مقابلة صحفية مع الباحث الأردني

 عبدالله إبراهيم جلغوم

الإعجاز العددي في القرآن الكريم ومعجزة الترتيب القرآني

  محمود أبو فروة الرجبي

مقدمة :

    يؤكد الباحث في إعجاز القرآن الأستاذ عبدالله جلغوم أن ترتيب سور القرآن وآياته هو معجزة القرآن التي ادخرها لهذا العصر , وأنه ترتيب يستند إلى قوانين وأنظمة رياضية تؤكد حفظ القرآن وعدم تعرضه لزيادة أو نقصان أو تحريف , في حين أن للعلماء في هذه المسألة عدة أقوال يوافق أحدها ما ذهب إليه الباحث . ويرى الأستاذ جلغوم أن ترتيب القرآن هو الرد القاطع على المفترين والمشككين بالقرآن , تسقط معه كل الشبهات التي أثيرت حول جمع القرآن وترتيبه قديما وحديثا ,كما أن فيه حسما لتضارب الأقوال في هذه المسألة . ويقول جلغوم إن المتدبر في ترتيب القرآن بعيدا عن التعصب والمكابرة وأهواء النفس -  بغض النظر عن لغته ومعتقده يمكنه أن يكتشف بنفسه أن ترتيب القرآن دليل قاطع على أن القرآن هو كتاب الله المحفوظ وليس كتابا من تأليف محمد كما يزعم الملحدون والمشككون بالقرآن , ولن يحتاج في ذلك إلا إلى فهرس لسور القرآن  , دون أي استخدام للنص القرآني , وهنا يأتي دور المؤسسة الدينية والتي يطالبها الباحث بتبني هذا العمل وتوظيفه في خدمة القرآن وأهله ..

ومن الجدير بالذكر أن للباحث جلغوم ثلاثة كتب مطبوعة تدور كلها حول معجزة القرآن في ترتيبه وقد صدر الأول منها عام 1994  , وقد قامت عشرات المواقع الإسلامية بنشر أجزاء منه , كما قام مركز نون للدراسات الإسلامية بتدقيق أبحاث جلغوم وأعلن أنها صحيحة تماما واعتمدها في دراساته  .. وللباحث أيضا مجموعة رائعة من الأبحاث منشورة على مواقع الإنترنت منها معجم إحصائي مفصل لكلمات القرآن وآياته اعتمد من قبل الكثيرين ..

ورغم ذلك , فمن المستغرب أن الباحث جلغوم لم ينل من الاهتمام في بلده ما يليق بما قدمه من أبحاث رائعة غير مسبوقة ...

هذه بعض الأسباب التي جعلتنا نحمل معنا بعض الأسئلة ونتوجه بها إلى الأستاذ جلغوم في محاولة منا لتقديم هذا الباحث للآخرين .. وكان لنا معه هذا اللقاء  :

 

السؤال الأول :

من الملاحظ انك قطعت شوطا بعيدا في أبحاثك عن ترتيب سور القرآن وآياته , عن البداية , كيف بدأت البحث , وكيف توصلت إلى هذه النتائج المبهرة فعلا ؟

إجابة : المصادفة كانت بداية رحلة طويلة مع البحث تزيد على عشر سنوات . قرأت في أحد الكتب الدينية أن عدد آيات سورة البقرة 286 آية وقيل 287 آية ,وقيل 285 آية ,كان ذلك مفاجأة لي , كنت أعتقد أنه لا وجود لأدنى اختلاف في عدد آيات سور القرآن , وأن القرآن قد رتب بناء على توجيهات كان ينقلها جبريل عليه السلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول بدوره ينقلها إلى كتبة الوحي .. كان يعين لهم موقع السورة والآية وهم بدورهم يكتبونها على النحو الذي بينها لهم .. لقد كانت تلك الملاحظة البسيطة السبب في كل ما اكتشفته فيما بعد, حيث ولدت لدي التساؤل عن سبب ذلك الاختلاف . ذهبت إلى إحدى المكتبات واشتريت كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي , المفاجأة الأكبر كانت ما يذكره السيوطي عن اختلاف القدماء في كثير من المسائل المتعلقة بترتيب القرآن , اختلاف في ترتيب سور القرآن , اختلاف في عدد آيات القرآن , اختلاف في عدد آيات أربع وسبعين سورة من سور القرآن , اختلاف في رسم القرآن .. ومسائل أخرى .

المشكلة أكبر مما حسبت ..لقد أصبح لدي عدد من الأسئلة وليس سؤالا واحدا , ما الصحيح من بين هذه الأقوال ؟ كيف يمكنني أن أجيب على تساؤل غير المسلم  مثلا عن عدد آيات القرآن ؟ هل أقول له لقد اختلف العلماء في عدد آيات القرآن , قيل كذا وقيل كذا  . وإذا سأل عن ترتيب سور القرآن , هل سأقول له : لقد اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن على ثلاثة أقوال قيل وقيل وقيل .. هل سأجيب على كل سؤال ب : قيل وقيل ؟

قلت في نفسي : لا بد أن أجد حلا فيما كتبه العلماء المتأخر ون , وبدأت البحث في المكتبات عن كتب تتناول هذه المسائل .. فماذا وجدت ؟إن أكثر الذين تناولوا هذه المسائل بالبحث من المعاصرين لم يخرجوا في أبحاثهم عما خلفه لنا القدماء , بعبارة أخرى لم يخرجوا عما كتبه السيوطي المتوفى سنة 911 هـ , والملاحظة الأخرى إن قليلها يغني عن كثيرها , وهي في أغلبها تكرار للقديم وإعادة إخراجها على نحو يوهم بالمعاصرة . لم أجد في أي منها إجابة لما أثارته مسألة ترتيب القرآن من تساؤلات .. ذهبت إلى الجامعة الأردنية وطرحت القضية على بعض المختصين , علمت منهم أنه لا يترتب على تلك الاختلافات زيادة أو نقصان في كتاب الله , فسواء أكان عدد الآيات كذا أو كذا فالقرآن كتاب الله الكريم المحفوظ . ومسألة الاختلاف في ترتيب سور القرآن ليست بهذه الأهمية , وأن القرآن كتاب هداية وإرشاد ..... أسئلة أخرى جديدة تولدت لدي لم أجد لها جوابا .. أريد رأيا أطمئن إليه وأقتنع به , ما الحل ؟

سؤال :وهل وجدت الحل ؟

جواب : بعد اطلاعي على عدة كتب تناول أصحابها مسألة ترتيب القرآن , أثارت لدي أسئلة مهمة : ما الحكمة من ترتيب القرآن على نحو مغاير لترتيب النزول ؟ ما الحكمة من ترتيب هذه السورة هنا وهذه هناك ؟ ما الحكمة أن يكون في القرآن سورة كسورة البقرة عدد آياتها 286 آية وهناك سور تتألف الواحدة من ثلاث آيات ؟ ما تعريف السورة الطويلة والسورة القصيرة ؟ هل سورة الأنفال وسورة التوبة سورتان أم سورة واحدة ؟ ما عدد آيات القرآن ؟ ما الذي كان يهدف إليه جبريل من تعيينه لمواقع الآيات والسور  للرسول صلى الله عليه وسلم ؟ كيف يتفق هذا مع تضارب الأقوال في المسألة الواحدة ,  ما عدد كلمات القرآن ؟ ما السر في تجميع السور القصيرة في آخر المصحف والطويلة في أوله ؟ ..وأسئلة أخرى  لم أجد لها جوابا شافيا في كل الكتب التي رجعت اليها . 

قلت في نفسي : القرآن كتاب الله المحفوظ , ولا بد أن يكون لهذا الكتاب ترتيب يليق بصاحبه ويدل عليه ,إن كل شي في هذا الكون يخضع إلى ترتيب محكم ابتداء من الذرة وانتهاء بالمجرة , أفلا يكون القرآن مرتبا ؟ إنه كتاب الله وكفى , لا بد أن يكون محكم الترتيب بل معجزا في ترتيبه , ولا بد أن يكون فيه من الأسرار ما فيه إجابة لكل تساؤلاتي , إذن الحل هو القرآن نفسه بعيدا عن اجتهادات المجتهدين وتضارب الأقوال . لقد قررت أن ابحث عن ترتيب القرآن في القرآن نفسه منطلقا من قناعة بأن القرآن محفوظ بتعهد من الله , ولا بد أن يكون فيه من الأسرار ما يؤكد هذا الحفظ ..

سؤال : ماذا فعلت ؟ وما المصحف الذي اعتمدت عليه ؟

جواب : اعتمدت المصحف بالرسم العثماني برواية حفص عن عاصم وهو المتداول بين أيدينا حاليا ( مصحف المدينة )   .. قررت أولا أن أعد كلمات القرآن  آية آية وسورة سورة , وبدأت فعلا  عملية إحصائية دامت خمس سنوات , وأتممت العمل وراجعته مرارا  حتى تأكدت من دقته .. وكنت كلما عثرت على ملاحظة أعتبرها مثيرة أسجلها .. مثلا : لاحظت أن سورة القلم هي السورة الوحيدة من بين السور المفتتحة بالحروف المقطعة مرتبة في النصف الثاني من القرآن بينما السور الباقية في النصف الأول , لماذا ؟ ما السر ؟ عدد آيات سورة البقرة  أطول سور القرآن 286 آية , لماذا تكون بهذا الطول ؟ ما السر ؟  لقد تم تجميع السور القصيرة في آخر المصحف , ما السر ؟ .. وغير ذلك . كنت أحيانا أتوقف عن العد وأتتبع الملاحظة التي استوقفتني , أحيانا كنت اكتشف شيئا مهما وأحيانا لا أنتهي إلى شيء  , فاترك الملاحظة فترة ثم أعود إليها ثانية .. وبقيت على تلك الحال زمنا حتى تجمع لدي الكثير من الملاحظات مما يمكن أن يضم في كتاب أو أكثر ..

سؤال : هل أفهم أنك وجدت إجابات لأسئلتك السابقة ؟

جواب : نعم , لقد وجدت الكثير, بل اكثر مما كنت أبحث عنه . صار في وسعي الإجابة على كل التساؤلات التي كانت تؤرقني . لقد أحسست أنني عثرت على كنز لا يقدر بثمن , علم جديد نافع  فيه خدمة جليلة لكتاب الله الكريم وأهله . وبدأت أفكر بطباعة كتاب أتناول فيه اكتشافاتي في ترتيب القرآن وقد بت على يقين تام أن ترتيب القرآن هو معجزة القرآن التي ادخرها لهذا العصر , وأن تلك الأقوال المتضاربة في مسألة الترتيب ليست اكثر من اجتهادات . وفعلا أصدرت كتابي الأول : أسرار ترتيب القرآن قراءة معاصرة عام 1994 م .. وكنت أظن أن العالم الإسلامي سيطير فرحا بهذا الإنجاز , هكذا تخيلت الأمر .. ولكنني فوجئت برفض البعض للكتاب , وقد سبب لي ذلك حزنا عميقا .. وانقطاعا عن البحث فترة من الزمن .

سؤال : لماذا رفض البعض كتابا يؤكد حفظ القرآن , ويكشف عن وجه إعجازي جديد يضاف إلى ما هو معروف من اوجه الإعجاز ؟ 

جواب : هناك فئة من الناس جاهزة دائما لمحاربة كل جديد لا لسبب اللهم لأنه جاء عن غير طريقها , أو أنه خالف راسخا لديها , هذه الفئة تظن أنها بموقفها هذا تؤدي خدمة للقرآن وأهله , بينما هي في حقيقة الأمر تحارب القرآن . هناك فئة لا تريد أن تتعرف على أي جديد بغض النظر عن صحته ومضمونه وتزعم أن لديها من علوم القرآن ما يكفي ويزيد . وهناك فئة أظنها تعجز عن فهم موضوع لغته الرياضيات , وفي هذه الحال يمكنها أن تختبئ وراء الرفض لإخفاء عجزها .. تصور أن أحدهم ويحمل شهادة الدكتوراة رفض الكتاب بحجة أن بعض الناس يقدسون الأرقام !! هناك من يقدس البقر , لماذا إذن لا نحرم أكل لحومها ؟ . وهناك فئة ترى أن هذه المسائل هي مما لم يعرفه السلف الصالح , هذا يعني أن علينا أن نعود لنعيش في القرن التاسع الهجري , وأن نظل نجتر ما ورثناه عن القدماء حتى تقوم الساعة .. إن أحدا من كل هؤلاء لا يملك حجة واحدة أو دليلا منطقيا يبرر به موقفه , وهذه من اكبر المصائب في أمتنا .

سؤال : قلت انك وجدت إجابة لكل ما كان يشغلك من تساؤلات , في رأيك ما الحكمة من ترتيب القرآن على نحو مغاير لترتيب النزول ؟

جواب : من المعلوم أن القرآن قد نزل في 23 سنة حسب الوقائع والأحداث وحاجات الناس , وكان جبريل عليه السلام يعين للرسول كلما نزل عليه بشيء من القرآن موضع السورة والآية .. ما الهدف من ذلك ؟ بكل بساطة هناك ترتيب محدد يهدف جبريل إلى تحقيقه , ومن الطبيعي أن لا يظهر هذا الترتيب إلا بعد اكتمال نزول القرآن , ذلك انه كان في تغير مستمر تبعا لنزول آيات القرآن واتخاذها مواقع جديدة في ترتيب القرآن . ونفهم هنا أن ترتيب سور القرآن وآياته قد اخذ شكله النهائي بوفاة الرسول واكتمال نزول القرآن , وهو ترتيب مغاير تماما لترتيب النزول .. يمكننا هنا أن نفهم الحكمة من ذلك , ليكون هذا الترتيب حين اكتشافه دليلا ماديا ملموسا على مصدر القرآن وإعجازه .. ونفهم أيضا أن ترتيب القرآن لم يكن موجها للناس الذين عاصروا الرسول , كان لديهم من بلاغة القرآن وبيانه ما يدلهم على مصدره , كما أن علوم الرياضيات لم تكن من علوم زمانهم . إعجاز الترتيب القرآني موجه إلى الأجيال القادمة . حينما تتطور المعارف والعلوم وأدوات العصر , يظهر الله سبحانه ترتيب القرآن على أيدي فئة من عباده ليكون حجة على الناس في الوقت المناسب , وأعتقد أن زماننا هذا هو زمن معجزة ترتيب القرآن , ذلك أن العالم اليوم يتكلم لغة واحدة هي لغة الأرقام , اللغة المشتركة بين الناس جميعا , هنا يأتي ترتيب القرآن ليخاطب الجميع كل بلغته التي يفهمها .

ولتكون هذه المعجزة الرد القرآني المناسب على كل ما أثير حول القرآن من شبهات وافتراءات . ومما لا شك فيه أن جيل اليوم سيجد في معجزة ترتيب القرآن ما يعوضه عن خسارته في فهم أسرار البلاغة والنحو واللغة ..

سؤال : إذا كان الأمر كما تقول , فلماذا لا يدرس علماء المسلمين ما توصلت إليه من اكتشافات في ترتيب القرآن ويوظفونها في خدمة القرآن وأهله ؟

جواب : من المحزن أنني حينما تقدمت بكتابي الأول أسرار ترتيب القرآن لإجازته من قبل المطبوعات , تم تحويل الكتاب من قبل وزارة الأوقاف إلى دكتور من أهل الاختصاص في جامعة العلوم التطبيقية للنظر في الكتاب , فنصح بعدم نشره واعتبره غير صالح للتداول .. اضطررت لمواجهة الرجل وأمام ملأ من الحاضرين وبعد حوار اعترف الدكتور أن تخصصه في الحديث .. لا أود ذكر التفاصيل , وكتبت حينئذ مقالة طويلة نشرتها في جريدة اللواء كان عنوانها : من المسؤول عن القرآن في وزارة الأوقاف ..أنا بفضل الله مكتشف معجزة ترتيب القرآن ولم يسبقني إلى ذلك أحد , وحتى هذه اللحظة رضي من رضي وغضب من غضب -, ومن يزعم غير ذلك فليتفضل , حتى الآن مازال البعض رافضا أن يكون ترتيب القرآن معجزة !!. إذا كان البشر يرتبون كتبهم , ألا يرتب الله كتابه ؟ وشتان ما بين الترتيبين , البشري والإلهي .

وعلى أية حال ,  لقد أصدرت حتى الآن ثلاثة كتب حول موضوع معجزة ترتيب القرآن , ونشرت كتابين آخرين في موقع الأرقام على الإنترنت   http://www.alargam.com

 , وأكثر من عشرين بحثا , وقد قامت عشرات المواقع الإسلامية بنشر أجزاء من هذه الكتب , وبالتأكيد أن كثيرا من علماء المسلمين الأفاضل قد اطلعوا على تلك الأبحاث .. لماذا لا نسمع أصواتهم ؟ لست أدري .. قلت أكثر من مرة : أيها العلماء ويا أيتها المؤسسات الإسلامية , ها أنا أضع بين أيديكم جملة من الأبحاث المميزة وغير المسبوقة , ستجدون فيها الإجابة على كثير من الأسئلة التي أثارتها مسألة الترتيب القرآني , اطلعوا عليها , تأكدوا من صحتها , فإذا تبين لكم أنها صحيحة " وهي صحيحة "  فلماذا لا يقوم أحد  بتبني هذه الأبحاث وتوظيفها في خدمة القرآن وأهله . للعلم هذا العمل تم بمجهود فردي بينما هو يحتاج إلى فريق والى مؤسسة تتبناه , لماذا لا تتبنى إحدى الجامعات هذه الأبحاث ؟ هل هناك تخوف من عدم صحتها ؟ من السهل التأكد من ذلك , كما انه من السهل مناقشتي والاستماع إلى أقوالي .. أؤكد لك أن كل ما كتبته صحيح  , ولو كان فيه أدنى خطأ , لما توصلت إلى قوانين وأنظمة ترتيب القرآن ,  هذه الأنظمة المتعددة تختل لو قمنا بأي تدخل في آيات القرآن ..

 إن كل ما قمت به هو جهد فردي ويترتب عليه تكاليف ونفقات لا طاقة لي بها , لقد وزعت كتبي في الغالب مجانا لأيسر للناس الاطلاع عليها ولا يمكنني الاستمرار في ذلك .على أي حال , ليتك تحمل هذا السؤال وتوجهه إلى علمائنا الأفاضل , ومؤسساتنا الموقرة ..

سؤال : هل ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى ترتيبه ؟

جواب : نعم , قال سبحانه وتعالى في سورة الفرقان الآية 32 ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة  كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) . فالترتيل في هذه الآية يعني الترتيب وليس تجويد التلاوة وتحسينها كما هو في المفهوم السائد . هذه الآية الكريمة كانت الرد القرآني على السؤال الذي أثاره المشركون زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب نزول القرآن مفرقا وليس جملة , بأن علة تنجيم القرآن ( نزوله مفرقا ) هي التثبيت ( لنثبت به فؤادك ) , وتكاد الآية تفصح عن شيء آخر لا يعلمه هؤلاء هو : الترتيل " ورتلناه ترتيلا " : أي ترتيب القرآن وعلته التثبيت أيضا , ولكن بما أن ترتيل القرآن ( ترتيبه ) لن يظهر إلا بعد اكتمال نزول القرآن فالتثبيت هنا هو تثبيت مستقبلي يعنى بالعصور والأجيال القادمة , حينما يكتشف ترتيب القرآن سيجد فيه المؤمنون تثبيتا جديدا لهم بما يناسب المرحلة , وبالمنظور نفسه سيكون فيه الرد المناسب على المرتابين والمشككين ( الاعتراض المعاصر ) وبذلك سيكون الترتيب هو الرد القرآني المتجدد على ما يجد حول جمع القرآن وإعجازه من شبهات .لاحظ أن الآية تكشف عن ردين وتثبيتين , أحدهما يغطي زمن نزول القرآن والثاني زماننا هذا .

سؤال :في رأيك هل نستطيع الآن أن نقدم دليلا لغير الناطقين بالعربية أن ترتيب سور القرآن وآياته توقيفي ( من عند الله ) ؟

جواب : بالتأكيد .إن باستطاعتنا الآن أن نخاطب غير الناطقين بالعربية , كل بلغته , ونثبت له بل ونجعله يكتشف بنفسه أن ترتيب القرآن  ترتيب الهي ولا بد حينئذ أن يكون معجزا وليس باجتهاد من الصحابة مجردا من العناية الإلهية الفاعلة , أو غير ذلك . نفعل ذلك دون أن نلجا إلى الروايات والأقوال الموروثة , سنخاطبهم بلغة العصر, لغة الرياضيات , لغة الكمبيوتر والأرقام , وباستطاعتنا أن نثبت للجميع أن كل سورة في القرآن قد رتبت في موقع مخصوص لا تكون إلا فيه , وجاءت من عدد من الآيات لا تكون إلا منه . والمطلوب هنا كيف نفسر مجيء سور القرآن وفق ترتيب رياضي وأنظمة وقوانين رياضية مع ما نعلمه من نزول القرآن مفرقا وترتيبه على نحو مغاير لترتيب النزول .. التفسير الوحيد لدينا أن هذا الترتيب ترتيب الهي لا علاقة للبشر في تشكيله . يمكننا أن نتخيل أن ترتيب القرآن سابق لنزوله , وقد تم نقل هذا الترتيب من خلال التوجيهات التي كان يحملها جبريل عليه السلام . إن أكبر الشبهات التي يوجهها خصوم الإسلام للقرآن : الزعم بأنه من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم أعانه عليه بعض معاصريه . إن من المستحيل نسبة ترتيب القرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم , فما بالك بالتأليف والذي هو اكبر من الترتيب ؟ .

سؤال : يقول البعض إن ترتيب مواضيع معينة في كتاب وفق نظام عددي مثلا هو مما يمكن أن يكون في متناول البشر وبذلك يهدم القول بإعجاز ترتيب القرآن  , كيف ترد على هذه الشبهة ؟

جواب : أعتقد أن من يذهب إلى هذا القول لا يعرف شيئا عن حقيقة الترتيب القرآني , هذا من ناحية ومن ناحية أخرى عليه أن لا يتجاهل حقيقة أن القرآن قد نزل مفرقا حسب الوقائع والأحداث والحاجات , وأن جبريل كان يوجه الرسول إلى مواقع السور والآيات كلما نزل بها , ما الحكمة من ذلك ؟ هل كانت تلك التوجيهات دون قصد ولا هدف ؟ إذا كان الأمر كذلك فما الحاجة إليها إذن ؟  .. وقد قرأ جبريل القرآن على الرسول وسمعه منه وفق الترتيب المرسوم سلفا . لنفترض أن فئة من العلماء اليوم أرادت محاكاة ترتيب القرآن , وبنفس الطريقة التي تم بها : يحدث زلزال مدمر فيكتبون عنه ما يشاءون , تغزو أمريكا أفغانستان فيكتبون عن ذلك ما يشاءون ,يحدث إعصار مدمر في أمريكا فيكتبون عنه ما يشاءون , تصدر الأمم المتحدة لائحة جديدة بحقوق الإنسان فيكتبون عنها ما يشاءون , يحدث زلزال .. وهكذا كلما حدث حادث يكتبون عنه ... وبعد زمن يحددونه هم , نجمع كتاباتهم كلها .. هل يعتقد أحد أننا سنجد تلك الكتابات مرتبة وفق أنظمة رياضية محكمة ؟ يستحيل ذلك ..تخيل أنك كتبت كل يوم بضع كلمات , وبعد عدة أيام نظرت فيما تجمع لديك , هل تظن أن تلك الكلمات قد تجتمع فتشكل قصيدة رائعة موافقة لأحد بحور الشعر المعروفة ؟ هنا أرجو ممن يريد أن يحكم على ترتيب القرآن أن يتعرف إلى هذا الترتيب قبل أن يصدر حكما ما . ليقرأ كتبي  حول هذا الموضوع ومن ثم يمكنه أن يصدر ما يشاء .

سؤال : يقول البعض أننا لسنا في حاجة إلى  الإعجاز العددي , ولن يزيد في إيماننا شيئا , ما هو ردك ؟

جواب : جدتي رحمها الله كانت تؤمن بكل ما جاء في القرآن ولم تكن تعرف شيئا عن إعجازه , ولكن الكون اليوم فيه أناس غير جدتي ,إن من يقول ذلك إنما يعبر عن رأيه , ولكن من الواضح أنه نسي أننا لسنا وحدنا في هذا الكون , هناك غيرنا , ومن واجبنا أن نتسلح بكل ما يؤدي إلى خدمة القرآن والدفاع عنه . ماذا نقول لمن يزعم أن ترتيب القرآن فوضوي وانه لا يخضع لنظام عقلي أو منطقي ؟ هل نقول له إن ترتيب القرآن ليس مهما , إذا اكتشفنا في القرآن ما يكفي من الأدلة المادية على إحكام القرآن في ترتيبه فهل نتنكر له أو نرفضه لأي سبب كان ؟ إن هذا الاكتشاف يجعلنا قادرين على الدفاع عن القرآن ومواجهة الخصوم بالحجة والدليل دون تعصب أو مكابرة .

رد أحد العلماء على من يعتبر الاختلاف في ترتيب سور القرآن عند المسلمين شبهة بقوله : وسواء أكان ترتيب سور القرآن توقيفيا أم اجتهاديا , فإنه من الواجب احترامه .. هذا الرد لم يدفع الشبهة أولا , وثانيا المسألة ليست أن احترم أو لا احترم . أريد رأيا أطمئن إليه واقتنع به حتى أستطيع أن أنقله إلى غيري وأدافع عنه .. في وسعنا الآن الجزم أن ترتيب القرآن توقيفي بل ومعجزة القرآن التي ادخرها لعصرنا هذا , وإن من واجبنا كمسلمين أن نوضح هذا الوجه من الإعجاز لغيرنا ,فنحن الأقدر على تقديم هذا الوجه للآخرين لأن لغة القرآن هي العربية ,  ولعل ذلك يكون سببا في هداية البعض ,وقد يكون من بين هؤلاء من يقدر على تقديم هذا الوجه إلى غيره على نحو أفضل مما نستطيع , ومهما يكن فلا بد أن يترك أثرا حميدا في نفس من يطلع عليه بعيدا عن التعصب والهوى . وأحب هنا أن أنبه إلى مسألة هامة جدا : إن ما نحن فيه الآن من نعمة الايمان ليس سببه ما في القرآن من وجوه الإعجاز , ببساطة نحن ولدنا مسلمين ,وهذا فضل من الله , وسواء فهمنا بلاغة القرآن أم لم نفهمها فلن يحول ذلك بيننا وبين إيماننا , ومن هنا يأتي الشعور لدى البعض انه ليس في حاجة إلى وجه إعجاز جديد, والصحيح أن وجود ذلك الإعجاز ضروري ومهم ولا غنى عنه , إنه الدليل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم  , وهذا شرط في النبوة وإلا لكان بإمكان من شاء من الناس أن يدعي النبوة ما دام غير مطالب بمعجزة تدل على صدقه . ما أود قوله أن لوجه الإعجاز وظيفة أساسية حيث يشكل المدخل والبداية لقبول القرآن والتصديق برسالة محمد , حينما يتحقق هذا الشرط لا يعود المسلم ( بعد أن أسلم ) يطالب بإعجاز جديد , هذا يعني أن بعض الناس إذا اطلعوا على حقيقة ترتيب القرآن وهذا ممكن الآن بغض النظر عن اللغة والعقيدة قد يجدون  في هذا الترتيب دليلا ماديا واضحا مفهوما لديهم على صحة الرسالة ومن ثم قد يقبلون بها وحتى إذا لم يحدث ذلك فان مواقفهم من القرآن ستتغير . وما المانع أن يزيد هذا الوجه من الإعجاز في إيمان المؤمنين ويعمل على تثبيتهم  ؟ إننا في أمس الحاجة إلى هذا التثبيت في عصرنا هذا ,حيث يحارب الإسلام في كل مكان , ويواجه فيه القرآن حملة شرسة منظمة تهدف إلى النيل منه والتشكيك فيه , آخرها ما سمي بالفرقان الحق , إن ترتيب سورة الطارق أو القلم أو غيرها في القرآن يكفي لكشف زيف ما جاء في هذا الكتاب .

سؤال : فهمت من كلامك أن إعجاز القرآن في هذا العصر هو الإعجاز العددي , وأن الأجيال القادمة ستجد فيه ما يعوضها عن خسارتها في فهم اللغة , ألا ترى أنه قد يصرف الشباب عن الاهتمام بمعاني القرآن وأحكامه وتفسيره ؟ .

جواب : لا , لن يكون إعجاز القرآن العددي بديلا لما هو معروف من وجوه إعجاز القرآن الكريم بل سيكون إغناء لإعجاز القرآن بمعناه الشامل , مثله في ذلك مثل الإعجاز العلمي , لم يقل أحد أن الإعجاز العلمي وهو مما اكتشف حديثا مع التقدم العلمي بديل لما هو معروف من وجوه إعجاز القرآن , بل كان إغناء لها وقد لقي من الجميع الرضى والقبول .. ما يجب أن يفهم أن إعجاز القرآن لا حدود له , إنه المعجزة المتجددة في كل عصر وجيل , لكل عصر منه نصيب ولكل جيل منه نصيب , نحن اليوم نكتشف ما لم يكن القدماء يعرفون عنه شيئا , والأجيال القادمة ستكتشف ما لا علم لنا به . إن أي اكتشاف في إعجاز القرآن سيكون له أثره في زيادة اليقين لدى المؤمنين به , ومدهم بما يثبتهم ويقوي من عزائمهم , وهذا من رحمة الله بنا  , هناك عوامل كثيرة قد تدفع البعض للنأي عن الدين لما يرونه من غلبة العدو وتقدمه على النقيض مما نحن فيه من ضعف ويأس , هنا يأتي العون والمدد من اكتشاف إعجاز جديد في القرآن يناسب المرحلة الراهنة ويعيد الثقة إلى النفوس الحائرة .  ولذلك فالذي  أراه أنه ليس من حق أحد أن يتوقف في إعجاز القرآن عند زمن معين أو جيل من الناس  , لقد تحدى الله سبحانه الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن كما هو معلوم للجميع , كلمة " مثل " لا تعني الفصاحة والبلاغة لا غير كما يحب البعض أن يفهم , القرآن لم يحدد الوجه الذي يتحدى به , معنى ذلك أنه ترك الباب مفتوحا لكل اكتشاف جديد ولا يحق لأحد أن يغلق هذا الباب , ويظن أنه يقدم خدمة لكتاب الله , هذا العمل في حالة حدوثه هو حجر على العقل المسلم وتكبيله بالأغلال والقيود .

سؤال : لماذا رضي الجميع بما يسمى بالإعجاز العلمي , بينما الإعجاز العددي محاط بالشكوك والحذر وربما الرفض التام ؟

جواب : لعل من أسباب ذلك الدراسة التي قدمها رشاد خليفة حول العدد 19 , وقد هلل المسلمون في البداية فرحا بها ليكتشفوا فيما بعد أنها في أغلبها دراسة ملفقة متحيزة إلى فئة خارجة من الدين , وقد أوقعهم هذا التسرع في مأزق .. من الطبيعي بعد هذه الحادثة أن يتشدد العلماء في قبول كل ما له علاقة بالإعجاز العددي خشية أن لا يكون صحيحا , ولعل البعض رأى أن إغلاق هذا الباب هو أيسر السبل في مواجهة هذا الجديد . في حين أن الشيخ بسام جرار قام بعمل رائع , أعاد مراجعة دراسة رشاد خليفة واظهر ما فيها من الفساد , وخرج بنتائج جديدة رائعة تؤكد إعجاز القرآن  , المواجهة لا تكون بالرفض والتنكر والاتهام دون دليل ولا حجة , المطلوب ممن يرفض ظاهرة في الإعجاز العددي أن يذكر السبب وأن يأتي بالحجة والدليل , أما الرفض الذي لا يستند إلى حجة وبينة وطرح أصح فهو مرفوض  , وليس أكثر من عجز عن مواجهة المشكلة إذا كانت هناك مشكلة . أما عن الإعجاز العلمي ففي رأيي أنه يختلف تماما عن الإعجاز العددي وإن كان الاثنان يهدفان إلى إثبات وتأكيد أن القرآن هو كتاب الهي منزله الله سبحانه وتعالى وليس كتابا من تأليف محمد  أعانه عليه بعض معاصريه كما يزعم المفترون والمشككون بالقرآن . الإعجاز العلمي يأتي في الأغلب من خارج الإسلام , أعني أن الباحث في الإعجاز العلمي عادة ما يأخذ اكتشافا علميا وغالبا ما يكون مصدره من الغرب غير الإسلامي ويبحث في القرآن عما يناسب هذا الاكتشاف من النص القرآني - لاحظ أن مادة البحث هنا جاهزة وهي مما توصل إليه العلماء وليس الباحث -  وبعد نقل المعلومات ينتهي عادة إلى القول أن النص القرآني سابق للاكتشاف العلمي الحديث . مثلا : ذكر القرآن الذبابة والبعوضة والنملة, من السهل أن أجمع ما توصل إليه العلماء بشأن هذه الحشرات وأحوله إلى إعجاز علمي , وهذا ما يحدث فعلا ,هل يعني ذلك أن الإعجاز ليس موجودا في باقي الحشرات ؟ إنه موجود في كل ما خلق الله وبالتالي إن كل في الكون من مخلوقات فيه إعجاز  . ولهذا ففي رأيي أن البحث في الإعجاز العددي أصعب بكثير, ذلك أن الباحث لا يجد المراجع الجاهزة للبحث , مصدره الوحيد هو القرآن نفسه , أي من داخل الإسلام وليس من خارجه . ليس هناك باحث غربي ( غير مسلم ) يعنيه مثلا إعجاز القرآن في ترتيبه , هذا البحث يجب أن يقوم به شخص مسلم . يسألني البعض أحيانا : ما المراجع التي عدت إليها في أبحاثك ؟ كانوا يستغربون حينما أجيبهم ليست هناك مراجع , القرآن مرجعي الوحيد , ومن لديه شك في صحة النتائج التي انتهيت إليها فهذا هو القرآن بيني وبينه , إن بإمكان أي كان أن يتأكد من صحتها , ولن يكون بحاجة إلا إلى القرآن  , وحين يكتشف أنها صحيحة , فما حجته في رفضها أو التنكر لها أو التقليل من شأنها ؟ إلا أن يكون ذلك مكابرة وجهلا وسوء نية  وحسدا .هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن تضارب آراء القدماء في كثير من المسائل المتعلقة بالقرآن تجعل من الصعب الأخذ بقول الباحث المعاصر لدى البعض باعتبار انه مخالف للموروث أو يتعارض معه لاحظ هذه المشكلة لا يواجهها الباحث في الإعجاز العلمي باعتبار أن المادة العلمية مادة موثقة ونتيجة أبحاث علماء معروفين ..مثلا : هناك من قال قديما أن الأنفال وبراءة سورة واحدة , أنا أقول يستحيل ذلك , هناك من قال إن رسم القرآن اصطلاحي وأنا أقول وغيري من الباحثين - بل توقيفي , المشكلة هنا انك مهما وفرت من الأدلة التي تدعم رأيك ورغم موافقته لأحد الآراء القديمة تظل مسألة اختلاف القدماء  عصا يلوح بها البعض في وجهك .

وهناك سبب خفي لدى البعض لرفض الإعجاز العددي أو العلمي ذلك انه لم يأت عن طريقهم , وهذه الفئة عادة ما توصف باحتكار الدين والمعرفة , وأنها الوحيدة المخولة بالبت فيما له علاقة بالدين , ولعلها تجد في الباحثين اليوم وأكثرهم من غير الوسط الديني التقليدي - من ينافسها في هذا الحق الذي اكتسبته لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها . 

سؤال : هل تعتقد أن كل ما يكتب اليوم عن الإعجاز العددي صحيح ؟

جواب : لا . وهذا أمر طبيعي , فالباحث في الإعجاز العددي ليس لديه مراجع للبحث , كما انه ليست هناك ضوابط معروفة للباحثين . الجميع يهدف إلى خدمة القرآن والدفاع عنه وإظهار إعجازه وقد يقع البعض تحت تأثير ما أظن انه سحر الأرقام ,يكتب عن العلاقات المجردة بين الأرقام ويحسب ذلك من الإعجاز , والبعض ينطلق من فكرة مسبقة فإذا وجد ما يوافقها اعتبره صحيحا وقد لا يراجع عمله ثانية ليتبين فيما بعد انه خطأ غير مقصود , وهناك من يحمل النص القرآني ما لا يحتمل وهناك من يفسر الأرقام على هواه وحسب ميوله , وهناك من ينتصر لفئة ما ويجد في البحث عما يؤيد ذلك من خلال الأرقام ..وهناك من يلجأ إلى ما يسمى بحساب الجمل " بتشديد الميم " وهؤلاء يذهبون بعيدا في شطحات خيالية ويحسبونها على إعجاز القرآن .  السؤال الذي أود أنا طرحه هنا : لماذا لا تتولى مؤسسة إسلامية أو جامعة  الأبحاث التي تتناول ظاهرة الإعجاز العددي في القرآن  , حيث يتم تشكيل لجنة من العلماء والباحثين تقوم بدراسة أي بحث يقدم إليها بنزاهة بعيدا عن الانغلاق والأهواء والتعصب الأعمى وبكل حيادية , فتجيز ما هو صالح وتنبه على الخطأ , وتتولى طباعة الأبحاث المجازة من قبلها ونشرها وترجمتها , وتوزيعها بأسعار رمزية , وتوصي حتى بتدريس ما يصلح منها لطلبة العلوم الإسلامية في الجامعات ؟ لقد لاحظت أن خريجي الكليات الإسلامية لا يعرفون شيئا عن ترتيب القرآن ومن لديه شيء فمعلومات بسيطة عما قاله القدماء في هذه المسألة , لماذا لا نسلح هؤلاء الشباب بمعرفة الجديد في هذه المسائل ؟ لماذا لا نتيح لهم فرصة المقارنة بين الجديد والموروث بأمانة وإخلاص ؟ لماذا نحجر على عقولهم ونكبلها بأغلال الماضي ؟ ليس من حق أحد أن يرفض الإعجاز العددي جملة وتفصيلا , لا فرق لديه بين هذا وذاك , الكل قد حاد عن الصواب وارتكب إثما يحتاج معه إلى إعلان التوبة والعودة إلى حظيرة الجماعة  .

سؤال : هل أفهم أنك تدعو إلى ترك القديم والموروث ؟

جواب : لا . إننا ندين للقدماء بكل ما لدينا ومن واجبنا أن نقدرهم ونحترمهم , ولكن هناك فرق بين أن نحترم القدماء ونجل الموروث وبين أن نقدسه ونحيطه بخطوط حمراء نمنع تجاوزها . مثلا : لقد عد السيوطي البحث في العدد من البطالات وكان يعني بكلامه ابن الجوزي , السخاوي قال : لا اعلم لعدد كلمات القرآن من فائدة .. إذا توقفنا عند هذين القولين فمعنى ذلك أننا سنتوقف في بحثنا عند حدود القرن التاسع الهجري ,  يجب علينا أن نراعي التغير الزماني وتغير أدوات العصر , أستطيع في عصري هذا أن اجري من العمليات الحسابية المعقدة باستخدام آلة حاسبة في ساعة واحدة ما لو فكر السيوطي أن يفعلها لاحتاج إلى عمره كله , هذا إذا توفرت له الأقلام والورق , وهذا هو السر في أنني اكتشفت ما لم يكن السيوطي قادرا على اكتشافه , لقد وفر لي العصر ما لم يكن متوفرا لدى السيوطي . وكما قلت إن من رحمة الله بعباده أن جعل معجزة القرآن المعجزة الخالدة المتجددة في كل عصر وجيل , إن لجيلنا منها نصيب ولا يجوز لأحد أن يحرمنا منه , بحجة أن السلف الصالح لم يعرف عنه شيئا .

سؤال : تدور أبحاثك وكتبك حول موضوع واحد هو ترتيب القرآن الكريم , ماذا يعني لك ترتيب سور وآيات القرآن الكريم ؟

جواب : ترتيب سور وآيات القرآن , بكل تأكيد معجزة القرآن التي ادخرها لهذا العصر , والتي هي الدليل المادي الملموس لكل البشرية بأن القرآن هو كتاب الله المحفوظ , المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم  .هذا الترتيب هو الرد الحاسم على كل ما أثير حول القرآن من شبهات وافتراءات , أما لغة هذا الترتيب فلغة الأرقام اللغة العالمية المشتركة بين الناس جميعا , وبالتالي فإن من السهل نقل هذه المعجزة إلى غير الناطقين بالعربية دون أن تفقد دلالاتها , بحيث يطلع عليها كل بلغته لا يحتاج معها إلا إلى فهرس لسور القرآن الكريم . ومن المؤسف أن هذه المعجزة مازالت مجهولة لدى كثير من الخاصة والعامة على السواء  وبذلك فان المسلمين محرومون حتى الآن من توظيف هذه المعجزة في خدمة القرآن وأهله , ومن المصائب التي بليت بها هذه الأمة , أن هناك من يحارب هذه المعجزة ويظن أنه يقدم خدمة للإسلام بينما هو يقف في خندق خصوم الإسلام دون أن يعلم  . تصور , بعد كل هذا الجهد الذي يزيد على عشر سنوات من البحث وخمسة كتب غير مسبوقة , تصلني رسائل عبر الإنترنت تطالبني بالتوبة والعودة عن البحث في الإعجاز العددي , وهنا أود أن أوضح مسألة هامة : إن كل ما كتبته يدور حول موضوع ترتيب القرآن الكريم , ولما كانت الأرقام والأعداد هي السبيل واللغة الوحيدة لإظهار ترتيب القرآن والكشف عنه , كان لا بد من استخدام هذه اللغة لغة الأرقام , ولذلك فأنا أرى أن التسمية الصحيحة لأبحاثي هي : إعجاز الترتيب القرآني , وليس الإعجاز العددي في القرآن ..

سؤال : هل لك أن تقدم لنا مثالا عن إعجاز القرآن في ترتيبه ؟

جواب : من بين الأسئلة التي أثارتها ظاهرة الترتيب القرآني : تجميع السور القصيرة في آخر المصحف والطويلة في أوله . ما السر في ذلك ؟

 لقد تم في ترتيب سور القرآن وآياته الربط بين أعداد الآيات في سور القرآن ومواقع ترتيبها بعلاقات رياضية محكمة, مثلا : إذا تدبرنا السور زوجية الآيات في المصحف " عدد الآيات في كل منها  عدد زوجي " نجد أنها 60 سورة , 27 سورة مرتبة في النصف الأول  من المصحف و 33 سورة مرتبة في النصف الثاني  .. إذا أردنا أن يكون مجموع الآيات في إحدى المجموعتين مساويا لمجموع أرقام ترتيب سور المجموعة الثانية ,  فليس أمامنا إلا أن نرتب السور الطويلة في النصف الأول والسور القصيرة في النصف الثاني , ذلك أن السورة المرتبة في النصف الأول ستأخذ أحد الأرقام من 1-57 للدلالة على موقعها وهي الأرقام الأصغر, بينما السورة المرتبة في النصف الثاني ستأخذ أحد الأرقام من 58 114 للدلالة على موقعها وهي الأرقام الأكبر . وهذا ما هو موجود في القرآن : فمجموع أعداد الآيات في السور المرتبة في النصف الأول يساوي : 2690 آية , هذا المجموع مماثل تماما لمجموع الأرقام الدالة على مواقع ترتيب السور زوجية الآيات المرتبة في النصف الثاني فهو أيضا : 2690 .. هذا التماثل لا يمكن أن يتحقق إلا بترتيب السور الطويلة في النصف الأول والسور القصيرة في النصف الثاني  .. فالترتيب هنا ترتيب رياضي وقد تم بتدبير وحساب وإحكام ولا يمكن نسبته إلى البشر . والمسألة لا تتوقف عند هذا الحد , حيث نجد في ترتيب القرآن من الأدلة ما يدفع أي شبهة محتملة  . فالمثال الذي ذكرته لك له ارتباطات أخرى تزيده إعجازا وقوة , وتزيدنا ثقة واطمئنانا .نحو : من المعلوم أن عدد السور المفتتحة بالحروف المقطعة 29 سورة , بالتدبر في ترتيب سور القرآن نجد أن السور القرآنية التي عدد الآيات في كل منها يقل عن 17 آية : 29 سورة أيضا  ( المعيار هنا وهو العدد 17 ليس عشوائيا بل له مبرراته ) عدد مماثل لعدد السور المفتتحة بالحروف الهجائية , إذا تدبرنا ترتيب السور في المجموعتين نجد أن : من بين السور المفتتحة بالحروف رتبت 28 سورة في النصف الأول من القرآن بينما رتبت سورة واحدة وهي سورة القلم في النصف الثاني . بالمقابل نجد أن من بين السور القصيرة 28 سورة رتبت في النصف الثاني بينما رتبت سورة واحدة في النصف الأول والتي هي سورة الفاتحة  . هذه العلاقة تؤكد العلاقة السابقة وتزيدها قوة , وكما قلت فهناك أيضا علاقات أخرى مؤكدة غير ما ذكرت , كما أننا هنا نكتشف ظاهرة جديدة في ترتيب سور القرآن وهي ظاهرة ترتيب سورة القلم وفصلها عن أخواتها , حينما نتدبر في ترتيب سورة القلم نكتشف معجزة جديدة باهرة .. في ترتيب القرآن العلاقة الرياضية تقودك إلى علاقات أخرى , وهذه سمة في ترتيب سور القرآن , فالسورة القرآنية ترتبط بعدد من العلاقات , كل واحدة تزيد الأخرى قوة ودلالة وتؤكد صحتها. ومن العجيب أن السادة علماء المسلمين والمؤسسات الدينية مازالت تتجاهل عظمة هذا الترتيب ومكانته ودوره في خدمة القرآن ؟!

سؤال : قلت لي أن اكتشافاتك في ترتيب القرآن لم تجد ما يليق بها من اهتمام من قبل الكثيرين رغم أهميتها ودقتها , لماذا لا تفترض الخطأ فيها ؟

جواب : ما لم يثبت أحد وجود أي خطأ فيها , فهي إذن صحيحة . صدر كتابي الأول أسرار ترتيب القرآن قراءة معاصرة عام 1994 م ,وقد طبع منه ثلاثة آلاف نسخة ونفد من الأسواق , قمت بتوزيع خمسمائة نسخة من كتابي الآخر " معجزة ترتيب القرآن : البناء العام " مجانا .  يعني ذلك أن آلافا من الناس قد اطلعوا عليه ولو وجدت أخطاء ما سكت الجميع عنها . من ناحية أخرى وهي الأهم , إن اكتشافي لقوانين وأنظمة في ترتيب القرآن ما كان ليتم لو كان هناك أدنى خطا , لقد اكتشفت في ترتيب سور القرآن ما أسميته : قانون الحالات الأربع لسور القرآن , وقانون الترابط , وقانون التجانس , ونظام حدود الطول والقصر في سور القرآن , والنظام العددي في القرآن .. هذه الأنظمة والقوانين تختل تماما بوجود أدنى خطأ .. إنني على ثقة بأن كل ما قدمته في أبحاثي صحيح وفي غاية الدقة , من هنا يمكنني القول إن أسباب رفض البعض لهذه الدراسات لا يكمن في صحتها أو عدم صحتها , هناك أسباب أخرى .وللعلم فأنا لم ألجأ أبدا إلى ما يسمى بحساب الجمل في أبحاثي .

سؤال : ما مشاريعك للمستقبل , هل ننتظر جديدا ؟

جواب : بصراحة , إنني أشعر بالظلم , كما واجد صعوبة بالغة في إقناع البعض المسلم بأهمية ما اكتب , أشعر أحيانا أن إقناع الآخر أيسر من إقناع بعض المسلمين بأهمية الترتيب القرآني , ولهذا فقد أتوقف فعلا عن البحث والكتابة في هذه المسألة , حيث أصبت بجلطتين على القلب حتى الآن وأخشى أن تكون الثالثة قريبا إذا ظلت الأمور على هذه الحال . أتمنى أن تتمكن الأجيال القادمة من فك قيودها , والخروج من أسر الماضي إلى الحاضر , والعيش في زمنها , إنني على ثقة أنها ستجد في ترتيب سور القرآن وآياته ( معجزة الحاضر والمستقبل ) ما لم نجده اليوم , ولعلها ستكون أقدر على فهمه أكثر منا .

ملاحظة : لما كانت خطة الصحيفة نشر ما مقداره الفا كلمة فانها ستضطر الى اقتطاع اجزاء منها بسبب طولها .

رابط المقابلة بجريدة الغد هو :  http://www.alghad.jo/index.php?news=63965&searchFor=

Date: Sat, 24 Dec 2005 02:32:53 -0800 (PST)
From:  "abdullah jalghoum" <abd_jalghoum@yahoo.com>  
Yahoo! DomainKeys has confirmed that this message was sent by yahoo.com.
Subject:  مقابلة صحفية
To: alargam777@yahoo.com
بسم الله الرحمن الرحيم
اخي الفاضل يحي السقاف
 أرسل اليك نص المقابلة الصحفية التي اجراها معي الكاتب والصحفي محمود ابو فروة الرجبي لجريدة الغد .