تسع آيات بينات

لقد بسط لنا القرآن الكريم حياة نبي الله موسى عليه السلام، ابتداءًا بولادته ونشأته، وفراره من مصر، ودخوله أرض مدين، وزواجه ابنة شيخ مدين، وعودته إلى مصر، وتكليم الله له في جانب الطور، وتحميله الرسالة، ودعوته إلى فرعون وملئه، والمعجزات التي جرت في حياته، وخروجه من مصر ببني إسرائيل، ونجاتهم بالمعجزة، وغرق فرعون وجنوده في البحر، ونزول التوراة عليه والصحف، وعبادة قومه العجل، وسائر الأحداث الهامة التي جرت في حياته عليه السلام.

 وكان ما بسطه القرآن الكريم من ذلك في غاية الروعة والبيان، ويحمل من العبر والأخبار ما يدلّنا على مدى أهمية رسالته عليه السلام. ونحن هنا بصدد تناسق عجيب يتجلّى لنا في كلام الله المطلق. فقد جاء في قوله تعالى بشأن موسى عليه السلام في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْئلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لاََظُنُّكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾(1).

 حيث ذكر الله لنا في هذه الآية، أنه عندما أرسل نبيّه موسى عليه السلام إلى فرعون آتاه (9) آيات من عنده، لتكون دليلاً وحُجّة على رسالته. فكانت هذه الآيات عبارة عن: العصا، ثم الدم، ثم الضفادع، ثم القمل، ثم موت البهائم، ثم البرد التي أنزلها الله مع النار المضطرمة، ثم الجراد، ثم الظلمة، ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع الحيوان(2). وقد تسأل: ولكن ما هي علاقة موسى بالعدد (9)؟

 لقد أيقنّا أن عدد الآيات التي آتاها الله سبحانه وتعالى نبيّه موسى عليه السلام هو (9) آيات. وقد تقول: إنني لم أعش في زمن موسى، ولم أرَ واحدة من هذه الآيات، فكيف يمكنني أن أؤمن بها؟ والجواب هو: أنك تراها أمام عينيك في القرآن الكريم، إذا قمت بتدبّر معانيه. كيف؟ أنظر إلى الإعجاز، وتمعّن في دقة المعاني والألفاظ القرآنية.

 لقد قلنا إن عدد الآيات التي آتاها الله نبيّه موسى عليه السلام هو (9)، والآيات هنا هي المعجزات. فإذا أيقنت هذا، إليك هذه المعجزة: لقد تكرّر إسم موسى عليه السلام في القرآن (136) مرة، وذلك في (131) آية، نجدها موزّعة على (34) سورة مختلفة. والأمر العجيب في هذه التكرارات هو أننا نجد (9) آيات فقط من بين كل الـ(131) آية، والتي شملت بلاغًا من الله سبحانه وتعالى بإرسال موسى عليه السلام مع المعجزات، أي أن إسم موسى عليه السلام جاء فيها مقترنًا بكلمة "آيات". ولا ننسى ما جاء في سورة "الإسراء": ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. وإليك هذه الآيات التسع:

 ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾(3)

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾(4)

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾(5)

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾(6)

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً﴾(7)

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾(8)

﴿فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾(9)

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾(10)

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(11)

وأول ما يلفت انتباهنا هنا هو أن الآية التي توسّطت هذه الآيات كانت الآية (101) من سورة الإسراء، وهي التي تنصّ على إتيان موسى عليه السلام (9) "آيات بيّنات". ومن ناحية ثانية نلاحظ أيضًا أن كل الآيات احتوت على عبارة، مثل: "بعثنا.."، أو "أرسلنا.."، أو "جاءهم.."، "موسى.. بآياتنا"، إلا الآية التي توسّطت هذه الآيات، حيث نجد أنها جاءت بشيء مختلف: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ..﴾.

 وليس الغرض هنا تبيين البلاغة اللغوية في انتقاء كل كلمة من هذه الكلمات لتجيء في موقعها المناسب. ولكن الأمر الذي سنعلّق عليه يكمن في مجموع الكلمات الواردة في هذه الآيات الـ(9)، والذي يساوي بالضبط (118) كلمة: 

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

7

10

11

14

17

23

28

40

43

الآية

103

75

96

5

101

45

36

23

46

الكلمات

16

14

6

21

18

8

17

6

12

مجموع الكلمات الكلي يساوي (118) كلمة

 وذلك مع العلم أن الآية التي يدور عليها الإعجاز في هذا السياق هي الآية (101) من سورة الإسراء التي رقم ترتيبها في القرآن (17). بحيث نحصل عند جمع رقم الآية مع رقم السورة على: (17 + 101 = 118). فسبحان الذي أحصى كل شيء عددًا. وهناك أمر أعجب من هذا كله! وهو أن كلمة "آية" جاءت أيضًا في كل القرآن الكريم بـ(9) صيغ مختلفة، كالتالي: (آية، آيتك، آيتين، آيات، آياتك، آياتنا، آياته، آياتها، آياتي). فتدبّر وفقني وإياك الله في هذا التصوير المعجز للتعبير القرآني!

 والأمر الذي يدلّ على أن هذا الترتيب العجيب يقطع بوجود تناسق عددي محكم في هذا النصّ القرآني، هو الآية التي نجدها في سورة النمل والتي تنصّ على أمر الآيات الـ(9) دون أن يرد فيها إسم موسى عليه السلام، حيث يقول الله سبحانه وتعالى لنبيّه الكريم: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ ءاياتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(12). فلو اقترن إسم موسى عليه السلام بالعدد (9) في هذه الآية أيضًا، لأصبح عدد الآيات التي ذكرت إسمه مع "الآيات" (10)، وليس (9)، ولنجم تناقض في النصّ. وذلك مع العلم أن إسمه عليه السلام تكرّر (3) مرات قبل هذه الآية، وذلك في الآيات: (7، 9، 10)!


(1) سورة الإسراء: 17/101.

(2) البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، 4/431.

(3) سورة الأعراف: 7/103.

(4) سورة يونس: 10/75.

(5) سورة هود: 11/96.

(6) سورة إبراهيم: 14/5.

(7) سورة الإسراء: 17/101.

(8) سورة المؤمنون: 23/45.

(9) سورة القصص: 28/36.

(10) سورة غافر: 40/23.

(11) سورة الزخرف: 43/46.

(12) سورة النمل: 27/12.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام