هندسة القرآن

دراسة فكرية جديدة في تحليل النص

العلاقة بين الدائرة والرقم

     إنّ (الـدِّقَّـة) بوَجهيْها الدائري والرياضي ... تعكس حقيقة منطقية علمية واحدة ، هي (التكامل الهندسي) والذي أطلقنا عليه بالنسبة للقرآن (الهندسة المقدسة) ، وهذه الحقيقة ناتجة مما يلي :
  1. توافر القدرة على الربط بين (الزمان والمكان) والحَدث ، ربطا رياضيا ؛ أي إمكانية تحويل الكلمة إلى رقم حيوي يعبّر عن تحليل ضمن دائرة القرآن ، وتحويل الرقم إلى فكرة تُجسّد الانسجام بين الكلمات والأرقام ، لإحداث حركة في تحليل الدائرة ، وسنرى مثالا من ذلك في بعض السور القصار التي سنحللها بموجب هذا القياس والمنهج .
  2. إنّ التحليل القرآني يعني الانطلاق من أُسس مُتّفق عليها بين جميع المِلل والنِّحل ، فالرياضيات لغة الجميع .
  3. إن هذا التحليل (الدائري الرقمي) تكون نسبة الخطأ فيه ، أو على الأكثر محدودة جدا ... لانتفاء المزاجية والغرضية الفكرية أو الفئوية أو السياسية أو غيرها ... فالقرآن والرياضيات الظاهرتان اللتان لا تخضعان للمزاج من قريب أو بعيد ...
  4. إن هذا يوفر لكل مستوى عقلي ، حتى الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ، مفهومه وغايته التي يراها أمامه ، لأن الدائرة من أين نظرتَ إليها وجدتها أمامك بنفس الشكل والرسم والأبعاد .
  5. هناك ملاحظة أخرى وهي وجود ذكر للأرقام مباشرة في القرآن ، مثل قوله : (وأرسلنه إلى مائة ألف أو يزيدون) ، أو الأرقام الواردة بشأن حصص الإرث وغيرها كثير ، وتقديرنا أن هذه تسمى بالأرقام الارتكازية ، انظر توزيعها ونسبتها في الآيات والسور هي مثل نسبة الجبال في الأرض ، ومن هنا فهي بمثابة ركائز ؛ أيْ (جبال القرآن) إذا جاز لنا القول فيها قياسا على الأصل في الوجود .
  6. الملاحظة الأخرى هي الإشارات المستعملة في الجبر والحساب ، وأعني بها (الجمع +) و(الطرح -) و(القسمة ÷) و(الضرب ×) ، وفي تقديرنا أن الجمع يرادف الحج والجهاد ، فالحج هو اجتماع من كل فج عميق في مكة وما حولها ، والجهاد هو الفوز والحصول على الغنيمة والزيادة ... والضرب يرادف الصلاة والصيام لما في الصلاة والصيام من مضاعفة الأجر ورضا الرب على المؤمن المتعبد في صلاته وصيامه ، ويكون الأجر أضعافا مضاعفة ... والقسمة ترادف الزكاة والصدقة لما فيها من تزكية لرأس المال وقسمته إلى جهاته الواجبة العطاء ، والطرح يرادف الإسلام والإيمان لما فيه من ترك وطرح للشرك والنفاق ، فالنطق بالشهادتين عهد على الإيمان والإسلام ، وطرح لما دون ذلك .

     هذا التفاعل بين الدائرة والرقم وما يرتبط بهما عن عالم الجبر والهندسة ، هو الذي يوجد الدقّة ، ويجعل الخلود صفة ملازمة للمنطق القرآني .

     ومن الضروري التاكيد بأن تناولنا لمفهوم (الرقم الرياضي) لا نقصد به ما قصد به غيرنا ، من استخدام الحاسب الإلكتروني وغيره من الوسائل لتحقيق أغراض ودعوات أو رغبات خاصة ، يُراد منها أو لا يراد (بحسن نيّة أو سوء نيّة) الإساءة إلى كتاب الله ، وهو أكبر من كل المسيئين السيئين ، أو يستهدف ترويج الإسرائيليات التي اعتمدها اليهود وتوارثوها ، وخاصة في وضع قِيَم معينة للحروب أو إبراز رقم على حساب أرقام أخرى * ، وهي طريقة أقرب إلى السحر والتنجيم الذي أتقنوه ، منها إلى العلم الصحيح المؤدي إلى الإيمان الصريح ... وبالذات ما جاء بشأن الحروف المقطعة في أوائل بعض السور القرآنية ، والتي أثار حولها البعض طروحات متطرفة أو مغرضة أو غير واقعية ، ولا تتناسب مع مهمة القرآن في الأرض ... وقد قام البعض من المعارضين لهذه الطروحات بالرد على طريقتهم الخاصة أيضا ** ، رغم أن الرد لا يغير من حقيقة وجود الرقم الرياضي في أصل الآية القرآنية ... وعليه لا يستوجب التشنج إزاء الطروحات المتطرفة بهذا الشأن ، فالقرآن - كما وصفه الأقدمون - بحر لا قرار له ، يأخذ منه كل غطاس ما يبحث عنه (حسب مستوى وإمكانية الغطس) فمنهم من يأخذ الماء المالح ، ومنهم من يأخذ السمك الطازج ، ومنهم من يأخذ الأصداف والمحار ، ومنهم من يأخذ اللؤلؤ والمرجان ، ومنهم من يأخذ سويعات من وقته يتأمل فيها جمال البحر ، ومنهم من يسبح ويغرق تحت الأمواج المتلاطمة ... والكل بقولون نحن والبحر ، والبحر ولا يضيره شيء ***

 

* إن الأبجدية العبرية تضع لكل حرف قيمة رقمية ، ابتداء من الرقم (صفر) وحتى الرقم (400) على أساس الآحاد ، العشرات ، المئات ، بما يتناسب مع عدد حروف العبرية البالغة 22 حرفا .

** انظر : الدكتور محمد أبو فراخ : الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية ، دراسة نقدية للتأويلات العددية والتفسيرات الإشارية ، الناشر : دار المنهل ، جدة ، 1983 ، كذلك انظر : سيّد قطب : المستقبل لهذا الدين (ط6) 1983 ، دار الشروق ، بيروت - لبنان .

*** وعل ذكر البحر ... من جهة أخرى رأينا أن مجموع قصة النبي موسى (عليه السلام) تشكل نحو ثلاثة أرباع قصص جميع الأنبياء في القرآن ... والملاحظ أن شخصية النبي موسى مرتبطة أشد الارتباط بالبحر ... سواء يو ألقي في اليمّ أو عندما رافق العبد الصالح ... أو عند عبور البحر ببني إسرائيل هربا من الفرعون وجنوده ... وإذا علمنا أن نسبة البحر إلى اليابسة في الكرة الأرضية تبلغ نحو ثلاثة أرباع إلى الربع أيضا ... للمسنا العلاقة اللدنيّة في تصميم القرآن وعلاقته بشؤون الحياة ومفرداتها التاريخية والجغرافية والاجتماعية والعلمية ... إنه من لدن حكيم عليم .

المصدر :     كتاب (هندسة القرآن - دراسة فكرية جديدة في تحليل النص)       لمؤلفه الدكتور / جمال البدري

الناشر : الأوائل للنشر والتوزيع alawael@scs-net.org  وموقعهم  http://www.daralawael.com

 

Nedstat Basic - Free web site statistics