هندسة القرآن

دراسة فكرية جديدة في تحليل النص

الرقم الرياضي

     إن الوجه الثاني من مفهومنا للدقَّة هو الرقم الرياضي ، بعد أن كان الأول (الدائرة) . ومرة ثانية نؤكد أن مقصودنا من الرقم ليس ما يسمى (بحساب الجمَّل) أو ما يسمى (عدّ أبي جاد) ... وإنما نعني أن (أبجدية القرآن) أبجدية رياضية ، وأن لغة القرآن تُعدُّ نقلة نوعية في حياة العرب والعربية ؛ لأنه جعل لغتهم رياضية مقنَّنة ، بعد أن كانت لغة شعرية سائبة مفنوحة مثل الصحراء {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} (224) سورة الشعراء / {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} (225) سورة الشعراء ، من هنا نؤكد ما قلناه سابقا "إن الصحيح القول (قبل القرآن وبعد القرآن) وليس قبل الإسلام وبعد الإسلام ، لأن القرآن أكبر وأهم ظاهرة خاصة وأساسية عند العرب ، أما مفهوم الإسلام فهو مفهوم عام يصلح للديانات كلها .

     ونبتدىء بفوله تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا .....} (31) سورة البقرة أي علمه الأرقام العشرة التي هي أصل وجذر الكلمات العربية {الصفر - الواحد - الاثنان - الثلاثة - الأربعة - الخمسة - الستة - السبعة - الثمانية - التسعة} . فكانت الأبجدية ، وجاءت مفردات الأسماء ، فتولد الكلام مع الحركة والحاجة والاجتماع ... ولعل كثرة الاشتقاقات فيما يسمى باللغات السّاميّة وأهمها العربية نتيجة منطقية وطبيعة للأصل الرياضي للأفعال (أيْ الفعل الثلاثي والرباعي والخماسي) والتي بدورها أصبحت جذرا للمصادر والأسماء والصفات ... فالمناقلة بين الأرقام تخلق أرقاما جديدة ؛ أي اشتقاق قيَم رياضية ودلالات محددة ، وصفة الاشتقاق هذه خصيصة واضحة في اللغة العربية بخاصة ، وبالمجموعة اللغوية السامية بعامة ، ممل يدل على توارث لغة (آدم ونوح) عبر الأبناء مرورا بإبراهيم وأحفاده ... وهذا يساعدنا على الاعتقاد بأن أصل مجموعة اللغات السامية ، هو أوّل أصل لغوي وُجد على الأرض بشكل حضاري ، مع وجود أول مجموعة بشرية ، هي عائلة سيدنا آدم المذكور في القرآن ... وأن اختيار العربية لغة للقرآن يؤكد أن هذه اللغة هي (الوحيدة) من ذلك الأصل المختار * ، فتكاملت وصلُحت للتداول الحضاري ولحمل الرسالة إلى آخر الزمان الدنيوي . إذنْ القرآن نزل بلفظه العربي ومعناه ، مثلما نقرأ اليوم ، من اللوح المحفوظ ، وجبريل لم يكن إلا ناقلا أمينا لما بين اللوح المحفوظ والنبِّي محمد (ص) .

     إن ترتيب كلمات الآية القرآنية ، هووضعٌ رياضيٌ ، فالكلمة القرآنية (رقم رياضي) فلو غُيِّرت أو حُذِفت كلمة لاختلّت (المعادلة / الآية) ، ورغم ذلك فإن الكلمة القرآنية مع دقتها الرقمية ، لما فيها من روح حسابية إلا أنها مؤطّرة بموسيقى الحياة ، ورقي البلاغة ...ورياضية الكلمة القرآنية هذه عامل أساسي في تكييف المنطق القرآني مع تقادم الزمن ، فالأرقام قبل ألف عام والآن وبعد ألف سنة ، تبقى أرقاما تصلح في كل أرض ومع الناس جميعهم ، ومن هنا أيضا يجد الجميع مرادهم في المنطق القرآني دون أن ينفد ، وهو المنطق الحسابي نفسه الذي يسمح بتداول الأرقام دون تغيير في فيزيائيتها ، وإنما التغيير يتم بعد اندماجها أو انقاصها ، أي التغيير في كيميائيتها ، فالرقم واحد يبقى واحدا ، لكنه يصبح أربعة إذا أُضيف إليه ثلاثة ... وهكذا ، وفي الاتجاه نفسه نجد سهولة حفظ الآيات القرآنية لمن يريد حفظها ، وهي سهولة رياضية قائمة على أساس المتوالية العددية الواردة في (جدول الضرب) الحسابي ، الذي تقوم علية المبادىء الأساسية لمن يريد ضبط الحساب على أساس مُحصِّلة الرقم الناتجة من تقاطع الرقم الأفقي لمثيله الرقم العامودي ، أو بالعكس .

     ومن الغريب أن المرحلة الإبتدائية لمعظم التلاميذ فيها تزامن عمري للصغار في سهولة حفظ آيات وسور عديدة من القرآن وفي حفظ جدول الضرب الحسابي ... ولا ريب أن منطق القرآن هذا غير مسبوق ولا ملحوق بمنطق قائم على أساس رياضي ... وزيادة في الإيضاح نود الإشارة إلى أن التعمق في دراسة المنطق القرآني يوصلنا إلى تحديد عواملها الأولية من خلال جذرها الرقمي ، وأن (التناظر) بين آية وآية ، وبين سورة وسورة ، يساعدنا على معرفة التكامل بين البدايات والخواتم للآيات والسور ، المبني على تسلسل (المعادلة) ذات الطرفين ، وهذا ليس مستغربا ، ففي حياتنا المعاصرة ، تستخدم الدول مع مؤسساتها الدبلوماسية والعسكرية (الشفرة) . وهناك أنواع من هذه الشّفر ، وأبرزها تلك التي تتكون من كلمات تتحول إلى أرقام ... وعند قلب الأرقام إلى حروف تُعطي جملة أو جملا مفيدة ومعبّرة ، وهذا يدفعنا أكثر إلى ربط (رقمية الشِّفرة وسرعة إبراقها) إلى وجود نظام مشابه في نقل الآيات ** بواسطة جبريل على شكل (شفرة رقمية) يتم حلّها عبر النبي مثلما هي منقولة عن اللوح المحفوظ ، بدون أي تغيير ، (والصلاحية) المسموح بها للنبي هي فقط نسبة الآية إلى موضعها من السورة .

     وبالإمكان (تطوير) هذه الملاحظة (أي الربط بين الرقم والكلمة) بالاستفادة من الشِّفرة المعاصرة في اكتشاف العلاقة بين لفظ ولفظ قرآنى ، مما سؤدي إلى وجود (تحليل) قرآني جديد في طريقته وأبعاده وآفاقه ، فمثلا سورة الإخلاص : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ {4} ، فالتمعن في كل مفردة فيها تجعلنا لا نغادر الرقم (واحد) ؛ أي أن كل مفرداتها تقول : واحد واحد واحد ، لذا ، فليس هناك نسبي ومطلق ، أو ما يسمى بالظاهر والباطن في هذه السورة . فهي سورة لها (ظاهر) في اللفظ والمعنى والمدلول والعموم ، لذا ؛ فالروح الرياضية في القرآن تساعدنا على معرفة أي الآيات ذات نسبة أو إطلاق (عام وخاص) وهذا يفيدنا في قياس الأحكام بمعناها التقديري ؛ أي أين يكون الأمر قاطعا ؟ وأين يكون الاجتهاد ممكنا ؟ أين يكون الجبر ؟ وأين يكون الاختيار ؟ ومن هنا فالرقم (الفردي) والرقم (الزوجي) له دلالته ، فالفرديّ أكثر نسبية (وظاهرا) وهو الأشهر في الآيات والسور المكية ، والزوجيّ أكثر إطلاقا ، والأشهر في الآيات والسور المدنية (نرى أن الرقم (صفر) : يُعدُّ في آن واحد من الأرقام الفردية والزوجية معا) ....

 

* انظر : جمال البدري ، النبي إبراهيم والشرعية السياسية ، المكتب العربي ، القاهرة ، ط 1999م..

** وهو ما يتفق مع معنى الوحي في اللغة باعتباره : الإعلام الخفي السريع . انظر : محمد المهدي ، القرآن الكريم ، تاريخه وعلومه ، ط 19484 ، دار القلم ، دبي ، ص 50 .

المصدر :     كتاب (هندسة القرآن - دراسة فكرية جديدة في تحليل النص)       لمؤلفه الدكتور / جمال البدري

الناشر : الأوائل للنشر والتوزيع alawael@scs-net.org  وموقعهم  http://www.daralawael.com

 

Nedstat Basic - Free web site statistics