من أسرار المادة

عند دراسة العناصر الكيميائية المعروفة، نلاحظ أن فيها من أوجه التشابه والإختلافات العجيبة. فمنها الملوّن وغير الملوّن، وبعضها غاز وبعضها سائل وبعضها الآخر صلب، وبعضها موصل جيد للحرارة وبعضها ردئ التوصيل، ومنها المغناطيسي والآخر غير مغناطيسي..

 وينبغي التساؤل هنا عن السبب الذي يجعل العناصر تختلف عن بعضها البعض، مع أن مكوّنات ذرّاتها متشابهة! وما هو الفرق بين أصناف العناصر الثلاثة التي تمّ ذكرها سابقًا؟

 أنت تعلم الآن أن أبسط ذرّة في الكون هي ذرّة الهيدرجين (H1)، التي تحوي بروتونًا واحدًا في نواتها. ثم تليها في الكبر ذرّة الهيليوم (He2)، التي تحوي بروتونين في نواتها. ثم ذرّة الليثيوم (Li3) بثلاثة بروتونات، ثم ذرّة البيرليوم (Be4) بأربعة بروتونات، ثم البور (B5) بخمسة بروتونات، ثم الفحم (C6) بستة بروتونات، فالنيتروجين (N7) بسبعة بروتونات، فالأكسجين (O8) بثمانية بروتونات..

 وهكذا يتدرّج بناء الذرّات بشكل منتظم، حتى نصل إلى آخر عنصر في الطبيعة، وهو البِزموت (Bi83)، الذي يحوي في نواته (83) بروتونًا:

 

فذرّات العناصر الطبيعية مرتّبة بناءًا على ما تحوي كل ذرّة من بروتونات. ولذلك فإن عدد البروتونات في الذرّة، هو الذي يحدّد مكانها في الجدول الدوري(1). هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فأنت تعلم أيضًا أن الذرّات لا تتألّف فقط من بروتونات، وإنما يدخل في تركيبها أيضًا إلكترونات ونيوترونات.

 فالإكترونات عبارة عن جسيمات شحنتها سالبة، وتطوف في مدارات خارجية حول النواة. وأما النيوترونات، فهي جسيمات حيادية لا شحنة لها. ومع هذا، فهي تلعب دورًا رئيسيًا في وزن الذرّة. فأنت تعلم أن الوزن الذرّي يساوي عدد البروتونات مضافًا إليه عدد النيوترونات.

 وكما أن العناصر تخضع لقوانين صارمة في ترتيبها كما رأينا، فإن عدد كل من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات في ذرّة معيّنة، يخضع هو الآخر لقوانين صارمة. وقد تمكّن العلماء من الكشف عن جزء من أسرار هذه القوانين في العقود الأخيرة.

 وكما ذكرنا آنفًا، فلكي تكون الذرّة متعادلة الشحنة يجب أن يكون عدد البروتونات فيها مساويًا لعدد الإلكترونات. فنجد على سبيل المثال أن ذرّة الهيدروجين تحوي بروتونًا واحدًا في نواتها، ويقابله إلكترون واحد في مدارها الخارجي، وذرّة الهيليوم تحوي بروتونين في نواتها، ويقابلهما إلكترونان في مدارها الخارجي.. وهكذا. وستسأل بالطبع ما المقصود هنا بالمدارات الخارجية؟

 تدور الإلكترونات حول النواة في مدارات محدّدة، أشبه بدوران الكواكب حول الشمس، وكما أن عدد الكواكب التي تحيط بالشمس محدود ومقدّر، فإن عدد الإلكترونات التي يمكنها الدوران في مدارات حول الذرّة، هو الآخر محدّد ومقدّر بدقّة بالغة، بحيث يتّسع كل مدار لعدد معيّن من الإلكترونات، التي يمكنه أن يستوعبها.

 ولفهم هذه الهندسة المحكمة، لجأ العلماء إلى نظريات فيزيائية حديثة، فطوّروا منها مناهج جديدة، تمثّل مدارات الإلكترونات حول أنوية الذرّات، ووضعوا لها رموزًا واختصروها بحروف لاتينية: (K, L, M, N, O, P, Q)، وذلك بترتيب تصاعدي حسب بُعد المدار عن مركز النواة. فالمدار (K)، مثلاً، هو أقربها إلى النواة، في حين أن المدار (Q)، هو أبعدها من النواة:

 

ثم قاموا بحساب نظري لمعرفة عدد الإلكترونات، التي بإمكان كل مدار أن يستوعبها، فتوصّلوا إلى معادلة رياضية، تعبّر عن هذا البناء الهندسي العجيب: (2n2). فالحرف (n) في هذه المعادلة يرمز إلى رقم المدار(2). وتبعًا لهذه المعادلة، نجد أن المدار الأول (K)، يمكنه أن يستوعب (2 × 21 = 2) إلكترونين فقط، وأن المدار الثاني (L) يمكنه أن يستوعب (2 × 22 = 8) إلكترونات، فالثالث (M) (2 × 23 = 18) إلكترونًا، فالرابع (N) (2 × 24 = 32) إلكترونًا.. وهكذا، حتى نصل إلى المدار الأخير (Q)، الذي بإمكانه أن يستوعب (98) إلكترونًا.

ثم وجد العلماء أنه في حالة تشابه ترتيب الإلكترونات في المستوى الخارجي لعنصرين معيّنين، فإن الخواصّ الكيميائية لهذين العنصرين تكون دائمًا متشابهة(3). فنجد على سبيل المثال أن عنصري الليثيوم (Li3) والصوديوم (Na11) يحوي كل منهما إلكترونًا واحدًا في مداره الخارجي. ولهذا السبب نجدهما في نفس المجموعة الرأسية من النظام الدوري، وهي المجموعة التي تبدأ بعنصر الهيدروجين (H1)، وتنتهي بعنصر الفرانسيوم (Fr87).

 ومن الملاحظ أيضًا أن رقم المجموعة الرأسية في الجدول، يتساوى دائمًا مع عدد إلكترونات التكافؤ(4)، وهي الإلكترونات التي يمكنها التفاعل مع إلكترونات أخرى في ذرّات عناصر المجموعة، والتي تساوي بطبيعة الحال عدد الإلكترونات المتواجدة في المدار الأخير حول النواة. والسؤال الذي يتبادر هنا إلى الأذهان، هو: كيف يتمّ توزيع الإلكترونات في هذه المدارات على أرض الواقع؟

 إذا تمعّنت الجدول الدوري جيّدًا، تجد أن الدورة الأولى تتكوّن من عنصرين فقط، هما الهيدروجين (H1) والهيليوم (He2). ولقد ذكرنا أن الهيدروجين يحوي في مداره الخارجي إلكترونًًا واحدًا، في حين أن الهيليوم يحوي إلكترونين. وأشرنا أيضًا إلى أن المدار الأول، الذي يقرب من النواة، لا يمكنه استيعاب أكثر من إلكترونين.

 ولذلك يمتليء المدار الأول (K) بذرّة الهيليوم، التي تحوي إلكترونين فقط. فإذا انتقلنا إلى الدورة الأفقية الثانية من الجدول الدوري، فيظهر لنا المدار (L) حول نواة الذرّة، والذي بإمكانه استيعاب (8) إلكترونات. ولهذا السبب نجد أن هذه الدورة قد احتوت على (8) عناصر، تبدأ بعنصر الليثيوم (Li3)، وتنتهي بعنصر النيون (Ne10).

 فإذا أكملنا رحلتنا وانتقلنا إلى الدورات التالية، نجد أن الدورة الثالثة قد احتوت على (8) عناصر، والدورة الرابعة على (18) عنصرًا، فتليها الدورة الخامسة بـ(18) عنصراً، ثم السادسة بـ(32) عنصرًا، وأما الدورة السابعة فنجد فيها (27) عنصرًا، والتي لم تكتمل بعد. فما الذي حصل هنا؟ وماذا عن المدارات المحدّدة للإلكترونات حول نواة الذرّة، والتي توازي الدورات الأفقية في الجدول الدوري؟

 لقد اختلفت الصورة وازداد الأمر تعقيدًا، وكأن النظام الذي رأيناه في بداية الأمر قد تلاشى ولم تعد له أهميّة. فبينما يستوعب المدار الثالث (18) إلكترونًا، نجد أن الدورة الثالثة لا تحوي إلا (8) عناصر فقط. وفي حين أن المدار الرابع بإمكانه أن يستوعب (32) إلكترونًا، نجد أن الدورة الرابعة احتوت فقط على (18) عنصرًا. فما الذي طرأ على النظام هنا؟

 عند البحث في هذه الميزات العجيبة، نجد أن هذا التناقض الظاهر في حقيقة الأمر يشكّل بنفسه الدليل على جوهر النظام، الذي يتحلّى به الجدول الدوري. إذ نجد أن الدورة الأفقية الثالثة تبدأ بعنصر الصوديوم (Na11) وتنتهي بالأرجون (Ar18). ولكن المدار الثالث (M) لذرّة الأرجون ليس مكتملاً، فمع أنه بإمكانه استيعاب (18) إلكترونًا، إلا أنه احتوى على (8) إلكترونات فقط.

 وانطلاقاً من هذه النقطة بالذات نبدأ رويدًا في الدخول إلى لبّ موضوعنا الإعجازي. ذلك أن الذرّة التي تلي هذا العنصر، هي ذرّة البوتاسيوم (K19). وإذا تمعّنت جيدًا في ترتيب هذا العنصر، ستجد أن رقمه في الجدول الدوري هو (19)!

 

وأول ما يلفت انتباهنا هنا، أنه بدلاً من أن يكتمل ملء الإلكترونات في المدار الثالث، حتى يصل عدد الإلكترونات فيه إلى (18) إلكترونًا، فإنه بدءًا بعنصر البوتاسيوم (K19)، يبدأ استيعاب الإلكترونات في المدار الرابع (N). ولذلك نجد هذا العنصر متصدّرًا بداية الدورة الأفقية الرابعة، ليشكّل أول قاعدة شاذّة مثيرة للإهتمام في ترتيب العناصر الكيميائية. وهذا الأمر لم يحدث مصادفة، كما سنرى قريبًا، وإنما وفق قواعد النظام الصارم، الذي وضعه الله سبحانه وتعالى للقوانين الطبيعية.

 ولهذا الشذوذ بالطبع سبب كيميائي- فيزيائي، لأنه كما هو معلوم، فلا يمكن لأية ذرّة أن تحوي أكثر من (8) إلكترونات في مدارها الخارجي، لأن هذا الوضع يوفّر للذرّة النظام الثابت، الذي تميل إليه بطبيعة الحال.


(1) أو بكلمات أدقّ فإن عدد الإلكترونات هو الذي يقرر مكان الذرّة في الجدول. ولكن بما أن عدد الإلكترونات يساوي عدد البروتونات في ذرّة ما، فالعبارة الأولى أيضًا صحيحة!

(2) قانون Arnold Sommerfeld

(3) Emsley, J., The Development of the Periodic Table of the Chemical Elements. Interdisciplinary Science Reviews, Vol. 12, pp. 23-32.

(4) Valence Electrons

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com