عشر سور مفتريات

بعد أن صنّف القرآن الناس إلى أقسام ثلاثة: متّقين موحّدين، وجاحدين معاندين، ومنافقين مذبذبين. وبعد أن أثبت الوحدانية والربوبية لله، ونفى الشركاء بالمنطق والبرهان، أثبت الله تعالى أن القرآن كلامه، وأنه نزل من عنده، بدليل أنه معجز، لم يتمكّن أحد من جن أو إنس أن يأتي بمثله. وبما أنهم عجزوا، ولم يستطيعوا الإتيان بمثل أقصر سورة منه، فقد ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما ادّعاه من النبوة، وما أتى به من الرسالة الإلهية.

 ومن عجيب أمر القرآن أنه طاول العرب في هذه المعارضة، حيث تنازل لهم عن التحدّي بجميع القرآن، إلى التحدّي بعشر سور مثله، ثم إلى التحدّي بسورة واحدة من مثله، وهم على رغم هذه المطاولة ينتقلون من عجز إلى عجز، ومن هزيمة إلى هزيمة. فتحدّاهم في المرحلة الأولى على الإتيان بمثله، فقال تعالى في سورة الإسراء المكية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(1)، فعجزوا وما استطاعوا.

 ثم تحدّاهم في المرحلة الثانية على الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، فقال تعالى في سورة هود المكية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلََّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾(2). فلما عجزوا هذه المرة أيضًا طاولهم مرة أخرى، وخفّف حجم التحدّي مرة أخرى إلى أقلّ قدر يمكن أن يتمثل فيه الإعجاز، فقال تعالى في سورة يونس المكية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَالَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾(3).

 ثم كرّر هذا التحدّي في سورة البقرة المدنية، فقال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾(4).

 وبعد أن عجز الكفار عن الإتيان بمثل القرآن، وحتى عن الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، ولا حتى بسورة واحدة من مثله، كان عليهم أن يعترفوا بصدق هذا الكتاب الجليل، وأن يستسلموا لمنزّله، وأن يؤمنوا برسوله الذي أرسله إليهم، وأن يكفّوا عن الجهالات والضلالات المتوارثة عندهم. إذ ماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟!

 ومن ثمّ، فإننا نجد أن من أقوى ما جاء في التحدّي من الآيات السابقة، هو تحدّي القرآن للكافرين على الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾. لأننا نرى أن هذه العبارة من النصّ القرآني هي أصرح ما ورد في آيات الإعجاز، لِمَا فيها من القطع الرباني بعجز الكافرين أمام القرآن، وما تضمّنته في إصدارها للقرار الحتمي: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾.

 وأنت إذا أمعنت النظر في عبارة ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ من الآية الكريمة، لوجدتها جملة تحيل على ذاتها، أي أنها انعكاسية. فالله سبحانه وتعالى يطالب الكفار على الإتيان بـ"عشر سور". ولكن أي سور؟ "مثله مفتريات"! يقول الزمخشري: "﴿مِثْلِهِ﴾ بمعنى: أمثاله، ذهابًا إلى مماثلة كل واحدة منها له، ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾: صفة لعشر سور، لما قالوا: افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك، وليس من عند الله، قاودهم(5) على دعواهم، وأرخى معهم العنان، وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي، ولم يُوْحَ إليّ، وأن الأمر كما قلتم، فأتوا أنتم أيضًا بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم.."(6).

ويقول الدكتور محمد بركات حمدي أبو علي: "وقوله تعالى ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ إقرار لهم بالبراعة اللغوية دون حصول العلم بالحقائق والمقاصد، ومن ثمّ حبطت محاولاتهم لأن البيان هو وحدة اللغة والعلم، وحدة لا انفصام فيها، تمامًا كما يلتقي الشعور والقلب والعقل في الشخصية الإنسانية، ومن ثم تكون الأمانة والتكليف من خلال وحدة الرؤية في ذلك كله"(7).

 وهذا التحدّي لم يأت بهذا الشكل إلا في هذه الآية الكريمة. فلم يطالب الله الكفار الإتيان "بسورة مفتراة" أو "بحديث مفترى"، وإنما بـ"عشر سور مفتريات"، أي أن "الإفتراء" جاء مقترنًا فقط للتحدّي بـ"عشر سور" مثل القرآن. ومن معاني الإفتراء، ابتداع أو اختلاق شيء جديد، غير معهود بالنسبة للبشر، ومخالفًا لما اعتادوا عليه. فما هو إذن هذا الشيء الجديد، الذي في دعواه يتوصّل الخصم إلى إلزام نفسه بالكذب، بعد أن يتبيّن له أن اختلاق شيء مثل القرآن هو مستحيل من المستحيلات؟

للكشف عن حقيقة السرّ الذي تؤدّيه هذه الكلمة عبر توظيفها في هذه الآية الكريمة، علينا أن ندرك أولاً سبب اقترانها للتحدّي بـ"عشر سور مثله". والأمر الذي يمكننا أن نجزم فيه هنا هو الإعجاز المتعلّق بنسبة تكرار كلمة "سور" في كل القرآن الكريم.

حيث نجد أن كلمة "سورة" تكرّرت في النصّ القرآني (9) مرات، في حين أن كلمة "سور" وردت فيه مرة واحدة فقط، والتي جاءت في الآية التي نحن بصددها هنا بالذات. وعليه فيكون مجموع تكرار كلمة "سور" وكلمة "سورة" في كل القرآن الكريم (10) مرات بالضبط، وهو ما يوافق الـ(10) "سور" الواردة في الآية الكريمة. وفيما يلي قمنا بتبيين الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة في القرآن، مع عدد كلمات كل آية منها: 

السورة

2

9

9

9

9

10

11

24

47

47

الآية

23

64

86

124

127

38

13

1

20

20

الكلمات

20

17

18

18

20

16

18

9

27

27

 فمن المعلوم أن أحدًا من البشر لا يمكنه أن يأتي بمثل سورة واحدة مثل القرآن، ولكن أن يكون العجز متعلّقًا أيضًا بعدد الكلمات وبمواقعها في الآيات الكريمة، فهذا هو حقًّا القمّة في التحدّي! فلو جاءت كلمة "سورة" أكثر أو أقل من (10) مرات في كل القرآن الكريم، لما وقع هذا التناسق والإبداع العظيم. ومن ثم فإن التحدّي لا يقتصر على هذه الملاحظة فحسب! إذ نجد شيئًا عجيبًا آخر تكنّه هذه الآيات، وهو أن مجموع أرقام السور التي تكرّرت فيها هذه الكلمة مع أرقام آياتها، يعطينا:

(2 + 9 + 10 + 11 + 24 + 47 + 516 = 619).

 وأما عدد الكلمات في هذه الآيات، فيساوي:

(20 + 17 + 18 + 18 + 20 + 16 + 9 + 27 + 27 + 18 = 190 = 19 × 10).

 وسنقوم بمعالجة هذين العددين الناتجين لاحقًا إن شاء الله تعالى، ولكن من المستحقّ أن نذكر في هذا المقام أن العدد (619) هو عبارة عن العدد الأولي رقم (114)(8)، والذي يشكّل في الوقت نفسه عدد سور القرآن، المعبّر عن اكتماله وتمامه! وذلك مع العلم أن (114 = 19×6). فلاحظ صيغة التعبير المعجز: (619) و(19×6). وأما بالنسبة للعدد (19)، فسنبحثه فيما بعد لمدى أهميته في الحفاظ على التناسق بين مكوّنات القرآن الكريم.


(1) سورة الإسراء: 17/88.

(2) سورة هود: 11/13-14.

(3) سورة يونس: 10/38.

(4) سورة البقرة: 2/23-24.

(5) قوله: "قاودهم" ضمن معنى وافقهم وسايرهم.

(6) الزمخشري، الكشاف، 3/187.

(7) د. محمد بركات حمدي أبو علي، البهيج في أساليب البيان، ص20.

(8) هي الأعداد التي تقبل القسمة على نفسها وعلى (1) فقط، مثل: 2، 3، 5، 7، 11، 13...

 

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام