مدخل إلى الإعجاز العددي في الكيمياء

كما أن كل كلمة في لغتنا العربية عبارة عن تسلسل معيّن، واختيار مسبق لمجموعة من الحروف الـ(28)، فكذلك نجد أن كل مادّة الكون مكوّنة من تسلسل معيّن، واختيار مسبق لمجموعة من العناصر الكيميائية. وكما أن ترتيب الحروف في الكلمات يعطي المنتوج النهائي لما نرمي إليه من جمل وعبارات، فإن ترتيب ذرّات العناصر في التفاعلات الكيميائية يعطي أيضًا المنتوج النهائي للمركّب، الذي نرغب في التوصل إليه. وكما أن للحروف أبجدية بترتيب معيّن، فإن للعناصر أيضًا أبجدية بترتيب خاصّ بها.

 ولفهم التطور الذي رافق الكشف عن هذه الأبجدية، علينا أن ننتقل بحواسّنا إلى فكر القرن التاسع عشر. ففي ذلك العصر انبثقت أول محاولة لتقسيم العناصر الكيميائية، من خلال التفرقة بين حالات المادّة الثلاثة: صلبة وسائلة وغازية.

 على أن هذه القسمة لم تفد كثيرًا في دراسة الكيمياء، فأنت تعلم اليوم أن معظم العناصر الكيميائية هي صلبة في كنهها(1). ولذلك لجأ العلماء إلى حلول أخرى، فقسموا العناصر إلى مجموعتين، تُعرف الأولى بالفلزّات، مثل الحديد (26Fe)، والنحاس (29Cu)، والرصاص (82Pb)، والثانية باللافلزّات، مثل الكربون (12C)، والكبريت (16S)، والفوسفور (15P).

 إلا أن هذه القسمة كشفت أيضًا عن عيوب عديدة، أهمّها عدم وجود حدّ فاصل بين المجموعتين. فقد تبيّن للعلماء أن بعض الفلزّات تتحلّى بخواصّ لافلزية، كالصوديوم (11Na) والبوتاسيوم (19K). كما أن بعض اللافلزّات تتحلّى بخواص فلزّية، كالجرافيت مثلاً..

 وعلى هذا، استمرت المحاولات في البحث عن طريقة عملية تساعد على تصنيف العناصر وترتيبها، حتى جاء مَن يقدّم الحلّ المنشود في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

    ففي عام (1871) نشر عالم الكيمياء الروسي (مندليف)(2) بحثًا جديدًا، اعتمد فيه ترتيب العناصر الـ(63)، التي كانت معروفة لديه آنذاك(3) في دورات أفقية ومجموعات رأسية، حسب تزايد كتلها الذرية من جهة، وحسب تشابهها في الخواص الكيميائية والفيزيائية من جهة ثانية، معتمدًا في طريقته على أساس تكراريّة خواصّ المواد  بصورة دوريّة(4).

 فكانت هذه هي بداية الطريق الذي أنار للعلماء إمكانية تفسير العلاقات بين العناصر المختلفة، والتي سهّلت عليهم فيما بعد دراسة الخصائص الكيميائية والفيزيائية لكل عنصر.

 

ولكي نسهّل عليك استيعاب فكرة هذا الترتيب، نطلب منك أن تتخيّل نفسك واقفًا أمام فندق إسمه "فندق مندليف" (انظر الجدول الدوري أعلاه)، والذي يتألّف من عدد محدّد من الغرف (الخانات). فأنت إذا أمعنت نظرك فيه، تجد أنه مصمّم بطريقة هندسية، غير التي عهدتها في البنايات العادية. إذ إن كل طابق فيه يحوي عددًا مختلفًا من الغرف عن الطوابق الأخرى. والأعجب من ذلك تجده في أن قاعة دخوله متواجدة في الطابق العلوي، وليس في الطابق الأرضي.

    وإذا قمت الآن بعدّ الغرف المتواجدة في كل طابق فيه، تجد أن الطابق العلوي يتألّف من غرفتين. وأن الطابقين الثاني والثالث، يحوي كل واحد منهما (8) غرف. فيليهما إلى الأسفل الطابقين الرابع والخامس، كل واحد منهما بـ(18) غرفة. ويتبعهما الطابق السادس، الذي يحوي (32) غرفة. ثم يلفت انتباهك في الطابق السابع والأخير، أي الطابق الأرضي في هذا الفندق، أن العدد النهائي للغرف المتواجدة فيه، مجهول إلى حدّ ما، ولكن حسب ما هو مبيّن في الجدول، فهو يساوي (27) غرفة(5).

 فإذا أدركت الآن أن المقصود بالغرف هنا، هي خانات العناصر، أو ما يسمّيه الكيميائيون بالـ"مجموعات"(6)، وأن الطوابق هي بمثابة ما يسمّونه بـ"الدورات"(7)، فيصبح من السهل عليك التعامل مع سكان هذا الفندق، الذي يُطلَق عليه إسم "الجدول الدوري للعناصر"، وهو الجدول الذي بُني على أساس فكرة (مندليف)، ثم طوّره العلماء اللاحقون من بعده، حتى بلغنا بمجموع العناصر المكتشفة حتى يومنا هذا، والتي تساوي (113) عنصرًا، أولها الهيدروجين (1)، وآخرها الأننكواديوم (114)، مع العلم أن العنصر رقم (113) لم يُكتشف بعد(8).

 وهنا ينقدح للذهن سؤال يجدر ذكره، وهو: إذا كان آخر عنصر مكتشف في الجدول الدوري رقمه (114)، فهل لهذا العدد علاقة بعدد سور القرآن الكريم، والتي تساوي (114) سورة؟ ومن ثمّ، فماذا تعني كل هذه الألوان المختلفة في الجدول؟ وما الذي يتحكّم بعدد العناصر في كل دورة؟ ومن الذي يحدّدها؟

    ليس الغرض من هذا البحث أن نتعمّق في علم الكيمياء، ولذلك سنقتصر رحلتنا فقط على أمور ذات علاقة مباشرة ببحثنا. وكما تلاحظ في الجدول أعلاه، فقد ألحقنا كل عنصر برمز، ووضعنا بجانب كل رمز رقمًا. أما الرموز، فهي اختصار لأسماء العناصر باللاتينية، فالهيدروجين مثلاً رمزه (H1)، والهيليوم (He2)، والأكسجين (O8).. وهكذا.

وأما الأرقام المتواجدة إلى جانب كل رمز، فهي ما يطلق عليها الكيميائيون إسم "الأعداد الذرية"، وهي عبارة عن عدد البروتونات التي يحويها كل عنصر في نواته(9). فالهيدروجين (H1) مثلاً، بما أنه يحوي  بروتونًا واحدًا في نواته، فلذلك يكون ترتيبه في الجدول هو (1)، ثم يليه الهيليوم (He2) الذي يحوي بروتونين، ثم الليثيوم (Li3) بـ(3) بروتونات.. وهكذا، حتى نصل إلى آخر عنصر، وهو الأننكواديوم (114Uuq)، والذي تحوي نواته (114) بروتونًا.

    وأما بالنسبة للألوان التي شكّلنا بها للعناصر، فمن المعلوم أن العناصر تنقسم بحدّ ذاتها إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول عبارة عن عناصر متواجدة في الطبيعية (وهي ممثّلة باللون الأخضر في الجدول)، والصنف الثاني عبارة عن عناصر متواجدة في الطبيعة إلا أنها مشعّة (ممثّلة باللون الزيتي)، والصنف الثالث عبارة عن عناصر مشعّة، غير متواجدة في الطبيعة، ولكن يمكن إنتاجها بطرق صناعية (وهي ممثّلة باللون الأزرق).

وعلى هذا، فإن العناصر الطبيعية تمثّل العناصر من (1) إلى (83)، والعناصر الطبيعية المشعّة تمثّل العناصر من (84) إلى (92)، وأما العناصر المشعّة المصنّعة، فهي تمثّل العناصر التي أعدادها الذرية تتواجد بين (93) و(114). وهذه المعلومات الأساسية يمكنها أن تؤهّلنا الآن من دراسة الخصائص والصفات، التي تتحلّى بها هذه العناصر. ومن ثمّ، فهي تتيح لنا أيضًا الكشف عن علاقتها بالإعجاز العددي في القرآن.


(1)  بالإضافة إلى عنصرين سائلين، هما الزئبق (80Hg) والبروم (35Br)، و(11) عنصراً غازياً.

(2) Dmitri Ivanovich Mendeleev

(3) Bensaude-Vincent, B., Mendeleev’s Periodic System of the Chemical Elements. The British Journal for the History of Science, Vol. 19, pp. 3-17.

(4) Mendeleev, D., On the Relationship of the Properties of the Elements to their Atomic Weights. Annalen Suppl. VIII, pp. 133.

(5) سيأتي الكلام عن هذا الموضوع لاحقًا إن شاء الله تعالى.

(6) يتكوّن الجدول الدوري من 18 عمودًا رأسيًا من العناصر، يُسمّى الواحد منها مجموعة (Group)

(7) يتكوّن الجدول من 7 صفوف أفقية، يُسمّى الواحد منها دورة (Period)

(8) لكي تكون على دراية بالتطورات الطارئة على هذا الجدول، يمكنك زيارة أشهر صفحة عن العناصر الكيميائية على شبكة الإنترنت تحت العنوان التالي: www.webelements.com

(9) وهو يساوي أيضًا عدد الإلكترونات التي تدور حول النواة.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com