مدخل إلى المعادلات القرآنية

رأينا ممّا سبق أن استعراض الآيات القرآنية في موضوع من المواضيع يرتكز على تناسق وانسجام تام بين المعاني والألفاظ المختارة لأدائها. ووجدنا أن هذا التناسق قائم بين العبارة والمعنى الذي يُراد توضيحه من ناحية، وبين الكلمات في العبارة الواحدة من ناحية ثانية.

 فوضع الكلمة في الآية، واختيار موقعها، والتئامها مع جاراتها، له أثر كبير في الحفاظ على هذا التناسق البديع. إذ تُوضع الكلمة في مكان معيّن من العبارة، بحيث لو تغيّر وضعها تقديمًا، أو تأخيرًا، أو حذفًا، أو زيادة، لاختلّ التناسق اللفظي والوزن الخاص بها. وهذا ما يجعلنا ندرك بعين اليقين أن كلمات القرآن وحروفه موزونة بميزان شديد الحساسية تميله أخف الحركات والإهتزازات. وكما هو الحال في الإنسجام البديع الذي نراه في العلاقات القائمة بين عناصر النظام الكوني، فلا بدّ من وجود "نظم" صارم من وظيفته تحقيق هذا النوع من التوازن والإتساق في كتاب الله المقروء. وهذا "النظم" نستطيع تشبيهه بالقوانين، التي يمكننا التعبير عنها بواسطة معادلات رياضية بحتة.

 فنجد بعد بحث عميق أن القرآن الكريم تسوده بالفعل مجموعة لا تُحصى من المعادلات، منها الكونية، ومنها الإقتصادية، والأخلاقية، والتشريعية، والسياسية، وكذلك الرياضية. والمقصود بالمعادلة هنا هو الربط بين عنصرين أو أكثر على نحوٍ ما. ولتحديد مثل هذه المعادلات في القرآن وجب علينا أولاً أن نقوم بتشخيص الآية ذات البنية المعادلتية المثبتة بطرفيها.. وفي الواقع إن أكثر من معادلة ومعادلة قد تتجسّد في أكثر من آية وأخرى، ولا مانع بطبيعة الحال درج كل هذه الآيات حسب تسلسل درجة الصراحة، وعمق الإنكشاف الواقع فيها. فكل المعادلات تتقوّم بطرفيها من جهة، وبطبيعة العلاقة المنعقدة بين هذين الطرفين من جهة أخرى.

 فلو نظرنا على سبيل المثال إلى العبارة القرآنية: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾(1)، لوجدنا أنها تعبّر عن معادلة واضحة، فهي تحوي طرفين مشخّصين بصراحة، هما الشكر وزيادة النعم. ويقوم تقرير هذه المعادلة على أن الشكر يؤدي إلى زيادة النعم، وهذا يعني أن العلاقة القائمة بين طرفي المعادلة هي طردية، وهو ما يعرف في لغة الرياضيات بـ(المعادلة الأسيّة). ومفادها أن أي تغيير طفيف في أحد طرفي المعادلة يستتبعه ازدياد مطّرد في الطرف الثاني. وإننا نجد بشكل عام نوعين من المعادلات الحسابية في المنطق الرياضي. وكما ذكرنا آنفاً فإن لكل معادلة طرفين. فلو فرضنا أن الطرف الأول من المعادلة هو (أ) وأن الطرف الثاني هو (ب)، فتكون العلاقة الرياضية بينهما إما بالتساوي (أ = ب)، وإما بعدم التساوي (أ # ب).

 وعند الرجوع إلى القرآن الكريم نجد العديد من العبارات التي يمكننا صياغتها تبعاً لهذين النوعين من المعادلات. فالعلاقة الرياضية المعبّرة عن التساوي في القرآن نجدها بصيغة: "(أ) كـ(ب)"، أو بصيغة: "مَثَل (أ) كمَثَل (ب)". ذلك أن من المعاني التي تدلّ عليها كلمة "مَثَل" في المنطق الرياضي هي التساوي. فإن قلت لك: "مَثَل (أ) كمَثَل (ب)"، فهذا يعني أن (أ) لا بدّ وأن يكون مساويًا لـ(ب) في المقدار. وأما العبارة الثانية التي يمكننا صياغتها كمعادلة رياضية في القرآن فهي: "لا يستوي (أ) و(ب)"، والتي جاءت أحياناً بصيغة: "(أ) و(ب) لا يستويان"، أو بصيغة سؤال استنكاري: "هل يستوي (أ) و(ب)"؟ والتي توحي بنفس الدلالة.


(1) سورة إبراهيم: 14/7.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام