التسوية والتقدير والقوانين

إن سلوك أي جزء من أجزاء المادة، مهما صغر أو تضاءل حجمه، يخضع لقوانين طبيعية محدّدة، أوجدها الله تعالى بحكمته، وقدّرها بموازينه، وأجراها بتدبيره. ومن خلال ترابط أجزاء الكون بثوابته وشروطه نجد أن تمييز المخلوقات، مع تعدّدها الهائل وخصائصها المختلفة، يقع في ثلاثة أصناف: الأول، هي الموجودات المادية المجرّدة، متمثّلة بما في الكون من عناصر ومركّبات ومخاليط. والصنف الثاني، هي الموجودات الحيّة، متمثّلة في النباتات والحيوانات والأحياء المجهرية. وأما الصنف الثالث، فهي الموجودات العاقلة، المتمثّلة في بني البشر.

   وإن لكل صنف من هذه الأصناف قوانين تحكم توجّهاته، وهي وإن بدت متمايزة، إلا أنها متداخلة في بعض وجوهها بما لا يمكن فصله.. فالكائنات الحية هي أصلاً مادة بتصميم خاصّ وبنظام مميّز. وكذلك الإنسان، فهو مادة بنظام الحياة وروح من أمر الله تعالى. ثم إن القوانين الطبيعية التي تحكم هذه الأصناف تؤدّي إلى تدبير نشاطات كل صنف بوجهته المناسبة، سواء في تفاعلات الموجودات المادية، أو في تفاعلات الأحياء بمميّزات الحياة، أو في تفاعلات البشر بتوجّهاتهم العقلية.

   ونحن نرى من خلال واقع الوجود المادي في الجمادات، وواقع الوجود الحي في الأحياء، وواقع العقل وأحكامه في بني البشر، أن كل مخلوق من هذه المخلوقات، وبسبب ترابطه مع المخلوقات الأخرى، يشهد بأن الخالق واحد لا إله إلا هو سبحانه.

   وذلك من حيث أن ثبات هذه الأصناف واستقرارها على نُظُم مُحكمة، دون أن يتسرّب إليها خلل ولا فساد، يشهد أنها جارية وفق قوانين ثابتة، سنّها الخالق سبحانه وتعالى بمشيئته وقدرته لهذا الوجود، وفطر عليها أمور خلقه، وأخضع لها مخلوقاته على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها.

   فالخلائق المبثوثة في الكون مرتبطة جميعها بمنهج موحَّد من القوانين، التي تقرّب بعضها من بعض، وتجعل منها عالَمًا متكاملاً يسوده الإنسجام والإستقرار والتوازن. وهي تشكّل بذلك أعظم دليل على أن العالَم مخلوق لصانع عليم قدير، لأنها تكشف عن دخالة المحاسبة والتقدير في تكوين كل شيء فيه، الأمر الذي لا يعقل أن ينجم عن صدفة عمياء..

وأنت حيثما قلبت نظرك في أنحاء الوجود، وتمعّنت في أصنافه وموجوداته، تجد أن كل شيء مادي فيه يمكن تجزئته إلى ما هو أصغر منه. فالكون المرئي يتكوّن من مجرات، والمجرات مكوّنة من مجموعات شمسية، وكل مجموعة شمسية تتكوّن من ملايين النجوم.

فإذا انطلقت من مجموعتنا الشمسية، تجد أنها تحوي الأرض، والأرض مكوّنة من يابسة وبحار، واليابسة تتكوّن من مدن وقرى، وعليها يعيش الإنسان، والإنسان يتكوّن من أعضاء، والأعضاء تتكوّن من أنسجة، والأنسجة بدورها من خلايا، والخلايا من مركّبات، والمركّبات من جزيئات، والجزيئات من عناصر، والعناصر من ذرّات، والذرّات من جسيمات (بروتون، نيوترون، إلكترون)، والجسيمات من جسيمات أصغر وأدقّ تُدعى كوارك.. وهكذا.

ومن ثمّ، فإنك لو تتبّعت التفاعلات والظواهر، التي تسود هذه الأجزاء الكونيّة، تجد أنه على الرغم من وجود منهج موحَّد بينها، إلا أن القوانين التي تحكم أجزاءها الصغيرة، تختلف جذرياً عن تلك التي تحكم أجزاءها الكبيرة. فالقوانين التي تحكم عالَم الذرات مختلفة بصورة واضحة وجليّة عن القوانين التي تحكم عالَم المجرّات.

   وقد تحيّر العلماء في كيفيّة التعامل مع حقيقة هذه الظاهرة، فاقترحوا نظريتين اثنتين، شكّلت كل واحدة منهما عمودًا أساسيًا يقوم عليه تفسير الظواهر السائدة في كل من هذين العالَمين. فالنظرية الأولى، تصف الظواهر التي تتحلّى بها الأجسام العملاقة، كالأجرام السماوية، وهي ما يُعرف بإسم النظرية النسبية(1). وأما النظرية الثانية، فهي النظرية التي تصف الظواهر السائدة في عالَم الأجسام الصغيرة، كالذرّات ومكوّناتها، وهي ما يُعرف بإسم نظرية ميكانيكا الكم(2).

ومع أن صحّة هاتين النظريتين قد تحقّقت بالتجربة، إلا أنه يستحيل تطبيق النظرية الأولى على عالَم الذرّات، كما أنه من المستحيل أن تُطبّق النظرية الثانية على عالَم المجرّات.

ولذلك تكثّفت جهود العلماء في البحث عن مخرج للتوحيد بين النظريتين، على أمل التوصّل إلى نظرية موحّدة، تمكّنهم من تفسير جميع الظواهر السائدة في كل من عالَم الذرّات والمجرّات. فأطلقوا على هذه النظرية إسم "نظرية كل شيء"(3)، وسعوا فيها إلى دمج معادلات النظريتين، علّها تساعدهم على استنباط ما يطلقون عليه إسم "المعادلة الكونية الكبرى".

فهل سيتحقّق حلم العلماء، في الوصول إلى هذه المعادلة السرية؟ وكيف سيكون يا ترى شكل القوانين التي تتحكّم بها؟ وما هي الثوابت التي ستتعلّق بها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل سنتمكّن حينئذ من التنسيق بين حقيقة عناصر المادّة، وبين القوانين المختلفة التي تحكمها؟

للتمكّن من الإجابة على هذه التساؤلات، وحرصًا على أن يكون بحثنا متكاملاً، فكان لا بدّ من التطرّق بعض الشيء إلى البنية التحتيّة لعناصر المادّة، والتي تُعتبر القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الكون بما يحويه. ولذلك سنقوم في الفصول القادمة بالبحث عن القوانين والثوابت، التي تتحكّم بعناصر المادّة، ثم نربطها بالإعجاز العددي إن شاء الله.


(1) General Relativity (Einstein)

(2) Quantum Mechanics (Schroedinger & Heisenberg)

(3) Stephen Hawking) The Theory of Everything

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com