اثنا عشر شهرا في كتاب الله

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(1). فواضح من الآية أن عدد الشهور المعتدّ بها عند الله سبحانه وتعالى في شرعه وحكمه هو اثنا عشر شهرًا على المنازل القمرية.

 يقول الدكتور حسين جمعة في شأن فصاحة كلمة (العِدَّة) في هذه الآية الكريمة أنها "اكتسبت أبعادًا فكرية وجمالية خاصّة في سياقها القرآني. فالعدّة تشير إلى المقدار والتهيّؤ للعملية الإحصائية.. ولكنها في الوقت نفسه ارتبطت ببلاغة التصميم للكون منذ بدء التكوين، ثم اتّفقت بالدلالة مع ما تواضع عليه الخَلْق في عدد الشهور. فانتظم التهيّؤ الكيفي التركيبي للكلمة مع الدلالة في تطورّها منذ تصميم الكون حتى خلق البشرية، واتفاقهم على معطيات العدد والعِدَّة في مواضَعاتهم الاجتماعية والفكرية.."(2). ومع اكتساب (العدّة) لهذه الجمالية الخاصّة، إلا أننا نجد لها دلالة أخرى في تأليفها المحكم واقترانها الدقيق بعبارة ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. يقول الزمخشري: "﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: (أي) فيما أثبته، وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصوابًا، وقيل: في اللوح"(3)، أي في اللوح المحفوظ، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾. وعلى هذا الرأي الأخير ذهب أكثر المفسرين(4).

 ولكن عند تدبّر عبارة ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في هذه الآية الكريمة، نجد أنها جملة تتكلّم عن نفسها، أي أنها جملة انعكاسية، وتكشف لنا عن سرّ جديد من أسرار التعبير القرآني العجيب. فالآية تقول: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، ولم تقل: "إن عدّة الشهور عند الله إثنا عشر شهرًا في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض.."، مع أن هذا هو المعنى العام للعبارة، كما أشار إليه المفسّرون. فلا بدّ إذن أن يكون لهذا الإختيار دلالته المعجزة. وإننا لنعجب حقًّا عندما نجد أن كلمة "شهر" تكرّرت في كل القرآن الكريم بصيغة المفرد، (12) مرة بالضبط، حيث كان ذلك في المواقع التالية:  

السورة

2

2

2

2

2

5

الآية

185

185

194

194

217

2

السورة

5

9

34

34

46

97

الآية

97

36

12

12

15

3

 فهذا الإختيار الحكيم يضفي معنى منطقيًا - رياضيًا إلى المعنى العام الذي عبّرت عنه الآية الكريمة. ليصبح مفهوم الآية كما جاء في تعبير النصّ القرآني نفسه: ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فمع أن عدد الشهور في السنة هو (12) شهرًا، إلا أننا نجد أيضًا أن عدد الشهور الواردة في "كتاب الله" يساوي أيضًا (12) شهرًا، أي أن كلمة "شهر" جاء ذكرها (12) مرة في صفحات القرآن.

 فانظر إلى دقّة اختيار الكلمات المناسبة في التعبير القرآني المعجز. فلو تكرّرت كلمة "شهر" أكثر أو أقل من (12) مرة في القرآن الكريم، لنجم تناقض في النصّ! ولكن هيهات.. فهذا لا يكون إلا تنزيل من العزيز الحكيم سبحانه(5).


(1) سورة التوبة: 9/36.

(2) د. حسين جمعة، في جمالية الكلمة، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2002.

(3) الزمخشري، الكشاف، 3/41-42.

(4) انظر زاد المسير للجزائري، 3/432. ومجمع البيان للطبرسي، 5/47.

(5) ومن ناحية ثانية، فإننا نجد إعجازًا في كل ما يخصّ المصطلحات "الزمنية" في القرآن الكريم. فقد تكرّرت كلمة "يوم" مفردة في كل القرآن (365) مرة بالضبط، وهذا ما يطابق تمامًا عدد دورات الأرض حول نفسها، وهو عدد أيام السنة! وكلمة "سنة" تكرّرت في القرآن (7) مرات بصيغة المفرد و(12) مرة بصيغة الجمع "سنين"، وعليه فيكون المجموع الكلي (19) مرة. ومن المعلوم أنه كل (19) سنة تمرّ (12) سنة بسيطة عدد أيام كل منها (354) يوم، و(7) سنين كبيسة عدد أيام كل منها (355) يوم. فلا بدّ أن تكون لهذه العلاقات دلالاتها، وسنبحث هذا الموضوع في الفصل الأخير من الكتاب إن شاء الله تعالى.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام