاً"(12).

 لقد استوحى الأستاذ العفيفي من هذا المفهوم للكلمة القرآنية أن الله سبحانه وتعالى ربط كل كلمة في كتابه العزيز مع جنسها من الكلمات الأخرى، وجعل منها شخصيّة واحدة مرتبطة بذاتها، هي شخصيّة القرآن الكريم. ولذلك وجب علينا عند التعرّض لأي كلمة قرآنية أن نتدبّرها من خلال اتصالها بمواقعها وعلاقاتها في القرآن كله. ولعلّ هذا التصريح الذي أدلى به الأستاذ العفيفي قيّم وجميل، إلا أنه يشعرنا بجزء ضئيل من عظمة المقصود في هذا الوجه من الإعجاز القرآني.

 فالعفيفي لم يبّين مدى تفوّق الكلمة القرآنية على غيرها من الكلمات، ولم يوفّر لنا الإجابة على أسئلة كثيرة أخرى، منها: أين نجد البناء القولي للكلمة القرآنية بالثبات والحقيقة المرتبطة بها؟ وما هو العلم الذي يمكننا أن نصله من خلال السياق للكلمة القرآنية إذا توالت صِلاتنا بها في كل موقع من مواقعها؟ ومن ثمّ، فأين نجد الفصول الخاصّة التي ترسمها لنا الكلمة القرآنية من خلال تعدّدها في مواقعها عند اتصالها بسياقها القرآني؟

 ولذلك نرى أنه للوصول إلى الحقيقة التي تعبّر عنها الكلمة القرآنية من خلال تعدّدها في مواقعها، كان لا بدّ من افتراض بُعد جديد يكمل ما انتهى إليه الأستاذ العفيفي. والقاعدة التي ننطلق منها لفهم هذا البُعد هي مبدأ الإحالة الذاتية. ولنضرب مثلاً يقرّب ما نقوله إلى الأذهان: فإن قلت لك: «هذه الجملة تحوي كلمة "تحوي"». فهل هي صحيحة؟

ستقول: أجل، إنها صحيحة، فهذه الجملة تتكلّم عن نفسها، وهي تحوي بالفعل كلمة "تحوي". ولكن ماذا بالنسبة للجملة الآتية: «هذه الجملة تتكوّن من خمس كلمات»؟ فهل هي صحيحة؟ الجواب هو طبعًا بالنفي. لأنك إذا قمت بإحصاء الكلمات الواردة فيها، ستجد أن عددها هو ستة، وليس خمسة، ولذلك كان من المفروض أن تقول: "هذه الجملة تتكوّن من ست كلمات"! وقد تسأل: وما هي علاقة هذه العبارات ببحثنا؟

 نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد أخبرنا في الآية التي تعرّضنا لها آنفًا، أنه لو لم يكن هذا الكتاب من عنده، لوجد فيه الذين يتدبّرونه ﴿اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾. أليس كذلك؟ بلى.. ولكن أي اختلاف؟ وما هو وجه الإعجاز في هذه العبارة؟ نقول، والله أعلم، لقد تمّ "استعمال" كلمة ﴿اخْتِلافًا﴾ في العبارة القرآنية للدلالة على عدم وجود التناقض في كلامه سبحانه وتعالى.

ولكن في حالة إسناد كلمة ﴿اخْتِلافًا﴾ إلى "ذكرها" في العبارة القرآنية، سنجد أنفسنا حقًا أمام أمرٍ عجيبٍ، لأننا نحصل على صورة مغايرة تمامًا لما نعهده في الكتب البشرية جمعاء. فإذا أمعنت النظر في ذكر كلمة ﴿اخْتِلافًا﴾، وليس في "استعمالها"، أي في دلالتها المعنوية في الآية، فستتجلّى لك الصورة التالية:

 لو كان هذا القرآن من تأليف البشر، لوجدت أن "ذكر" كلمة ﴿اخْتِلافًا﴾ ككلمة، جاء فيه أكثر من مرة واحدة، لأن معنى كلمة ﴿كَثِيرًا﴾ يفيد الكثرة، وهي بالعادة أكثر من مرة واحدة. والآن وبعد الرجوع إلى القرآن الكريم، نجد أن كلمة ﴿اخْتِلافًا﴾ جاءت بهذه الصيغة في كل القرآن الكريم مرة واحدة فقط، وذلك في الآية التي نحن بصددها هنا.

 فكأن الله سبحانه وتعالى يقول، أنه لو كان هذا القرآن من عند غيره، ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، أي لو كان هذا القرآن من كلام البشر، لوجدتم فيه أيها السادة أن كلمة ﴿اخْتِلافًا﴾، "كذكر" لكلمة ﴿اخْتِلافًا﴾، جاءت فيه أكثر من مرة واحدة. ولكن بما أن هذه الكلمة لم ترد بهذه الصيغة إلا مرة واحدة في كل القرآن، فإن ما نقرؤه في القرآن الكريم هو حقًا كلام الله سبحانه وتعالى! فهل يمكن لبشر أن يحيط بشيء من هذا القبيل؟ لا يمكن! ولماذا؟ لأن البشر لا يستطيعون تصوير الحقائق بصورة مطلقة، يستوي في ذلك ما كان معلومًا منها عندهم أو مجهولاً. وكلما اتسع إدراكنا لهذه الحقيقة، تبيّن لنا أن التصوير المطلق للعبارات القرآنية يوحي بأن هذا الكتاب العظيم قادم من الملأ الأعلى، وفيه من الإعجاز ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي! ولنوضّح هذه الصيغ العجيبة بمزيد من الأمثلة.


(1) سورة النساء: 4/82.

(2) الإمام يحيى بن حمزة العلوي اليمني، كتاب الطراز، ص583.

(3) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، 2/379.

(4) المصدر السابق، 2/380.

(5) سورة النساء: 4/82.

(6) د. عبد العظيم المطعني، خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، 1/167.

(7) محمد العفيفي، القرآن دعوة الحق: مقدمة في علم التفصيل القرآني، ص5.

(8) محمد العفيفي، القرآن تفسير الكون والحياة، ص196.

(9) محمد العفيفي، القرآن دعوة الحق، ص174.

(10) محمد العفيفي، القرآن تفسير الكون والحياة، ص110.

(11) المصدر السابق، ص246.

(12) المصدر السابق، ص267-268.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام