ترتيب القران بين جهل الأبناء وعجز العلماء

 عبد الله إبراهيم جلغوم

هل تم ترتيب القران الكريم بالوحي أم باجتهاد من الصحابة ؟

هذا هو السؤال الذي أدخل قضية الترتيب القرآني في دوامة من الاختلافات لم تستطع الخروج منها حتى الآن بل لقد طغى البحث في تلك الاختلافات على البحث في ترتيب القرآن , بسبب ما حمله التساؤل من توهم البعض بان ترتيب القران أو بعضه كان من عمل الصحابة واجتهادهم الشخصي .    وقد أدى ذلك في النهاية إلى ابتعاد إجباري عن البحث في ظاهرة الترتيب القرآني واستبعادها من وجوه إعجاز القران والذي ما زال قائما حتى هذه اللحظة - وسبب ذلك أن القول : إن ترتيب القران كان من اجتهاد الصحابة ( من عمل البشر ) أضفى عليه صفة بشرية وبالتالي نفى عنه صفة الإعجاز وحوله إلى مسالة خلافية ( موضع اختلاف بين العلماء ) .

 

لقد حرص القدماء على تدوين كل ما وصل إليهم من أقوال في مسالة ترتيب القرآن وما يتعلق بها من عدد سور القران وعدد آياته وعدد آيات السورة الواحدة منه وغير ذلك من المسائل , دون أن يشغلوا أنفسهم بتدقيق هذه الأقوال تاركين ذلك للأجيال المتعاقبة والظروف المناسبة , وكان من الطبيعي في هذه المرحلة بدايات التدوين -أن نشهد تضاربا في الآراء يصل أحيانا إلى حد التناقض . ( هذا التضارب في الآراء والأقوال دليل على أن القرآن محفوظ , ذلك أن الأعداد التي وصلنا القرآن عليها هي الأعداد التي نملك الأدلة الرياضية على صحتها , فما معنى أن تصلنا هذه الأعداد دون سواها إلا أن تكون دليلا على حفظ الله سبحانه لكتابه الكريم ؟ )

 

وورث المتأخرون هذه الاختلافات وزينوا بها مؤلفاتهم والتي يغني الواحد منها عن العشرات , وبدل مراجعتها وبيان الصحيح منها ازدادوا تمسكا بها وحولوها إلى أغلال كبلوا بها العقل المسلم وحكموا عليه أن يتخلى عن عصره وزمنه ويعيش في زمن السيوطي في القرن التاسع الهجري , وان يتوقف عند تلك الحدود التي وصل إليها القدماء دون أن يتجاوزها , والنتيجة : استمرت حقيقة ترتيب القرآن غائبة عن القيام بدورها في خدمة القران وأهله , لتصبح فيما بعد مسالة ثانوية لا أهمية لها لدى الكثيرين , فالقران هو القران كتاب الله المحفوظ سواء أكان ترتيبه من عند الله أو من الصحابة وسواء أكان عدد آياته كذا أم كذا وسواء أكان رسمه كذا أم كذا .

 

اضطر المتأخرون إلى اتخاذ هذا الموقف بسبب ما أثارته هذه المسالة من شكوك لدى خصوم القران والذين وجدوا في هذه الاختلافات منافذ يعبرون منها للطعن في جمع القرآن وحفظه وانتهاء بالزعم أنه من تأليف النبي صلى الله عليه وسلم , يظنون بذلك أنهم يغلقون هذه المنافذ في وجوه المرتابين والمشككين , والنتيجة : مزيد من الثغرات اعترف بها العلماء المسلمون أم لم يعترفوا .

 

هل نستطيع أن ننكر أن في كتبنا من تضارب الآراء والأقوال في المسالة الواحدة ما يجعل القبول بها أمرا غير معقول ولا منطقي ؟  خذ أي كتاب ديني يتناول علوم القرآن وابحث عما كتب فيه عن ترتيب سور القران تجد التالي : اختلف علماء المسلمين ( من هم ) في ترتيب سور القران على ثلاثة أقوال .. قيل وقيل وقيل ..

السؤال : أي هذه الأقوال هو الصحيح ؟

كيف يمكن أن ننقل رأيا إلى غيرنا ونقنعه به ونحن ما زلنا غير متفقين عليه ولا مقتنعين به ؟

خذ مثلا : عدد آيات القرآن 6200  آية وكسر واختلف العلماء في ذلك الكسر , قيل وقيل وقيل ....

أريد أن انقل هذا الكلام إلى غير المسلم أو غير العربي , ماذا أقول له  ؟ وإذا سألني : ما العدد الصحيح ؟

ماذا أقول له ؟ كلها صحيحة  ؟ كيف سيفهم قولي ؟

 

قد يهون البعض من أمر هذه الاختلافات ويجد في إيجاد المبررات لها وهو لا يعلم انه يساهم في فتح ثغرات جديدة  وهذا ما يمكن الرد عليه بسهولة.

 

أين الحقيقة ؟ الحقيقة يا سادتي العلماء  أن ترتيب القران الكريم معجزة هذا العصر رضي من رضي وغضب من غضب .ترتيب سور القران لا يقبل اختلافا ولا تعددا في الآراء وكذلك عدد آيات القرآن لا يقبل اختلافا ولا تعددا في الآراء , وقد آن الأوان لإعادة النظر في الموقف من ترتيب القران الكريم وهذا مطلب ضروري تستدعيه ظروف العصر وتحدياته الحاضرة .

إن بالامكان نقل ترتيب القران إلى الآخرين كل بلغته دون أن يفقد ترتيب القرآن دلالاته وهذا ما لا نستطيع تحقيقه من خلال ترجمة لغة القرآن .وستكون أولى فوائد هذا العمل سقوط كل الشبهات والافتراءات التي أثيرت حول القران قديما أو حديثا . إن في ترتيب القران ما يكفي من الأدلة على إثبات انه من عند الله واستحالة نسبة هذا الترتيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة رضي الله عنهم , فما بالكم بالتأليف ؟ تلك الشبهة التي يتمسك بها الملحدون والمشككون بالقران .  إن من يعجز عن الترتيب أكثر عجزا عن التأليف .

أؤكد للجميع أن ترتيب القران معجز بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى , وتعلمون  أن من القدماء من ذهب إلى هذا الرأي ولكن لم يستطع أن يقدم من الأدلة ما يحسم المسالة لصالحه .

 

ادعوكم إلى قراءة كتابي : أسرار ترتيب القران الكريم قراءة معاصرة , فقد أوردت فيه من الأدلة ما يكفي لإثبات ما اذهب إليه , وانتظروا الجزء الثاني قريبا والذي سيكشف عن المزيد من الأدلة على إعجاز القران في ترتيب سوره وآياته  , أدلة صالحة للترجمة دون أن تفقد دلالاتها , بانتظار إحدى المؤسسات الإسلامية الغيورة على كتاب الله  كي تتبناها وتعمل على نشرها ونقلها إلى الآخرين .

 

وتذكروا يا سادتي أن جبريل عليه السلام كان يعين للرسول صلى الله عليه وسلم موضع كل آية  وكل سورة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل تلك التوجيهات إلى كتبة الوحي فيكتبونها على النحو الذي يبينه لهم رسول الله صلى اله عليه وسلم .

لماذا كان جبريل يعين للرسول موضع الآية والسورة ؟ إذا لم يكن هناك من هدف , فما ضرورة تلك الأوامر والتوجيهات ؟ لقد كان الهدف من ذلك الوصول بترتيب القران إلى النحو الذي أراده الله لكتابه  , وهو الترتيب الذي عليه المصحف الذي بين أيدينا , وليكون هذا الترتيب هو وجه إعجاز القرآن الملائم لعصرنا هذا حيث تصبح لغة الأرقام هي لغة العالم المشتركة  , والعالم اليوم يتكلم لغة واحدة هي لغة الأرقام  وقد ادخر القران في ترتيبه ما يخاطب الجميع به كل بلغته التي يفهمها وحتى لا يظل لأحد حجة الجهل بالعربية  لغة القران .

 

                                                                                        عبد الله إبراهيم جلغوم

Date: Sun, 20 Mar 2005 13:26:08 -0800 (PST)
From: Send an Instant Message "abdullah jalghoum" <abd_jalghoum@yahoo.com>  Add to Address BookAdd to Address Book
Subject: ترتيب القرآن بين جهل الابناء وعجز العلماء
To: alargam777@yahoo.com

 

 

االمصدر : الأستاذ عبد الله إبراهيم جلغوم - الأردن -  مقال مرسل من المصدر .

البريد الإكتروني للمؤلف : abdullahjalghoum@hotmail.com