|
التجديد في علم الكلام أحمد
قراملكي
استاذ علم الكلام في كلية الالهيات
والمعارف الاسلامية بجامعة طهران. ترجمة: حيدر نجف. |
|
القسم
الأول: اشكاليات التجديد
يرتبط تصميم هندسة معرفية لعلم الكلام الجديد بغربلة صفة
((التجدد))، ومناقشة ما تعنيه هذه الصفة، وما يمكن أن يُراد من القابلية
للتجديد في علم الكلام. إن الغموض الذي يكتنف صفة التجديد الى جانب الإقبال
الواسع على الخوض في قضايا الكلام الجديد، أفرز الكثير من الإشكاليات
والعقبات في طريق التفكير الكلامي المعاصر، وحين التمعّن في الكتابات
والمحاضرات الكلامية الجديدة، نلاحظ أبعاداً واسعة لهذا الغموض المفضي الى
التباسات وإشكاليات عديدة. عنوان ((الكلام الجديد)) من مصطلحات القرن
الأخير في الثقافة الاسلامية. وكان شبلي النعماني (1273 ـ 1332) ممن أكدوا
على أهمية التجديد في علم الكلام عبر كتابته تاريخاً للكلام الحديث. كما شدد
الاستاذ مرتضى مطهري في مؤلفاته على ضرورة ايجاد تحوّلات في العلوم الكلامية،
وتأسيس علم كلام جديد. ورغم أن ماضي الكلام الجديد لا يناهز المائة سنة، إلاّ
أن الإقبال عليه بدأ حينما لوحظت ((مسائل كلامية جديدة)) في البرامج
التعليمية الخاصة بالإلهيات والمعارف الإسلامية. ولعل واحدة من أبرز خصائص
التفكير الديني في السنوات الأخيرة دراسته لقضايا الكلام الجديد،فكثرة البحوث
والكتب التي ظهرت خلال الأعوام الماضية حول الموضوع تشير بوضوح الى مستوى
إقبال الدارسين على هذا المجال المعرفي. ومع أن من أسباب الاهتمام بالكلام
الجديد في الأوساط الحوزوية والجامعية، إدراج المسائل الكلامية الجديدة في
المواد الدراسية، غير أن الافتقار الى برمجة صحيحة، وبحوث قبلية، أدى الى
دخول قضايا غير ذات صلة بالكلام الجديد إليه، الأمر الذي أفضى الى حصول
تصوّرات مضبّبة عن الهوية المعرفية للكلام الجديد، لاسيما عند
المبتدئين. وفيما يلي نشير الى بعض مكامن الغموض والإشكال في نطاق امكانية
علم الكلام للتجديد:
ايهام الانفصال
ثمة رأيان في تفسير الكلام الجديد، نعتقد أن أحدهما سلك سبيل الإفراط،
والثاني سار في جادة التفريط. الأول يرى أن الكلام الجديد لا يشارك الكلام
التقليدي إلاّ في اللفظ والعنوان، فالكلام الجديد علم حديث الظهور مستقل
تماما، ولا علاقة له بعلم الكلام الدارج في الثقافة الإسلامية القديمة. أما
الرأي الثاني فيذهب إلى أن إطلاق صفة الجديد على علم الكلام الحالي، هو في
الواقع من باب التسامح والمجاز، فالكلام الجديد هو ذاته الكلام التقليدي من
حيث أضلاعه وأبعاده ولا يختلف عنه إلاّ في اشتماله على مسائل جديدة لم تكن
سابقاً، فالجدة من وجهة النظر هذه لا مبرر لها سوى بعض المسائل الكلامية
الجديدة، التي تطرح في صورة شبهات، يتصدى المتكلمون لتفنيدها على أساس
المباني والأساليب التقليدية تماماً، حيث يقال:((يستعمل في المحافل العلمية
اليوم مصطلح الكلام الجديد، مما يوهم بولادة علم جديد. والحقيقة أن علماً
جديداً لم يظهر أبداً، وإنما هناك مسائل جديدة تضاف الى المسائل الكلامية
السابقة، مما يعني ظهور مرحلة تكاملية حديثة لهذا العلم. فمقتضى ظهور العلم
الجديد، أن يكون له موضوع وهدف مستقلان في حين لا نلاحظ شيئاً من هذا
الاستقلال في المسائل الجديدة لعلم الكلام))(1). يستقر هذا الرأي على
فرضية يمكن تسميتها منطقياً بخطأ إيهام الانفصال، والفرضية هي أن الرأيين
أدناه منفصلان على نحو مانعة الخلوّ، بحيث يعني بطلان أحدهما، صدق الآخر
بالضرورة. والرأيان هما: 1ـ الكلام الجديد، علم حديث تماماً، ليست له أية
مشتركات مع الكلام التقليدي.
2ـ ليس
الكلام الجديد سوى مسائل كلامية جديدة. وهناك عدة عوامل أدت الى هذا الخطأ، من أهمها غموض
مفهوم التجديد كصفة لعلم الكلام، وضبابية الارتباط المعرفي بين اضلاع العلم
وجوانبه المختلفة. ونحاول في هذا البحث تقديم نظرية تشتمل على الرأيين
السابقين مضافاً الى صورة ثالثة للتجديد. وهي صورة يكون وفقها الكلام الجديد
علماً يحتفظ بهويته الكلامية من ناحية، ومن ناحية أخرى لا ينحصر التجديد في
ضلع واحد من أضلاعه، كالمسائل مثلا، وإنما يطرأ التحديث على جميع الأضلاع،
كما تتعرض هندسته المعرفية للتحول والتجديد أيضاً. وعليه لن يكون ثمة انفصال
مانع للخلو بين الرأيين المذكورين، حتى يكون بطلان أحدهما مستلزماً لصدق
الآخر، وإنما يمكن طرح وجهة نظر ثالثة تفيد أن الكلام الجديد نظام كلامي حديث
بهندسة معرفية جديدة. ويتوقف التفضيل بين هذه الآراء الثلاثة على التحقيق
المنهجي في قضيتين: ما هو المتعلق الرئيسي للجدة في علم الكلام؟ وما هو مفهوم
التجديد في علم الكلام؟
غموض معنى التجديد أو
التجدد من المواضع الخطيرة المفضية الى كثير من الأخطاء والزلل في هذا
الموضوع، ففضلاً عن أن ((التجدد)) غامض من حيث البناء اللغوي، فإنه مبهم
أيضاً باعتباره صفة لعلم الكلام. فهل يعني التجديد حين نضيفه الى علم الكلام،
ذات الحالة بالنسبة لإضافته الى سائر العلوم؟ فنحن نصف الكثير من العلوم
بأنها جديدة، فنقول المنطق الجديد، والرياضيات الجديدة، والطب الحديث، وعلم
الفلك الجديد، والفلسفة الجديدة. فهل يأخذ التجدد معنىً نسبياً بالضرورة، لا
يدل على أي تعيّن معرفي؟ وهل التجدد حصيلة المقارنة بين حقبتين تاريخيتين
وحسب، ولا يستعمل إلاّ لتمييز الحقبة اللاحقة عن الحقبة السابقة؟ وهل يمكن
للبحث في عنوان التجديد أن يحل محل التأمل في المعنون، والتعمق في الهوية
المعرفية للكلام المعاصر؟ يعود الأصل في غموض مفهوم التجديد في علم
الكلام، الى الخلط بين معنيين للجدة في هذا العلم. وسنشير في الأقسام الآتية
الى أن الكلام يقبل التجديد بمعنيين: المعنى الأول الوصف العام للتجدد، أي
الذي يفيد كونه حالة نسبية للتمييز بين مرحلتين في
تكامل العلوم سابقة ولاحقة. والثاني الوصف الخاص بالكلام والذي لا يتضارب
والتعيّن المعرفي لعلم الكلام.
والجدة في علم
الكلام بالمعنى الثاني كالجدة في الفلسفة التي تطلق على الآراء الفلسفية منذ
القرن السابع عشر حتى التاسع عشر، فهو معنى لا يراد منه مجرد التفريق بين
دورين زمنيين، وإنما يرتبط بماهية العلم وخصائصه، ولذلك تبقى صفة الجدة
ملازمة له حتى لو صار مستقبلاً أمراً قديماً، فكما لا نسمّي ((الفلسفة
الحديثة)) في القرن السابع عشر حتى التاسع عشر فلسفة قديمة، بذريعة ظهور
فلسفة أحدث منها في القرن العشرين نسميها ((الفلسفة المعاصرة))، كذلك لن نطلق
على الكلام الجديد ((حاليا)) تسمية ((الكلام القديم)) فيما لو ظهر مستقبلاً
كلام أحدث من الكلام الذي لدينا في الوقت الحاضر. وبالطبع فإن التأكيد أكثر
من اللازم على لفظ ((الجديد)) قد يثير بعض الأخطاء ويؤدي الى نزاعات لفظية
صرفة. وعلى كل حال نسمي الكلام المناسب للعصر الحاضر بالكلام الجديد لأسباب
معينة تتضح اكثر عند دراسة الخصائص المعرفية للكلام المعاصر في مقامي التعريف
والتحقق.
| |
الخلط بين مقامي التعريف والتحقق |
|
تحقق العلم وتعريفه مقامان منفصلان، لكل منهما
مستلزماته وأدواته الخاصة، وعدم التفكيك بينهما يعدُّ من مواطن الغموض
والإشكال في تحليل هوية الكلام الجديد، فبسبب الحصول التدريجي للعلوم
البشرية، توجد عادة فاصلة معينة بين مقام تعريف هذه العلوم (ما ينبغي ان تكون
عليه) وبين مقام تحققها (ما هي عليه فعلاً). ومن هنا تختلف أحكام مقام
التعريف عن احكام مقام التحقق، فنقد مقام تحقق العلم والبحث في نقاط ضعفه
ونقصانه واتقانه ونقائه لا يتيّسر إلاّ حينما تكون لدينا صورة واضحة لمقام
تعريف العلم. إذ في البداية ينبغي تقديم صورة واضحة للكلام الجديد بهذا
المعنى، أي صورة خاصة بمقام التعريف؟ ورسم صورة متكاملة ناصعة للكلام
المناسب للعصر الحديث، يتوقف قبل كل شيء على معرفة المتطلبات والمشاكل
والقضايا التي يواجهها المتكلم المعاصر، ثم يرتبط بالدرجة الثانية بالتعرّف
الدقيق على أذهان ومناهج ولغات المخاطبين. كيف يجب أن يكون الكلام الجديد،
حتى يغدو قادراً في العالم المعاصر على تقديم الفكر الديني والإيمان الاسلامي
للناس، ولا يجيب فقط عن الشبهات الكلامية الجديدة، وإنما يجتذب قلوب العالم
الى تعاليم الوحي ومفاهيمه؟ إن شخصيات علمية من قبيل محمد اقبال ومرتضى
مطهري طمحوا الى مثل هذه المنظومة الكلامية. وطبعاً يعتمد تقييم انجازات
المتكلمين الجدد ومستوى نجاحهم في الوصول الى هذا النظام، على نقد الفكر
الكلامي المعاصر (في مقام التحقق). إن عدم الاهتمام بتأسيس نظام كلامي
متين يناسب الواقع المعاصر، والاكتفاء بمعالجات متسرعة منفعلة للمسائل
الكلامية الجديدة، من دون التوقف عند المباني والأسس اللازمة لهذه العملية،
من أهم سباب فشل المتكلم المعاصر في
عرض الايمان الديني والدفاع عن معطيات الوحي في الوقت الحاضر. والذين لا
يبدون تعاطفا مع الكلام الجديد، ولا يرون ضرورة لتأسيس نظام جديد لعلم
الكلام، إما أنهم يجهلون التحولات الهائلة في المجالات الفكرية والحياتية
للانسان المعاصر خلال القرون الأخيرة، وإما أن معطياتهم في الكلام الجديد
مقتصرة على مباحث مشتتة لا تسمن ولا تغني من جوع.
| |
الغموض في البناء الهندسي للعلوم |
|
شدّد القدماء على أن العلم ليس سوى مسائله. ورغم
القيمة المنطقية لهذا الرأي، بيد أنه قد يؤدي الى بعض الأخطاء، فهو عادة ما
يُغفِل الترابط الوثيق بين الأضلاع المتعددة لمعرفة من المعارف، فمسائل العلم
تتحدد بمناهجه ومبانيه وتوجهاته. من هنا يكون التأكيد على أهمية المسائل، وأن
العلم ليس سوى مجموعة مسائله، تأكيداً على تماسك جميع الأضلاع في ذلك العلم،
بمعنى أن العلم ليس مجرد مجموعة من المسائل مصفوفة بجوار بعضها، وإنما الذي
يمنحها صفة العلم، هو النظام الهندسي الذي يجمعها، فلكل علم نظامه الهندسي
المتكوّن من أضلاعه المختلفة كالمنهج واللغة والتوجهات والموضوع والمبادئ
والمسائل. إن النظرة الهندسية للمعرفة تتفاوت عن النظرة الذرية
(القضييّة)، في أنها تستلزم القول بالتغيّر في جميع أضلاع النظام الهندسي إذا
ما حصل تغيير في أحد الأضلاع. وكثيراً ما تواجهنا آراء حول التجديد في علم
الكلام تُغفِل البناء الهندسي لهذا العلم ولا تهتم بالتماسك المتقابل بين
أضلاعه.
| |
القسم الثاني: متعلق التجديد في علم الكلام |
|
في علم الكلام، ما الذي يقبل التجديد، فيكون
العلم تبعاً له جديداً؟ وبعبارة أخرى: هل وصف الكلام بالجديد وصف لحال الشيء،
أم وصف لحال متعلّقه؟ وما هو المتجدد الحقيقي في علم الكلام؟ في هذا القسم
نحاول نقد الأجوبة المطروحة عن هذا السؤال، ومناقشة النظريات المحتملة. وفي
القسم اللاحق سنطرح النظرية المختارة من بين هذه النظريات
المتعددة.
من أشهر النظريات في تفسير الكلام الجديد
النظرية القائلة: إن ((الكلام الجديد ليس سوى مسائل كلامية مستحدثة)). وحسب
هذه الرؤية يطرأ التجدد على أحد أهم أضلاع علم الكلام، وهو ((المسائل))،
ولهذا فإن مصطلح ((الكلام الجديد)) هو في الواقع من باب تسمية الشي باسم أهم
أركانه. وعليه فإن إطلاق صفة ((الجديد)) على علم الكلام يأتي في إطار المجاز
والتوسع والمسامحة. ولا فرق بين الكلام الجديد والكلام القديم غير إضافة بعض
المسائل. الكثير من المعاصرين يذهبون الى هذا القول عند تحليلهم مفهوم
التجديد في علم الكلام، وبالإمكان الاشارة الى نماذج من آرائهم: أ ـ
((أقترح أن نستعمل تعبير (الجديد) كإشارة الى بعض المسائل التي هي في الوقت
الحاضر
(1) مدخل الى المسائل الجديدة في علم الكلام ـ ص 10. |
جديدة
إنه مجرد لفظ يشير الى عدد من المسائل تطرح حالياً على بساط البحث، فيما لم
تكن مطروحة في السابق، لذلك فهي جديدة))(1). ب ـ ((بما أن غالبية المباحث
المطروحة ضمن نطاق علم الكلام في الوقت الحاضر، هي مسائل تختلف تماماً عن
مباحث الكلام التقليدي، ولا نجد لها أثراً في الكتب الكلامية القديمة، لذا
تصوّر البعض أن هذه المعارف تشكّل علماً جديداً مستقبلاً، بموضوع وتعريف
خاصين. ولكن نظراً لما أسلفناه يمكن القول: إن هذا مجرد خيال ووهم، فالكلام
الجديد والقديم مشتركان في الموضوع والتعريف والغاية وحتى في أساليب
الاستدلال أحياناً. والفارق الوحيد بينهما في المسائل فقط، وخصوصا في المسائل
السلبية ومبادئ الاستدلال))(2). يمكن تسليط أضواء النقد من عدة زوايا على
هذه النظرية التي تحدد التجديد الكلامي داخل نطاق المسائل فقط. وهنا نطرح بعض
نقاط نقدية في هذا الباب: أولاً: يعود شيوع هذه النظرية الى نوع تصور
الإنسان عن العلوم وفكرته عن ماهية كل علم من العلوم، فالمهتمون بمقام التحقق
دون التعريف في دراستهم للعلوم، يلاحظون في العلوم مسائلها قبل كل شيء، ولا
يتوسعون في باقي أركان العلم، فيجدون في مواجهتهم الأولى لعلم الكلام الجديد
مسائل لم تكن موجودة في الكلام التقليدي. ويبدو أن حصر تحولات العلم
بتحولات مسائله ناجم عن نمط من أنماط ((الاختزالية))(3) وقائم على أساس أسلوب
خاطئ يأخذ وجها من وجوه الشيء تاركاً الاهتمام بكنهه وهويته، أي اقصار التوجه
بالسطح الظاهري للتجديد وإغفال المستويات العميقة. ثانياً: التجدد في
مسائل علم الكلام بمعنى ((ظهور مسائل جديدة على امتداد الحركة التكاملية
التاريخية لعلم الكلام)) لا يختص بعلم الكلام فقط، وإنما كل علم من العلوم،
في مقام التحقق، ينمو عبر ظهور مسائل جديدة فيه؛ لأنه بالتالي يُستحصَل
ويُكتشف بشكل تدريجي. ولا نقاش حول قابلية علم الكلام على التجدد من هذه
الناحية، بل الخلاف حول التجدد بمعنىً آخر يختص ببعض العلوم، ومنها علم
الكلام. ثالثاً: القابلية على التجدد في المسائل، بالمعنى الوارد في هذه
النظرية، مفهوم نسبي تدريجي، فعلم الكلام كالعلوم الأخرى يكتسب مسائل جديدة
خلال حركته وتطوراته التاريخية، بحيث تكون كل مرحلة فيه جديدةً بالنسبة الى
الدورة السابقة، وقديمةً بالقياس الى الدورة اللاحقة. ولا خلاف حول هذا
المعنى من معاني التجدد، فإنكاره إنكار لبديهيات التاريخ، وإنما النقاش حول
التجديد الدال على تعيين معرفة خاصة. وبهذا المعنى يجري الحديث عن علم الكلام
الجديد. وفي القسم الرابع سنتطرق لهذا المعنى من التجدد.
(1) لاريجاني، صادق. ((ندوة ماهية الكلام الجديد وفلسفة
الدين ـ القسم الثاني)). صحيفة إطلاعات، السبت 30/4/1375 ] صيف عام 1996م[
العدد 20816 ـ ص 7. (2) اوجبي، علي. علم الكلام في إطار التحوّل: الكلام
الجديد على امتداد الافكار، ص 54 ـ 55. (3) Reductionism. |
رابعاً:
القول بتحول مسائل العلم يستلزم القول بتحول باقي الأضلاع المعرفية للعلم،
ليس على أساس الفهم الحديث وحسب، بل حتى وفقاً لفهم القدماء أيضاً، فعلى أساس
منطق العلوم عند الماضين ليس العلم سوى مسائله. واكتشاف هذه القاعدة ناتج عن
الادراك العميق للترابط بين أضلاع العلم المختلفة، لاسيما اركانه الثلاثة؛
المسائل والمبادئ والموضوع. فعلى أساس هذه القاعدة تشكل المسائل جميع أضلاع
الهندسة المعرفية للعلم، بحيث إن التجديد في المسائل يستلزم التحول في مجمل
الهندسة المعرفية للعلم. التدقيق فيما يوجب المسائل الجديدة، والتعمق فيما
تقتضيه هذه المسائل الجديدة، يدل على صدق الادعاء المذكور، وذلك لما
يلي: أولاً: ظهور مسائل جديدة ناجم عن عوامل أهمها ظهور أسس وتوجهات جديدة
في عالم الأفكار. وعليه، فبروز مسائل كلامية جديدة يكشف عن وجود نتائج وأسس
مستحدثة تشكّلت على أساسها شبهات جديدة. فلماذا لم تكن لدى القدماء قضايا
نظير: علم نفس الدين، وعلم اجتماع الدين، وتحليل مدلول النصوص الدينية في
الكلام اليومي المتداول؟ هل لهذا من سبب غير عدم وجود التوجهات والأسس
الكافية التي واجهها مخاطبو الوحي اليوم، فكان لها تأثيرها في تعاطيهم مع
الأفكار والتعاليم الدينية؟ ثانياً: ظهور مسائل جديدة أوجد أساليب ومبان
جديدة في علم الكلام، وخلق فهما حديثا بخصوص دور المتكلم ومهماته، فكل مسألة
لها أسلوبها البحثي الخاص. وبذلك يكون طرح مسائل كلامية جديدة سبيلا الى
تنويع منهجي وإثراء أسلوبي في علم الكلام، الذي هو خلافاً للفلسفة الأولى لا
يستند على أسلوب البرهان فقط، وإنما يتحرّر في استعمال الأساليب بحسب نوعية
المسائل المطروحة. وهذه الحقيقة ـ القائلة بأن التطور في المسائل يفضي
منطقياً الى تحول في الأساليب ـ أذعن لها حتى اتباع نظرية حصر التجديد
الكلامي في مسائله، بقولهم: ((… الشيء الوحيد الذي يمكن قوله بخصوص هذه
المسائل، هو أن اسلوب تحليلها لا يمكن أن يكون عقلياً، وإنما ينبغي اختيار
اسلوب يتناسب مع المسألة ذاتها))(1). الذي يفهم من هذا الرأي أن التجديد
في المسائل يمكن ـ بل يجب ـ أن يفضي الى تجديد في ضلع آخر من أضلاع العلم،
وهو المنهج. ولا شك أن اتخاذ منهج يناسب المسألة الجديدة يقتضي مبانٍ معرفية
جديدة. والنتيجة هي أن ظهور المسائل الجديدة يشي بوجود مبانٍ حديثة لدى
مخاطبي الوحي في العالم المعاصر. ولا يستطيع المتكلم من دون فهم هذه المباني
واتخاذ موقف رصين منها، أن يتواصل مع مخاطبيه. وعليه لا يمكن معرفة المسائل
الجديدة كما هي من دون الوقوف على أسس ومباني التفكير الحديث، وبالتالي فإن
نظرية حصر التجديد الكلامي في المسائل يقتضي منطقياً نوعاً من التهافت؛ لأنها
(النظرية) بدورها تنتهي الى القول بقابلية سائر أبعاد علم الكلام على
التجدد.
(1) سبحاني، جعفر. مدخل الى المسائل الجديدة في علم
الكلام، ص10. |
خامساً:
البعض استدل على حصر التجديد في المسائل عن طريق القياس الاستثنائي أدناه:
المقدمة الأولى: إما أن تجدد الكلام مقتصر على مسائله، أو أن الكلام
الجديد علم جديد ذو موضوع وهدف مستقلين.
المقدمة الثانية:
الواقع أن علماً جديداً لم يظهر.
إذن: لم يحصل غير
إلحاق مسائل جديدة بالمسائل الكلامية السابقة(1). ثمة في هذا الاستدلال
خطآن، وهما: أولاً: من شروط هذا البرهان أن تكون المقدمة الاولى منفصلة
مانعة للخلو. والحال أن المقدمة الاولى لا تتضمن مثل هذا الانفصال، بل فيها
إيهام بالانفصال. إذ يمكن افتراض أن كلا الحالتين كاذبة، وفقاً للنظرية
المختارة التي سنتطرق إليها في القسم الثالث، ثمة فرض آخر غير الحالتين
المذكورتين. ثانياً: لا يعني التجدد إلزاما ظهور أمور أخرى، لذلك يمكن أن
يتجدد علم الكلام من حيث الموضوع والأهداف، بدون أن يعني هذا التجدد إلغاءً
للموضوع والأهداف السابقة، وظهور موضوع وأهداف مستقلة جديدة تماما، وإنما
يمكن أن يكون بمعنى ظهور تصور جديد لنفس الموضوع والأهداف. وقد زعم البعض أن
المتكلمين الجدد أعادوا بناء أهداف علم الكلام
وقضاياه.
فريق من الباحثين يرى
التجديد في الكلام بمعنى التجديد في الموضوع فقط، ويعتبرون أهم خصائص الكلام
الجديد قابليته على التطور في هذا الضلع من الكلام. وكمثال؛ أجاب أحد
الباحثين المعاصرين عن السؤال: ((ما هو موضوع البحث في علم الكلام؟)) بالنحو
التالي: ((لم يتطرق علم الكلام المعروف لحد الآن في الثقافة الاسلامية، الى
جميع القضايا الموجودة في النصوص الدينية والمذهبية، وإنما اعتبر القضايا
القيمية مثل (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم( (البقرة
194) و(ولا تكونوا كالذين نسوا الله( (الحشر 19) خارجة تماماً من حيّز بحثه.
وحتى القضايا الواقعية لم يتناولها علم الكلام برمّتها، ومثال ذلك (وجعلنا من
الماء كل شيء حي( (الانبياء 30) أو (وما هذه الحياة الدنيا إلاّ لهو ولعب وإن
الدار الآخرة لهي الحيوان( (العنكبوت 64) وإنما خاض في أهمها، كالقضايا
الخاصة بصفات الباري وأفعاله، والنبوة العامة والخاصة والمعاد. وطبعاً تناول
أحياناً القبليات والمقدمات الضرورية لهذه القضايا الواقعية. لكن ما يبحث
اليوم في الثقافة الغربية تحت عنوان ((الكلام)) أو بتعبير أدق ((الإلهيات))
Theology يشمل القضايا الواقعية والقضايا القيمية على السواء))(2). ويمكن
نقد هذه الرؤية ومناقشتها من عدة وجوه: الأول: يعود الى الدقة التاريخية
التي يتمتع بها هذا الرأي، فالكلام التقليدي لم يختص لا في مقام التعريف ولا
في مقام التحقق بالقضايا الوصفية الواقعية المهمة دون سواها، وإنما تدلنا
مراجعة تعاريف علم الكلام التي أوردها العلماء المسلمون بأن موضوع علم الكلام
عُرِّف بالشكل الذي يشتمل على جميع المعارف والقضايا الدينية. فالفارابي أورد
في تعريفه ((الكلام صناعة يقتدر بها الانسان على نصرة الآراء والأفعال
المحدودة، التي صرح بها واضع الملة، وتزييف ما خالفها بالأقاويل)).(3)
والغزالي
(1) مدخل الى المسائل الجديدة في علم الكلام ـ ص10.
(2) ملكيان، مصطفى. فصلية ((نقد ونظر)) العدد2 ـ السنة الاولى ـ ربيع
1995 ـ ص35. (3) الفارابي. إحصاء العلوم. تحقيق: عثمان أمين. الطبعة
الثانية، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1968م، ص 131. |
|
يذكر
أساساً أعم الأشياء، والقاضي الإيجي يراه كل انواع المعرفة بالفكر الاسلامي.
وفي مقام التحقق تدلنا الدراسة الدقيقة لتاريخ الافكار الكلامية أن
المتكلمين خاضوا في جميع المسائل ذات العلاقة بالتعاليم الاسلامية، فقد بحثوا
خلال المراحل المختلفة لعلم الكلام، ولأسباب متفاوتة، القضايا الدينية، بغض
النظر عن كونها واقعية وصفية، أو قيميّة، مهمّة أو غير مهمّة. وبذلك دُرِست
طوال الحقب المتلاحقة لعلم الكلام الاسلامي مسائل متنوعة مثل الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، والشفاعة، والبداء، والفلاح، والسعادة والشقاء الخالد
بالنسبة للفاسقين، والآجال، والآلام، وفوائد البعثة، والحسن والقبح، والتكليف
وايجابياته، و…الخ. إلاّ أن حصر الاهتمام ببعض النصوص الكلامية الكلاسيكية في
القرنين السابع والثامن، من الطبيعي أن يؤدي الى توهم أن المتكلمين المسلمين
لم يدرسوا سوى القضايا الواقعية المهمة. الثاني: يرجع الى غموض معنى كلمة
((المهم))، فحينما يقال: إن الكلام التقليدي اقتصر على القضايا الدينية
المهمة، بينما تطرح اليوم في البحوث الكلامية جميع القضايا الدينية، لا يبدو
معنى ((المهم)) و((الأهمية)) في هذه العبارات واضحا ومفهوما. فعلماء الكلام
الذين تنازعوا حول حدوث القرآن أو قدمه بأشد ما يكون النزاع، وخاضوا معارك
ضارية فيما بينهم من أجل هذا الموضوع، لاشك أنهم اعتبروه مهماً جداً، ووجدوا
أن القضايا الدينية ذات الصلة بكلام الباري عزوجل قضايا مهمة للغاية. وإذا
كان ثمة انتقاء وتفضيل للمسائل في ذلك الوقت، فهو انتقاء موجود اليوم أيضاً،
ولو لاحظنا مجمل الأفكار الكلامية في تاريخ الاسلام، سنجد أن كل التعاليم
الدينية كانت يوماً ما عند فرقة من الفرق مسائل كلامية تنال نصيبها من البحث
والدراسة. الثالث: يختص بالتمايز بين القضايا الواقعية والقضايا القيمية
في النصوص الدينية، فكما أشار بعض المعاصرين، تمتاز النصوص السماوية، لاسيما
القرآن الكريم ببناء خاص يختلف عن النصوص والكلام الانساني، لذا لا يمكن
التمييز فيه بين القضايا الوصفية والعبارات القيمية، كما يمكن ذلك في
الأحاديث البشرية المتداولة، فكل آية في القرآن الكريم إذا أمعنا النظر فيها،
وجدناها من ناحية تصف حقيقةً ما، ومن ناحية أخرى توصي بقيمة من القيم. وهذا
أحد أبعاد قدسية اللغة الدينية، وواحد من معاني البطون المتعددة للقرآن
الكريم، أن يكون في وصفه توصيات، وفي توصياته أوصاف وتقارير واقعية. فالوصف
الذي تعطيه القضايا الدينية للحقائق، يستبطن في طياته معانٍ سامية للقيم
والحياة والأخلاق، لذلك فإن مخاطب الوحي يكون ازاء عبارات ذات وجهين على أقل
تقدير، يستطيع استلهام البصيرة منها الى جانب معرفته بالقيم
والتكاليف. ولذلك قيل: ((من الخطأ تقسيم قضايا وعبارات النصوص المقدسة الى
وصفية وقيمية؛ لأنه تقسيم يستلزم فرضا مسبقا يقول: إن هناك قضايا وصفية محضة،
وقضايا قيمية محضة. وهو افتراض غير صحيح بالمرة. وحتى لو سلّمنا بوجود طائفة
من القضايا الوصفية، وأخرى من العبارات القيمية، فسنلاحظ أن الوصف والقيم
متمازجان بشكل معقد جداً في جميع الكتب المقدسة. فالفلسفة (الطاوية) الصينية، تتضمن القوانين العامة لعالم الوجود، الى
جانب التكاليف التي على الإنسان القيام بها. كذلك الحال بالنسبة لإرادة
الباري التي اوحيت للأنبياء، فهي وصفية وقيمية في آنٍ واحد. وحتى شهادة
التوحيد (لا إله إلاّ الله) تتجاوز كونها تقريراً لحقيقة معينة؛ لأن فيها
معرفة الانسان بالمبدأ المتعالي لكل خير، والحجة الأخلاقية التامة، وحينما
يلهج بها الانسان إنما يتخذ موقفا التزاميا تعبديا من الباري
عزوجل))(1). الذي يبدو من دراسة نظرية ((تفسير التجديد الكلامي بالتحولات
في الموضوع)) أن التحول في موضوع علم الكلام هو بلا شك إحدى مميزات الكلام
الجديد، لكن حصر التجدد الكلامي في هذا الضلع خطأ، من نوع أخطاء أخذ وجه من
الشيء مكان كل هويته (مغالطة الكنه والوجه) هذا أولا، وثانيا يبدو أن التحول
في موضوعات علم الكلام هو من ناحية معلول للتحول في باقي أضلاعه المعرفية،
كالمباني، ومن ناحية أخرى سبب في تغييرات تطرأ على سائر الأضلاع ومجمل
الهندسة المعرفية لعلم الكلام.
وعليه لا يمكن القول: ((إن الكلام في عصرنا لم يتغير تغيراً
ملحوظاً من حيث المنهج والغاية، بل كان الفارق الكبير في إطار الموضوع.. ففي
الوقت الحاضر اتسع موضوع علم الكلام اتساعاً كبيراً، وأصبح يشمل الدفاع عن كل
القضايا الدينية))(2). إذ من الواضح أن دخول القضايا القيمية الى حيّز علم
الكلام يستوجب دخول أساليب ومناهج دفاعية خاصة، ويستلزم تحولات في المباني
وسائر الأضلاع المعرفية، كما تتغير الأهداف والمناهج تبعا لتحولات الموضوع
وبما يتناسب وتطوراته. فحينما تدخل القضايا القيمية ـ مثلاً ـ لتكون من قضايا
علم الكلام، سوف يطرح مفهوم جديد للدفاع، يضطر المتكلّم الى إعادة بناء
غاياته وأهدافه.
ذهب البعض إلى أن
((المتكلمين السلف كانوا أحاديي المنهج، بينما المتكلمون اليوم متعددو
المناهج)) وهذه عبارة تشير الى ضلع مهم من قابلية الكلام على التطور، فلا
ينكر أحد ضرورة التوسل بمناهج جديدة مناسبة للشبهات والمسائل الجديدة، لكن
ثمة اختلاف حول حدود التجديد في المنهج، ومعنى استعمال المناهج الحديثة للأسس
المعرفية ومستلزماتها المنطقية. والقول: إن ((المتكلمين الماضين التزموا
بمنهج واحد، في حين يوجد في الكلام المعاصر تنوّع منهاجي، تعوزه الدقة
التاريخية. فقد أوضحنا في بحوث الصيغة الدفاعية لعلم الكلام، أن التنوع
المنهجي من الخصوصيات لعلم الكلام، والذين اعتبروا الكلام صناعة الجدل لاحظوا
خصوصية التنوع المنهجي هذه. إذن لا يمكن وصم علم الكلام بأحادية المنهج في
مقام التعريف المستند الى الصيغة الدفاعية للكلام)).
(1) لغتهاوزن، محمد. فصلية ((نقد ونظر)) العدد 2 ـ السنة
الاولى ـ ربيع 1995 ـ ص34. (2) ملكيان، مصطفى. كراسة دروس الكلام الجديد.
جامعة الامام الصادق ـ الفصل الاول 1994 ـ 1995 م، الدرس الأول. |
من المميزات التي لا
سبيل الى إنكارها في التفكير الكلامي الحديث، تنوّع التوجهات التي ظهرت على
مسرح الكلام الجديد. وقبل الدخول في تطور التوجهات، من المناسب التذكير
بالتمييز الذي يؤمن به كاتب السطور بين المنهج والتوجّه (Method and approch)
فالمنهج يطلق عادة على أساليب النقد والإثبات والإبطال في مقام الحكم
والتقييم، أما التوجّه فيطلق على أسلوب الباحث في جمع المعلومات واكتشاف
الحقيقة. وبهذا المعنى يكتسب كل من المنهج والتوجه ظروفا منطقية متمايزة.
وعلى هذا الأساس تنحصر المناهج الكلامية غالباً بمقام الدفاع (إثبات التعاليم
وابطال الآراء المعارضة)، بينما تختص التوجهات بمهمة تصحيح العقائد وعرض
المعتقدات الدينية. وقد كانت توجهات معظم المتكلمين في الماضي كتوجهات كل
أرباب المعارف المتداولة آنذاك، توجهات مباشرة، بينما نادراً ما نلاحظ اليوم
توجهات مباشرة. ذلك ان التوجهات المباشرة الدارجة اليوم تختلف عن توجهات
الماضين، فالمتألهون المعاصرون غالباً ما يستخدمون التوجه الظاهرياتي لتبيين
الايمان وحقائق الوحي. كما توجد توجهات غير مباشرة كثيرة، من أبرزها التوجهات
التاريخية، فثمة محاولات عديدة لتفسير الحقائق الدينية بأساليب تاريخية
تطبيقية وتوجهات من داخل الدين ومن خارجه. والتحوّل الآخر في توجهات
المتكلمين الجدد هو استعمال وتوظيف الفروع الوسيطة Interdisciplinary في
تفسير الظواهر الدينية. فالمسائل الكلامية الجديدة في فهم المتكلمين
المعاصرين مسائل متعددة الأصول، والمسائل متعددة الأصول لا يمكن اصطيادها
إلاّ بدراسة الفروع الوسيطة. ورغم أن التحوّل في التوجهات من أهم التحولات
الكلامية، إلاّ أن حصر التجدد فيها خطأ بيّن واقتصار مغلوط على وجه من وجوه
الشيء دون هويته الكلية.
|
أحد
أبعاد التطوّر في الكلام الجديد هو التحول في لغة عالم الكلام، فالمتكلم يلعب
دور الوسيط بين الوحي وأذهان ولغات المخاطبين. ولقد كانت أدلة المتكلمين
الماضين وبياناتهم وتفاسيرهم لتعاليم الدين تتلاءم ولغات أقوامهم آنذاك، أما
المتكلم المعاصر فيحتاج الى لغة حديثة تتناسب مع أذهان ولغات مخاطبيه
اليوم. وقد كان الشيخ مرتضى مطهري نموذجاً للمتكلم الواعي بضرورة استعمال
لغة يفهمها المعاصرون في أكبر رقعة ممكنة من المعمورة؛ لذلك صاغ كتاباته
ومحاضراته على هذا الأساس، إذ إن من شروط ايجاد صلة تفاهم وتفهيم أن تكون
اللغة واحدة، ومراعاة هذا الشرط يضطر المتكلم الى تغيير لغته. ويمكن تفسير
التجديد في اللغة على مستويين: المستوى الأول هو الصورة العرفية للموضوع،
بمعنى توفّر المتكلم المعاصر على لغة حديثة للاستفادة والإفادة، بغض النظر عن
تحولات المباني والمناهج والموضوعات. أما المستوى الثاني فيتمثل في معنىً آخر
غالباً ما يسمى بالقراءات الجديدة للتعاليم الدينية. وهذا المعنى لتجدد اللغة
ناتج عن التحولات التي تشهدها سائر الأبعاد المعرفية لعلم الكلام، وعلى أساسه
يعتبر الكلام الجديد إعادةً لبناء الفكر الديني. وغالبية الذين يحصرون التجدد
الكلامي في المسائل الكلامية، يفعلون ذلك احترازاً من هذا المعنى. التدقيق
في سعة آفاق القراءات الجديدة للفكر الديني، ومشكلة ملاك القراءة الوفيّة
للمعرفة الدينية، جعل البعض يشككون في اعتبار ما يسمى بالكلام الجديد داخلاً
حقاً في نطاق علم الكلام الاسلامي. فما هي حدود وثغور القراءة الجديدة؟ وما
هو ملاك التطابق مع ضوابط الوحي؟ وما هو الفارق بين منح الشريعة لغة جديدة،
وبين التفسير بالرأي الذي ذمّه الأئمة؟ وأي القراءات الدينية إحياءٌ للدين،
وأيّها إماتة للدين؟ وبالتالي، هل اللغة الدينية الحديثة، لغة أفضل أم
أسوء؟
المباني:
يرتكز
علم الكلام، خلافاً للكثير من العلوم، على مبادئ ومبانٍ عديدة. فعالم الكلام
يستند الى مبادئ تصورية وتصديقية متنوعة في عرضه للقيم الايمانية ودفاعه عن
المعتقدات الدينية، سواء وجدنا تصريحاً بهذه المبادئ في المؤلفات الكلامية أو
لا. لقد كان المتكلمون واعين في الغالب للأسس والمبادئ التي ترتكز إليها
أفكارهم الكلامية، لذلك خصصوا بحوثهم الأولى لطرح أهم هذه المبادئ، وبذلك
أدرجوا في مؤلفاتهم مبادئهم المعرفية والفلسفية والمنطقية
والطبيعية. ويقال: منذ بدايات النهضة الاوروبية وحتى النصف الثاني من
القرن التاسع عشر، حدثت تحوّلات جذرية في تفكير وحياة الانسان الغربي، حتى أن
المفكرين المتدينين واجهوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أسسا ومبادئ
جديدة تمام الجدة، فقد انهارت الفيزياء والميكانيك والميتافيزيقا اليونانية
والقروسطية، وظهرت العلوم الحديثة، وتركت الواقعية الأرسطية مكانها لواقعية
معقدة، كالواقعية التخمينية لدى كانت وپوبر، وبرزت الى السطح تفاسير مختلفة
للعقلانية، كالوضعية، والبوبرية، وما بعد الحداثة، و… الخ. وتعرض علم إنسان القرون الوسطى لهزّات
عنيفة. وطُرحت بحوث معمقة حول مديات التفكير العقلاني لدى البشر، والأخطاء
التي لا مفر منها عند القوى الادراكية البشرية. كما تغيّرت تصورات الإنسان عن
نفسه وعن الطبيعة والعالم، وتحوّلت مكانته داخل عالم الوجود. وظهرت صور جديدة
للإنسانية والحرية والحقوق والواجبات والحياة والمعرفة، و… الخ. وبالتالي
أصبحت الميتافيزيقا ـ التي كانت ذات مصير واحد والإلهيات ـ مستحيلة. لقد
أحدث التحول في أسس التفكير أعمق التحولات في المسائل والتوجهات والمناهج
واللغات و…الخ، فالمسائل تتوالد من تضارب المعلومات القبلية في الذهن، وتنمو
وتتطور وفق هذه الآلية أيضاً، فلا سؤال ينبت أبداً في صحراء الذهن الفارغ من
مقدمات ومعلومات مسبقة، الذهن الخالي لا يطرح سؤالاً، وإنما تتفتح المسائل في
الأذهان وفق علاقة طردية مع حجم القبليات والمعلومات الأولية في هذه الأذهان.
وحسب تعبير الشاعر ((السؤال والجواب، كلاهما ينهضان من العلم، كما الورود
والأشواك تنبت كلها من الماء والتراب))(1).
إن المعلومات المعاصرة التي يتوفر عليها المتكلم اليوم، هي بمثابة
المبادئ والمباني المُسبِّبة لظهور ونمو المسائل الكلامية الجديدة، والتي
تبرز الى السطح تبعاً لها مناهج وتوجهات حديثة. وعلى هذا فإن التجديد في
الكلام يعني التجديد في المبادئ التصورية والتصديقية، التي يضطر المتكلم
المعاصر الى اعتمادها في تأملاته الكلامية. فنظرية ((القبض والبسط النظري
للشريعة)) مثلاً، محاولة لتفسير تحولات فهم المتكلمين للفكر الديني وقابلية
المعرفة الدينية على التجدد، تقوم على أساس هذه الفرضية القائلة بارتكاز
المعرفة الدينية المعاصرة على مقومات التفكير الحديث(2). وقد سجّل البعض
عدة ملاحظات نقدية على هذا اللون من النظر للتجديد الكلامي، نعرضها فيما يلي
باختصار: أولاً: هل التجدد في أسس الفكر، تجدد بالجملة أم في الجملة؟ وهل
تغيّرت جميع مباني الفكر الإنساني، أم أن ادعاء التحوّل في المباني من قبيل
القضية الجزئية؟ وهل تحوّل الأسس تحوّل حاسم، إمّا أن يشمل كل شيء، أو لا
يشمل شيئاً؟ ثانياً: ألا يفضي التجديد في دعائم التفكير الإنساني الى
النسبية في التفكير وبالتالي رفض الواقعية. ثم ألا يكون التجدد في المباني
بهذا المعنى أحد الشبهات التي يتعيّن على المتكلم الرد عليها؟ ثالثاً: هل
التجدد في المباني الفكرية تحوّل مؤقت أم أنه حادثة مستمرة؟ وهل يصح التنبّؤ
بأن التجدد في الأسس الفكرية قد يكون مثل أي حادثة تاريخية لها ظهورها
وأفولها، بحيث إن المفكرين يعودون بعد هذا الأفول الى مواقفهم ومبادئهم
المعرفية السابقة؟ رابعاً: هل الكلام الجديد، بمعنى الكلام المنسجم مع
الأسس الفكرية الحديثة، هو من سنخ علم الكلام حقاً؟ وهل يمكن اعتباره وفياً
للفكر الديني، أم أنه في إعادته لبناء الفكر الديني وفق قواعد جديدة، سيفرغ
هذا الفكر من هويته وحقيقته؟
((1) الرومي، جلال الدين. مثنوي
معنوي ـ الكتاب الرابع ـ البيت 3009. (2) راجع البحث المفصل عن الآراء
المؤيدة والمعارضة لهذه النظرية في قراملكي، أحد ببليوغرافيا وصفية لتحول
المعرفة الدينية. فصلية ((كتاب نقد)) العدد 5 و6 شتاء وربيع 1998م، ص 362
384. |
|
النظريات الست التي
أوردناها في تفسير متعلق التجديد غالباً ما تنحاز الى أحد الجوانب أو الأضلاع
المعرفية. أما نظرية التجديد في أهداف علم الكلام، فإنها ترى أهم أركان هذا
العلم عرضة للتجديد، وهذا يعني التجدد في الهوية المعرفية لعلم الكلام.
والذين يرون أن التحديث فيما وراء مسائل العلم يعني ظهور علم جديد في هويته،
سوف لا يترددون إزاء هذه النظرية بالذهاب الى ولادة علم مختلف أساسا عن
الكلام التقليدي. ذلك أن الهدف يلعب دوراً رئيسياً في تحديد وانسجام الأضلاع
المعرفية لعلم الكلام، فهذا العلم مدين بهويته المعرفية لأهدافه وغاياته، من
هنا يبدو التجديد في الأهداف تجديداً في الهوية. فريق من المنظرين
المعاصرين يرون الكلام الجديد متمايزاً عن الكلام التقليدي من حيث الأهداف،
فالأهداف التي صاغ القدماء أفكارهم الكلامية لبلوغها لا تخرج عن صنفين:
الدفاع عن المعتقدات الدينية، أي إثبات الآراء الدينية وإبطال الآراء
المعارضة، أو اكتساب المعرفة بعالم الوجود عن طريق الوحي السماوي. ويزعم
البعض أن المتكلم المعاصر يعيش في فضاء آخر، ويتحدث مع مخاطبين آخرين، بحيث
لا يحتاج، ولا يمكنه أساسا، أن ينصب الأهداف السابقة أمام عينيه أهدافا
يُكرّس لها جهوده ومباحثه، وإنما يرى مهمته المتناسقة مع الظروف الحديثة، هي
تفسير الايمان وتقديم الدين للناس، وننقل فيما يلي رأي أحد المعاصرين توضيحا
لهذا التبرير في تحولات الأهداف الكلامية: ((كان لعلم الكلام ثلاث مهام
رئيسية عند المسلمين: الوظيفة الأولى عرض الأصول العقيدية والايمانية
للإسلام، والكشف عنها. والوظيفة الثانية اثبات العقائد، فقد كان المفروض أن
الايمان بهذه العقائد الحقّة هو السبيل الوحيد الى الفلاح الأخروي. فمن أراد
الفلاح في الآخرة والنجاة من العذاب يجب أن يتبنّى هذه المعتقدات الحقّة.
والمتكلم يقوم بالكشف عن هذه المعتقدات وتشخيصها، ومن ثم إثباتها. أما المهمة
الثالثة التي اضطلع بها علم الكلام الإسلامي فهي الرد على الشبهات التي ترد
ضد الدين من خارجه. الهيكلية التي يكتسبها علم الكلام الإسلامي وفقاً لهذه
التوجهات وبناءً على الأهداف الثلاثة المذكورة وما تتطلبه من مفروضات، تمتاز
بخصيصتين رئيسيتين: الأولى: الأسئلة المطروحة في الكلام الإسلامي، أسئلة
تهتم بالواقع. ففي مثل هذه الظروف يتوفر الكلام الإسلامي على خصيصة البحث عن
العقائد الحقّة المطابقة للواقع مئة بالمئة، ويرى الفلاح الأخروي رهيناً
بتحصيل هذا اليقين المطلق. أما الخصيصة الثانية للكلام الإسلامي فهي تصوّر أن
هذه القضايا الايمانية ممكنة الإثبات عن طريق العقل، فهذه القضايا في ذلك
الفضاء الفكري، أمور يمكن
إثباتها
بالعقل. أما في عصرنا الراهن، فقد تبدلت الأجواء الفكرية. وتبدأ المسألة
برمّتها من أن الانسان في القرون الأخيرة دخل طوراً جديداً من التفكير، تركت
فيه الخصيصتان اللتان صاغتا كلامنا الإسلامي مكانهما لخصائص أخرى. في الفضاء
الفكري الجديد، انهار الجزم الفلسفي والعلمي، وصار من غير المجدي اللهاث وراء
اليقين على نحو ما كان يصنعه الماضون، فقد ساد عدم الجزم على التفكير البشري.
وفي مثل هذا الفضاء الفكري، لم يعد أسلوب الإثبات ذا بالٍ، ولا مفيداً.
فالإنسان لا يريد اثبات شيء، وإنما يريد حل مشكلة. وقد أصبح دور الإنسان
متبلوراً في حل مشكلة واثباتها علماء الدين والمتكلمون يريدون اليوم التحدث
في مثل هذا الفضاء. ومن الجلّي أن علم الكلام لا يستطيع وسط هذه الظروف،
الاحتفاظ ببنيته وخصائصه السابقة، كما لا يمكنه ملاحقة الأهداف القديمة، ففي
الفضاء الجديد، ما يبدو مهماً بالنسبة للإنسان بخصوص الدين والتديّن، هي
أسئلة معينة تتمحور حول السؤال الرئيسي القائل: ماذا يفعل لي الدين أنا
المفتقر الى صورة ((هوية))؟ لاشك أن من غير المفيد في مثل هذه الأجواء
إثبات سلسلة من المعتقدات، وإنما المفيد إحياء الناس من خلال تقديم حقيقة
جذابة نهائية لهم، تستقطب إليها كل وجود الإنسان. في صدر الاسلام لم يكن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعمل على إثبات وجود الله والنبوة والمعاد،
وإنما يرتكز خطاب الباري للانسان في القرآن الكريم على أساس تقديم الله نفسه
للإنسان، من دون التوغل في الإثبات، كما كان النبي يقدم نفسه للناس من دون
اثبات. واليوم أيضا نحتاج الى علم كلام يطرح الله والنبوة والوحي والمعاد
بأسلوب مختلف يشد إليه الناس، بحيث يكتسب في خضمه الانسان والعالم معناهما،
وليس هذا وحسب، وانما تتيسر للإنسان به حياة جديدة))(1). تأسيسا على هذا
الرأي، فإن التحولات الجذرية في التفكير الانساني خلال القرون الأخيرة،
والتجديد في أسس الأفكار المعاصرة، يقتضي أن نتوقع من المتكلم أموراً أخرى،
ونغيّر التعريف ]الغائي[ لعلم الكلام. فالكلام الجديد، وخلافا للكلام القديم،
ليس علما يهتم باثبات تعاليم الدين وإبطال الآراء المعارضة، كما أن تحصيل
المعرفة بعالم الوجود عن طريق الوحي لم يعد من أهداف الكلام الجديد، وإنما هو
علم يهتم بتبيين الايمان الذي ظهر مع نبي الاسلام. ومقارنة هذا التعريف
بالتعاريف الأخرى تفصح عن توجهات تفيد التحوّل في تعريف علم الكلام وهويته؛
ولذلك وجّهت نقود عديدة من قبل بعض المعاصرين لهذا الرأي(2). ونكتفي بذكر بعض
النقاط في نقد هذا المنحى وتحليله:
(1)
مجتهد شبستري، محمد. مراجعة نقدية للفكر الكلامي. الطبعة الاولى 1992م.
الطبعة الثانية: هرمنيوطيقا الكتاب والسنة. ص 168 ـ 179. (2) راجع:
سبحاني، جعفر. المعارف الدينية والأصول الفلسفية في خضم علم المعرفة المعاصر.
طبعة أولى: صحيفة اطلاعات 1993م. طبعة ثانية: هرمينوطيقا الكتاب والسنة ص241.
وبهشتي، أحمد. علم الكلام والكلام الجديد. مجلة ميراث جاويدان، السنة الاولى
ـ العدد 3 ـ خريف 1993م، ص 86 ـ 93. |
أولاً:
تبتني هذه النظرية على صورة خاصة للوحي، في تفسير التجدد الكلامي. وقد ذكرنا
في موضع آخر أن ثمة صورتين لعلم الكلام كانتا لدى الماضين تقومان على صورة
واحدة للوحي. أما الوحي بحسب هذه النظرية (التجديد في هوية علم الكلام
وغاياته) فهو خلافاً للتصورات الدارجة بين المتكلمين والمتألهين ليس مجموعة
من التعاليم النظرية نزلت لتعليم البشر. وعليه يكون توضيح المفاهيم في مقام
التصور، وإثباتها بالبراهين في مقام التصديق، ودحض الشبهات في مقام الدفاع،
ممارسات سالبة بانتفاء الموضوع. والسبب الرئيس في ظهور مثل هذه الصورة
للوحي، هو الفضاء الخاص الذي ساد الفكر الغربي منذ بدايات النهضة وحتى القرن
العشرين، وهو فضاء أهم خصائصه اليأس الفلسفي التام ونبذ الجزمية، فالمتألهون
المسيحيون قدموا قراءة جديدة للوحي بعد مواجهتهم فكرة عدم قابلية المعتقدات
الدينية للاثبات، والتي ظهرت في هذا الفضاء. وهي قراءة ترى خطاب الله للإنسان
عرضاً لله على البشر، ولم تكن هذه القراءة غريبة على الفهم التقليدي للوحي
لدى المتألهين المسيحيين، كما كانت بالنسبة للفهم التقليدي للوحي عند علماء
الكلام المسلمين. ثانياً: القول بأن التحول الحاصل في الغرب منذ النهضة
وحتى الآن يمثل المصير المحتوم للفكر الانساني، والفضاء الذي كان ثمرة هذا
التحول هو فضاء خالد سيبقى الى الأبد، دليلاً عليه، والدراسات الدقيقة
للتحولات الجارية خلال العقد الأخير تشير الى كونه نظرية في طريقها الى
الأفول، فمع أن الفلسفة النقدية أبطلت سحر الفلسفة الوضعية، والفلسفات
النسبية لما بعد الحداثة تجاوزت التوجهات النقدية، لكن بقاء الإنسان في فضاء
النقدية النسبية أمر غير محتمل. ثالثاً: غالبية من كانت لهم آراء حول
التحولات الجذرية في العالم الغربي طوال القرون الأخيرة، يرون أنه بالرغم من
حصول هذه التحولات في حياة وافكار الانسان الغربي، لكنها كانت ذات نتائج
عالمية(1). ومع أن هذا الادعاء يبدو صحيحاً على نحو الإجمال والقضية الجزئية،
لكنه محل إشكال وتشكيك في تفصيلاته، فبملاحظة التفاوتات الشاسعة بين الثقافة
الشرقية الاسلامية والغربية المسيحية، كيف يمكن سحب نتائج التطورات المذكورة
على الثقافة الاسلامية؟ رابعاً: كيف يمكن تفسير التباين الكبير بين هوية
الوحي عند المسيحيين وهويته لدى المسلمين؟ فالوحي عند المسيحيين هو إظهار
الله نفسه للناس، بينما الوحي لدى المسلمين هو كلام الله مع الناس. وعليه،
حتى لو افترضنا انتقال نتائج التحولات الغربية الى الثقافة الشرقية ـ
الاسلامية، كيف يمكن تقديم القراءة التي ذهب إليها المتألهون المسيحيون بخصوص
الوحي والايمان الديني، في خصوص الوحي الاسلامي؟ خامساً: القول إن: ((خطاب
الله للانسان في القرآن الكريم هو عرض الله نفسه على الانسان، وليس اثباتاً
لله، كما أن الرسول كان يقدم نفسه ولا يثبتها)) يمكن نقده في ضوء الآيات
القرآنية، ففي الكثير من الآيات الكريمة نلاحظ لغة احتجاج واستدلال واثبات،
بالإضافة الى أساليب إبطال الآراء المعارضة.
(1) ( Ford David F., The Modern Theologians, Basil
Blackwell. 1990. Vol. 1, P.1. (14 |
فالآية
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً( (النساء 82) تتضمن بكل
وضوح برهاناً في شكل قياس استثنائي من نوع رفع التالي المُرخّم البديهي
الانتاج. وهي ترمي الٍى دحض آراء القائلين بأن القرآن ليس من عند الله. وكذلك
الحال بالنسبة للآية (ولو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا( (الانبياء 22)
الرامية الى نفي الشريك عن الباري تعالى(1). وعلى هذا الأساس لا يمكن
القول: إن علماء الكلام التقليديين ابتعدوا عن لغة القرآن ومناهجه؛ لأن لغة
القرآن لا تخلو من الاحتجاجات ودفع الشبهات. والهوية الوسائطية لعلم الكلام
دفعت المتكلمين الى الاهتمام بلغة القرآن ومناهجه، وأن يجعلوا الهدف من هذا
العلم اثبات تعاليم الدين ودفع الشبهات. وهذا لا يعني طبعا أن المتكلمين
كانوا في جميع المفاهيم والمعاني والمسائل ملتصقين بلغة الوحي(2). سادساً:
عبارة ((كما كان النبي يعرض نفسه ولا يثبتها)) تدل على توهم التعارض بين
((العرض)) و((الاثبات)). وبتعبير آخر، يستند هذا القول الى فرضية وجود تنافر
وتضارب بين عرض الايمان واثبات التعاليم الدينية، بحيث إن المتكلم مضطر الى
اختيار واحد من هذين الدورين دون الثاني. وهذا الفرض غير قائم على أساس، إذ
لا تعارض أو تنافر بين هذين الدورين. والالتفات الى حقيقة أن لغة الوحي ذات
مراتب يدل على: أن العرض، واثبات المدعيات، ودفع الشبهات، كلها من المراتب
المختلفة لخطاب الوحي. وسبب كون الوحي ذا مراتب يعود من جهة الى الحقيقة
التشكيكية للوحي وكونه ذا بطون، ومن جهة أخرى الى ضرورة انسجامه مع المراتب
المختلفة لأذهان وأفهام ولغات مخاطبيه ومستوياتهم
المتفاوتة.
| |
القسم الثالث: التجديد في المنظومة الكلامية والهندسة
المعرفية |
|
النظرية المختارة في تفسير تطور علم الكلام، نسمّيها نظرية
التجديد في المنظومة الكلامية والهندسة المعرفية للكلام. وعلى أساسها لا
يكون التجدد خاصا بضلع واحد من علم الكلام دون غيره، وإنما يشمل جميع الأضلاع
المعرفية. ومن ناحية، يبدو التحول في المنظومة الكلامية داخل إطار هذه
النظرية بمعنى الظهور العلمي الجديد تماما لمقولة أخرى، كما أن التحوّل في
الهندسة المعرفية لا يستلزم مثل هذه الاستحالة في الهوية. وشرح هذه النظرية
بحاجة الى ذكر عدة نقاط تمهيدية: الترابط الوثيق بين اضلاع العلم
الواحد ترتبط أركان العلم الواحد مع بعضها ارتباطاً متقابلاً وثيقاً، بحيث
يترك أي تحوّل في أحد أضلاع
(1) للاطلاع على شكل البرهان
في هذه الآية راجع: قراملكي، أحد. ((برهان التمانع)) (دانشنامه جهان اسلام))،
ب، ج3، طهران 1997م ـ ص296 ـ 299. (2) أشخاص مثل نويا يعتقدون أن اللغة
القريبة من القرآن بين المعارف الاسلامية كالكلام والفلسفة والعرفان و… هي
لغة العرفان. راجع: بول نويا. التفسير العرفاني واللغة القرآنية. ترجمة:
اسماعيل سعادت، مركز نشر دانشكاهي، طهران. |
العلم
وجوانبه تأثيراً على الأضلاع الأخرى. وقد يكون طرح المسائل الجديدة نافذة الى
ظهور مناهج جديدة، والمناهج الجديدة قد تستند الى مبانٍ جديدة، وربما كانت
المباني الجديدة وليدة توجهات حديثة، وتحتاج الى مصادر جديدة. وعموماً يتوفر
الباحث على صورة جديدة لموضوع علمه وأهدافه. وهذا كلام يصدق فيما يصدق على
علم الكلام. إن طرح مسائل كلامية جديدة يوسّع من دائرة موضاعات هذا العلم،
ويؤدي الى تطوّرات مختلفة في المناهج والتوجهات، وتكتسب أهداف الكلام (الدفاع
عن الأفكار الدينية على أساس صورة معينة لعلم الكلام) تفسيرا وتعريفا جديدا،
وتفصح عن أبعاد جديدة له.
لا يعني التجدد ضرورةً
أفول شيء وحلول شيء آخر محله، وإنما المراد به هنا، التحول التكاملي، حيث
يتكامل الشيء ويظهر في صورة جديدة. ومهما كان هذا التجدد جوهرياً، تبقى بين
الأمر السابق والأمر اللاحق مشتركات معينة. وهذا اللون من التجدد يعني بقاء
الملاك الذي يوحّد بين المسائل، والمناط الذي يميّزها عن باقي العلوم. ولا
يفيد التجديد بهذا المفهوم ضرورة أن تقتصر التحولات على جانب واحد من جوانب
العلم (كالمسائل مثلاً) دون أن تمس الجوانب الأخرى. التجدد في العلوم هو
التجدد في أهم أضلاعها المعرفية، من دون حصول انقلاب ماهوي في العلم. وليس
هذا أمراً ممكناً فحسب، وإنما نلاحظ حصوله في حالات كثيرة على امتداد تاريخ
العلوم الإسلامية، فالفقه والأصول علمان مهمان في الثقافة الإسلامية طرأت
عليهما مثل هذه التغييرات. وبتعبير بعض المعاصرين ((إن اختلاف)) الفقهاء ليس
فقط في المسائل، وإنما في اساليب الاستدلال، وليس فقط في المسائل، وإنما في
المباني أيضاً، وليس في المباني وحسب، وإنما في المصادر كذلك… وعليه
فالاختلافات الفقهية تشمل المصادر والمباني والفروع…))(1). وما أشير إليه
أعلاه من الاختلاف بين الفقهاء، هو في الواقع اختلاف في أحد الأضلاع المعرفية
المهمة لعلم من العلوم. لكن هذه التحولات والتطورات لا تستدعي أن يكون الفقه
فقه القدماء فقط، وما يوجد اليوم، علم آخر لا تصح تسميته فقها إلاّ من باب
التسامح والمجاز. إذن يمكن أن يتحول العلم في أضلاعه المختلفة، ويبقى ملاك
الوحدة بين مسائله على حاله دون تغيير، وكذلك مناط تمييزه عن سائر العلوم
ويكون ذلك الملاك وهذا المناط العناصر الاساسية المكوّنة لتعريف
العلم.
معنون
التجديد
حينما تواجهنا مرحلتان
من نمو العلم وازدهاره، تتضمنان لا فقط تحولات في المسائل، وإنما تغييرات في
المباني والمناهج، و…الخ، كيف يمكننا التمييز بين هاتين المرحلتين؟ يبدو أننا
إزاء قضية مفردات ومشكلة ألفاظ. ولا مجال للبحث في الاصطلاح (لا تشاح في
الاصطلاح). إحدى طرق الحل
(1) عبدالله جوادي آملي.
الكلام الجديد. ص 23. |
أن نصف
المرحلة السابقة بأنها قديمة، واللاحقة بأنها جديدة، فنقول: الكلام الجديد
والكلام القديم، والفقه الجديد والفقه القديم… . لكن هذه الطريقة تؤدي إلى
بعض الالتباس، وذلك: أولاً: كما جرى التصوّر غالباً، تُوهِم هذه الطريقة
أن كل العلم وهويته قد طرأ عليه التحوّل، بحيث إن علماً برمّته قد أفل
واندثر، وظهر علم آخر جديد تماماً، فيكون قد انقرض كلام، وولد كلام آخر.
ثانياً: ((الجديد)) حالة نسبية، لا تدل على ما يصطلح عليه المعاصرون
((التعيّن الثقافي)). فكل مرحلة من مراحل العلم جديدة بالنسبة لسابقتها،
وقديمة بالمقارنة مع لاحقتها؛ لأنه ((إذا كان معيار التجدد في قبال التقادم،
أو الجديد قبال التقليدي هو الزمن، فمن الممكن أن يظهر في المستقبل القريب أو
البعيد كلام أجدّ. فما هو الملاك أو السقف الزمني لهذه العملية يا ترى؟ إذا
كان معيار الجدة، ظهور المحاور الثلاثة الأصلية: المحتوى الجديد، والمبنى
الجديد والمنهج الجديد، فمن الضامن أن المستقبل القريب أو البعيد لن يأتي
بمسائل جديدة ومبانٍ حديثة ومناهج مستحدثة؟ وإذا حصل هذا فهل ستبقى المحاور
الحالية جديدة، وتكون المستقبلية أجدّ، أم تكون الآتية جديدة، والحالية
قديمة؟ وهكذا لن تكون لعملية التجديد ضوابط محددة))(1). والطريقة الأخرى
هي أن نصف العلماء الذين طرحوا مسائل جديدة، واستعملوا مبانٍ ومناهج حديثة،
بالمجددين والمتأخرين: ((إذن ففي الفقه نجد الاختلاف في كل من المصادر
والمباني والفروع، لكنّ أحداً لم يطلق تعابير الفقه القديم والجديد والأجدّ،
وإنما قسموا الفقهاء الى: أقدمين، وقدماء، ومتأخرين، ومتأخري المتأخرين. وبقي
الفقه فقهاً))(2). ولا شك أن هذه الطريقة أرجح من الطريقة الأولى، بلحاظ
عدم تسبيبها ايهاماً بحصول تحوّل في هوية العلم، أو حدوث انقلاب تام في
ماهيته، ولكن يبدو أن النقد الذي وجهه صاحب هذه الرؤية للطريقة الأولى، يمكن
توجيهه بكامل قوّته لطريقته التي اقترحها أيضاً (الطريقة الثانية). أي يمكن
القول: ((في هذه الحالة، من يضمن أن لا تظهر في المستقبل القريب أو البعيد
مسائل جديدة ومبانٍ ومناهج حديثة، وبالتالي يغدو المتأخرون متقدمين، أو
المتأخرون متأخري المتأخرين))(3). ثم إننا إذا أردنا استخدام مفاهيم
التأخر والتقدم أو الجديد والقديم أوالسابق واللاحق، فمن الأفضل نسبتها الى
العلم ذاته، وليس الى العلماء، فالذي يؤدي الى طروء هذه الصفة هو العلم الذي
شاده العلماء؛ لذلك يكون هذا الوصف من باب إطلاق الصفة على متعلق الشيء وليس
على الشيء ذاته. كما أن نسبية مفهوم الزمن محل إشكال في هذه الطريقة كما في
الطريقة السابقة. بيد أن هناك طريقة ثالثة هي أن ننسب الجدة الى النظام
العلمي، فنقول: نظام فقهي جديد ونظام فقهي قديم. وهذا التعبير لا يوهم بتحوّل
في هوية العلم أولاً. وثانياً هو صفة للشيء ذاته وليس
لمتعلّقه.
(1) نفس
المصدر، ص 22. (2) نفس المصدر، ص23. (3) نفس المصدر، بقليل من التصرف
ـ ص23. |
ومردّ
أطروحة النظام الكلامي الجديد الحرص على حفظ الهوية المعرفية لعلم الكلام،
وكونه واسطة بين الوحي ومخاطبيه. ثمّ إن التغييرات الهائلة التي طرأت على
مخاطبي الوحي خلال القرون الأخيرة، أدت الى تحولات في الأضلاع المعرفية لعلم
الكلام، وشهدت المسائل والأسس والمناهج واللغة الكلامية تطورات وتغيّرات لا
سبيل الى إنكارها. وقد أدرك المتكلمون وظائفهم بشكل أوضح، فأعادوا ترتيب
المسائل بما يتناسق ومبانيهم الجديدة، ومنحوا علم الكلام هندسة وبناء قشيباً
مع حفظ الهوية المعرفية لعلم الكلام. ولقد أخذ بعض المعاصرين بهذا الرأي
في تحليل التجديد الكلامي، فاعتبروا أن بالإمكان القول بتحولات في محتوى علم
الكلام ومسائله ومبانيه ومناهجه، بعيداً عن تقرير أنواع لعلم الكلام (كالقديم
والجديد والأجد). وإذا صرفنا النظر عن النقاش حول لفظ ((الجديد))، فسيكون من
المناسب مقارنة الكلام الجديد بالنظم الفقهية والأصولية. فكما أن الفقه لدى
الفقهاء المتأخرين يختلف من حيث المحتوى والمسائل والمباني والمناهج عن الفقه
عند الفقهاء المتقدمين، وله عموماً نظام معرفي آخر، فإن كلام المعاصرين أيضاً
يتفاوت عن كلام السلف، لا في مسائله وحسب، وإنما في المباني والمناهج أيضاً:
((… من المناسب أن نسلك ذات السبيل الذي سلكه كبار علماء الفقه والأصول، فمن
البيّن أن اختلاف الفقهاء ليس في المسائل وحسب، وإنما هو كذلك في المباني،
وليس في المباني والأصول والضوابط الكلية فقط، بل وفي المصادر أيضاً؛ لذلك لم
يُطرح فقه قديم وفقه جديد وفقه أجد، وإنما وُزِّع الفقهاء الى: أقدمين،
وقدماء، ومتأخرين، ومتأخري المتأخرين، وبقي الفقه فقهاً. وسواء قالوا: مسائل
كلامية جديدة، أو قالوا: كلام جديد، يبقى الأنسب أن تكون حاله كحال الفقه
والأصول، لكي تكون للتجدد ضوابطه ومقاييسه))(1). وكما هو واضح، فإن هذه
الرؤية لا تحصر تجدد الكلام في عدد مسائله، ومن ناحية أخرى لا يتمدد التجديد
الى هوية الكلام، وإنما يبقى الكلام كلاماً على كل حال. تواجهنا في تاريخ
الكلام الإسلامي أنظمة متنوعة، وجمع من هذه الأنظمة الكلامية تشتمل على مسائل
في علم الكلام (سواء نهضت الأنظمة بمهمة الإجابة الصحيحة المتطابقة مع الوحي
عن هذه المسائل أو لا) وتأسست غالبيتها من أجل الوصول الى الأهداف الكلامية
وشرح الطروحات الدينية والدفاع عنها (سواء بلغت هذه الأهداف أم لم تبلغ) وقد
ظهرت هذه النظم الكلامية الإسلامية بعرض بعضها البعض. والتنوع هنا بمعنى
التغاير، وبالرغم من هذا التغاير تعتبر جميع المنظومات الكلامية جزءاً من علم
الكلام، فيقال: كلام الشيعة، وكلام المرجئة، وكلام المعتزلة، وكلام الأشاعرة،
وكلام الماتريدية، وكلام الكرامية، و… الخ. التنوع في النظم، المطروح في
نظرية التجديد الكلامي، تنوّع طولي وليس تنوعاً عرضياً؛ لذلك كان إطلاق مفردة
((الكلام )) على الكلام التقليدي، وعلى الكلام الجديد، أقرب الى الصحة من
إطلاقها على المنظومات الكلامية المختلفة، ككلام المرجئة، وكلام الاشاعرة، و…الخ.
بالطبع، نشب نزاع بين المتكلمين السلف على حقيقة أو مجاز إطلاق لفظة
((الكلام)) على المنظومات الكلامية المنافسة، فمثلاً ينكر مؤلفو ((المواقف
والمقاصد)) أن يكون كلام المعتزلة كلاماً. إذا لم تحفظ الهوية المعرفية
للكلام في خضمّ ما يسمى بالكلام الجديد، أو إذا تغير المنحى المنهاجي
للمتكلم، وإذا لم يعد الالتزام بالوحي الإسلامي أساساً لعلم الكلام، لم تعد
مثل هذه المعرفة كلاماً؛ ولذلك سيكون ((الكلام الجديد)) في هذا الافتراض
عنواناً بدون معنون، ووصفاً من غير موصوف.
(1) نفس المصدر، ص 22 ـ 25. |
|
مفهومان متغايران للتجديد في الكلام |
|
| |
يمكن إطلاق ((التجدد)) على علم
الكلام بمعنيين متباينين، ويتسبب عدم الفرز بين هذين المعنيين في بروز الكثير
من الأخطاء والغموض. والمعنيان هما: التجدد بمثابة عرض عام، والتجدد بمثابة
وصف خاص. التجدد بالمعنى الأول لا يختص بعلم الكلام، وإنما تتسع ساحته لكل العلوم
والمعارف. وبكلمة ثانية؛ التجدد بمثابة العرض العام لا يقتضي بناءً متعيّناً
لعلم الكلام، بل يمكن أن يطرأ على جميع العلوم، فالتجدد بهذا المعنى من
ضروريات مقام تحقق العلم. والعلم ليس سوى مسائله، ومسائل العلم تدريجية
الحصول، فمسائل العلم تطرح بشكل تدريجي وتتناسق مع بعضها حول محور معيّن حتى
تغدو بمرور الوقت علماً مدوناً ظاهراً، ينمو ويتطور مع ظهور مسائل جديدة تضاف
الى العلم(1). كل مقطع من تاريخ تطور العلوم، جديد بالنسبة لسابقه، وقديم
بالقياس الى لاحقه؛ ولهذا يكتسب التجدد بمعناه هذا مفهوماً نسبياً، فكلام
الشيخ الطوسي جديد نسبة لكلام الشيخ المفيد، وكلام نصير الدين الطوسي جديد
مقارنة بكلام الشيخ الطوسي. طبعاً تبدو حركة التغيير في علم الكلام سريعة
الإيقاع إذا ما قورنت بباقي العلوم، فتطوراته تسارعت بتوافد مسائل جديدة
وشبهات متلاحقة كانت تطرح على الفكر الإسلامي باستمرار. بيد أن الكلام كباقي
العلوم يتمتع بتجدد في مقام التحقق، وهو حالة تدريجية نسبية، لكن هذا المعنى
ليس هو المقصود بالتجدد في ((الكلام الجديد))، وإنما نواجه مفهوماً خاصاً
للتجديد الكلامي نسميه التجدّد بمثابة عرض خاص. والتجدد في علم الكلام
بهذا المعنى الثاني له جذوره في تعريف علم الكلام، وهو ليس بالأمر التدريجي
أو النسبي أو ممكن الإطلاق على سائر العلوم. فالجديد فيها يسمى اليوم كلاماً
جديداً، وهذا
(1) التجديد وفق هذا المفهوم من ضروريات كل العلوم البشرية. ورغم أن
ابن سينا لم يجد في علم المنطق تحوّلاً جدّياً، لذلك رأى المتأخرين لم يضيفوا
شيئاً الى قواعد المنطق الأرسطي، ولم ينقصوا منها شيئاً، إلاّ إننا بالامكان
ملاحظة أدوار ومراحل متعددة من علم المنطق، فالمنطق السينوي ذاته المكوّن من
قسمين يعد منطقاً جديداً بالنسبة للمنطق الأرسطي ذي التسعة أقسام، كما أن
منطق القرن السابع الهجري جديد بالمقارنة الى المنطق السينوي.
|
عرض خاص. والعلوم الأخرى لا
تشترك مع الكلام في هذا التجدد. ومن الضروري الإشارة الى تعريف علم الكلام
بغية توضيح هذا المعنى (الثاني) للتجديد. علم الكلام حسب تعريفه ذو
هوية وسائطية بين الوحي ومخاطبيه. وهذه الهوية الوسائطية هي في الواقع جنسٌ، وجامع
مشترك بين جميع التعاريف الموجودة لعلم الكلام والنظم الكلامية المختلفة،
وبفضل هذه الهوية يكتسب علم الكلام تعيّنه من كلا طرفي الارتباط (الوحي
ومخاطبيه). إن الذي يقوّم هوية الكلام باعتباره كلاماً هو الوحي والتعاليم
الدينية، التي ظهر الكلام من أجل إسداء الخدمة لها. أما الذي يكوّن بناء
الكلام ويصمّم هندسته المعرفية، ويُؤمِّن تعيّنه الثقافي، فهم مخاطبو الوحي.
وبالتالي فإن الهوية الوسائطية للكلام تقيمه على ركيزتين، إحداهما ثابتة
بذاتها، والثانية متحولة باستمرار، فالوحي شيء ثابت مقدس سماوي، وعلم الكلام
هو الكفيل بعرض مضامينه على المخاطبين المتمتعين بهوية جماعية تاريخية
متحولة، وتطورات الذهن واللغة البشرية حقيقة تاريخية صارمة لا يصح
إنكارها. ويعود التعقيد في مهمة عالم الكلام الى أنه يعتبر الوحي خطاباً
عاماً يستوعب جميع البشر بكل تنوعاتهم الجغرافية والتاريخية، ويجد نفسه
مكلّفاً بالحفاظ على التخاطب وتقديم الوحي لكافة الناس بشكل يجعلهم يفهمون
تعاليم الوحي ويتقبلونها، ولا يعثرون على منافس لها أو معارض، وبهذا فالمتكلم
يرسم نظامه الكلامي بما يتناسب وأذهان ولغات مخاطبيه، وبتحول أذهان المخاطبين
يتحول النظام الكلامي. وإذا افترضنا حصول تحوّل جذري هائل ومصيري في أذهان
البشر ولغاتهم خلال حقبة معينة من التاريخ، بحيث يتغيّر نمط التفكير الإنساني
تغيّرات أساسية تشمل أجواء الأفكار ومبادئ التفكير وتوجهات المعرفة، عندها
سيجد المتكلم نفسه إزاء مخاطبين بذهنيات ولغات جديدة تماماً. وهذا ما يترك
تأثيرات عميقة على خطاب الكلام وتبييناته وبراهينه ودفاعاته وعرضه للفكر
الديني، فهي تستفزّه لمعرفة أسس جديدة وتوجهات جديدة ولغة جديدة، وبهذا تدخل
تحولات ملحوظة على الأضلاع المختلفة لمنظومته الكلامية. ومثل هذا التحوّل
واجهه المتألهون المسيحيون في الغرب كما يشير الى ذلك ((فورد)) في مقدمته
لكتاب ((المتألهون الجدد))(1). فلقد شهدت الساحة الثقافية والفكرية والحياتية
في العالم الغربي طوال القرن السادس عشر وحتى العشرين تحولات اساسية. وكانت
أبرز هذه التحولات: النهضة وتجديد الحياة العلمية ـ الثقافية، وحركة الإصلاح
الديني، وحركة التنوير، والثورة الفرنسية الكبرى، والثورة الامريكية، وارتقاء
النزعة الرومانسية، والثورة الصناعية، وتصاعد المد الوطني، وانفراط الأمة
(1) Ford. 1989, Vol1,
P1. |
المسيحية
الواحدة الى دول مسيحية اوروبية متعددة، والتطورات المذهلة في العلوم
الطبيعية الحديثة، والتقنية، والطب الحديث وفروعه التابعة، مضافاً الى
التحولات الجذرية في العلوم الإنسانية، وعلم المعرفة، والفلسفة، والادارة،
وتطورات الأدوات والخطط الحربية، ونضج المؤسسات الديمقراطية، والتقدم الكبير
في البرامج الصحية، وظهور نظام التربية والتعليم الحديث، وانتشار مفاهيم حقوق
الإنسان، و…الخ. وقد صنّف البعض التحوّلات التي شهدتها القرون الأخيرة في
ثلاثة مدارات رئيسية هي: 1ـ المعرفية. 2ـ الثقافية ـ السياسية. 3ـ
الصناعية ـ الاقتصادية(1). وقد كانت التحولات المعرفية الى حدٍّ ما رهينة
بتأملات الفلاسفة الانجليز، ثم شهدت قفزة هائلة بفضل عمانوئيل كانت، الى أن
أثمرت بالتالي على يد الفلاسفة التحليليين. إذ تأمّل الفلاسفة (الانجليز
غالباً) في قوى الادراك البشري، وجاء هيوم بأفكاره التي بدّلت ما اسماه البعض
((مُثُل بيكون ـ ديكارت))(2) إلى يأس فلسفي من تقديم نظرية نهائية تكون صحيحة
بالضرورة، الأمر الذي انتهى بالفلسفات الجزمية الى طريق مسدود. وهو طريق
مسدود لم يكن منه بدٌّ حتى لفلسفة هيوم ذاتها وما تلاها من الفلسفات الوضعية.
واعتبرت فلسفة كانت النقدية ضالة التفكير الانساني، وصارت ذريعة لخروج الفكر
باستمرار من طريق مسدود الى آخر. إن التأملات النقدية في قوى الادراك
البشري، وخصوصاً التعمق في الأخطاء المنظومية (السيستماتية) التي لابد منها
(في مقابل الأخطاء الممكنة الاجتناب) فتحت الطريق واسعاً أمام التوجهات
النقدية، مقابل النزعات الجزمية، وطرحت نمطاً جديداً من الواقعية. وقد اضطر
الكثير من المتألهين المسيحيين قبالة هذه الذهنيات والافكار الجديدة، الى
اتخاذ مواقف كلامية يمكن الدفاع عنها، وطرحوا نظريات تتناسب والتحولات
الجديدة. أما التطورات الثقافية ـ السياسية فقد سميت أيضاً حركة اليقظة
والتنوير. والمقصود من التحولات الثقافية ـ السياسية، التعاطي النقدي للانسان
مع هويته التاريخية، والذي تمخّض عن ظهور الكثير من المكوّنات الثقافية
السياسية المعاصرة، كالحرية والمشاركة السياسية، والمساواة، وحقوق الانسان،
والديمقراطية و… الخ. وعلى أساس التحولات الثقافية ـ السياسية أخذت توقعات
الإنسان المعاصر من الدين شكلاً آخر، وتغيّر تعامله مع التعاليم العملية
للأديان والحياة الدينية بصفة عامة. وقد أصبح تعاطي معظم العلماء مع تعاليم
الدين العملية (كالأخلاق الفردية والأحكام السياسية ـ الاجتماعية) تعاطياً
نقدياً تنافسياً، وكانت العلمانية والليبرالية أهم ما شغل بال المتألهين
المسيحيين بعد هذه التطورات. وربما
(1) مجتهد شبستري، محمد. هرمنيوطيقا الكتاب والسنة. ص 209
ـ 211. (2) واتكينز، جان. نظرة جديدة للعقلانية العلمية. ترجمة: الدكتور
حسن ميانداري ـ جامعة طهران ـ العدد 106 و107 ـ ربيع وصيف 1996 ـ ص 243.
|
أمكن أن
نعزو كل هذه التحولات والتطورات الى العلوم الحديثة التي جعلت من الإنسان
وطروحاته منافساً عنيداً للأديان والتعاليم السماوية. المتألهون المسيحيون
في هذه القرون لم يواجهوا ملحدين ينكرون وجود الله والانبياء والمعاد، وإنما
واجهوا أناساً طرحوا أنفسهم منافسين لتعاليم الأديان، وتحدثوا عن غربة البشر
في محاربة الدين، وهم ما نسمّيهم بـ ((رسل العلمانية)). إن منافسي
المتألهين المسيحيين في هذه الأعصار زعموا من ناحية حَمْلَ رسالة انقاذ
البشرية الشبيهة برسالات الأنبياء، وطرحوا إيديولوجيات إصلاحية للمجتمعات
البشرية. ومن ناحية أخرى نادوا بالانقطاع عن السماء والاستغناء عن التعاليم
الدينية، خلافاً للانبياء والرسل الذين بشّروا بنجاة الانسان وسعادته
الأخروية عبر العبودية المخلصة لله. ولقد كان تعبير ((رسل العلمانية)) وصفاً
واضحاً لشخصيات معروفة، مثل: أوغست كونت، وفرويد، وماركس، ونيتشه، وسارتر،
وغيرهم. إن التفاسير التي قدّمها أمثال: فويرباخ، وماركس، وفرويد،
وواطسون، ونيتشه، وغيرهم للحياة والأفكار الدينية، شكّلت نماذج من منافسة
الايديولوجيات المنقطعة عن السماء لتعاليم الرسالات الدينية المقدسة، وهم
منافسون لم يروا المعتقدات الدينية باطلة وحسب، وانما اعتبروها ضارّة، ودعوا
بكل جرأة إلى إلغائها من حياة البشر، ووصموا مستقبل الأفكار والحياة الدينية
بأنه ((مستقبل وهم)) ونادوا من أجل إنقاذ الأخلاق بفصلها عن
الدين(1). الصنف الثالث من التحوّلات الحديثة، هي إنجازات الانسان على
صعيد تسخير الطبيعة والتصرّف فيها، فقد أحرز الانسان المعاصر طوال القرون
الأخيرة مكتسبات واكتشافات علمية مدهشة مهدت له الطريق الى تطوير هائل في
العلوم التجريبية، تمخّض عن تحوّلات لا سابق لها في الصناعة والاقتصاد
واساليب الحياة المختلفة. إنها تحولات غيّرت البنية الاجتماعية بالكامل،
وانتقلت بها من الشكل البسيط الى شكل نظام معقد يضم مؤسسات وتشكيلات عديدة،
وكانت ((الحداثة)) الثمرة النهائية لكل هذه التفاعلات، وأصبحت محاولات
التوفيق بين التديّن والحداثة على الصعد الفردية والاجتماعية المختلفة من أهم
المشاغل الفكرية للمتألهين المسيحيين في العصر الحاضر. ما ينبغي الالتفات
إليه بخصوص التحولات المذكورة في الحضارة الغربية المعاصرة، هو أنها تكوّنت
على شكل مجموعة متلائمة ومنظّمة، فقد أثرت كل واحدة منها على الأخرى، وتأثرت
كل واحدة منها بغيرها. وما حدث لم يكن انهياراً في أحد أجزاء بناء الحياة
الغربية، عمد الانسان الغربي الى ترميمه وتعميره محافظا على باقي الأجزاء
وعلى الهيكلية العامة لحياته، وإنما انهارت جميع الأجزاء وبشكل يستحيل معه
الترميم؛ لذلك لم يكن مفر من تشييد صرح جديد. وأهم معضلة تواجه الإلهيات
المسيحية المعاصرة في هذا الخضم، تتبلور في السؤال: كيف يمكن ترتيب دور ومكان
للأفكار الدينية داخل هذا الصرح الجديد وربطها بباقي أجزائه
واقسامه؟ والواقع أن هموم الحفاظ على الطابع الديني للعصر، دفعت المتأله
المسيحي صوب قضية عصرنة الدين، فكيف يمكن عرض التعاليم الدينية في العصر
الحاضر بحيث تحفظ قدسيته ونقاءَه من جانب،
(1) فرويد، سيجموند. مستقبل وهم. ترجمة: هاشم رضي ـ 1963م، طهران.
|
|
ويكون
مقبولاً في العالم المعاصر من جانب آخر؟ وجد المتألهون المسيحيون سبيل الوصول
الى هذا الهدف في إعادة بناء الفكر الديني، وعلى هذا النحو ولدت الإلهيات
الجديدة التي يصح اعتبارها إعادةً لبناء الفكر الديني في العالم المسيحي، وهو
الأمر الذي حتّمته التحولات الأساسية التي شهدتها القرون الأربعة الأخيرة في
الغرب.
| |
الكلام الإسلامي والتطورات الجديدة |
|
السؤال الذي يطرح على
المتكلمين المعاصرين هو؛ هل التحولات الجذرية التي طرأت على الحضارة الغربية
خلال القرون الأخيرة، وأدت فيما أدت الى ولادة إلهيات حديثة، يمكن سحبها على
العالم الاسلامي عموما، والثقافة الاسلامية بوجه خاص؟ وإذا كان ذلك ممكناً،
فهل ستكون آثار التحولات المذكورة في الثقافة الاسلامية ذات الآثار التي
تركتها في الثقافة المسيحية؟ وعلى افتراض هذا، هل ستكون المنظومة الكلامية
الجديدة كالإلهيات المسيحية الحديثة؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة هناك
احتمالات متعددة يمكن تصوّرها: أولاً: لا يمكن لأي تحول جذري يحدث في
الغرب، أن يعيد نفسه في المجتمعات والثقافة الإسلامية. ثانياً: التحولات
الغربية في القرون الأخيرة كانت بدعة وانحرافاً عن المسار الصحيح للتفكير
والحياة الفطرية الانسانية، وهي بمثابة كارثة مروّعة بالإنسانية سواء في
الغرب أو الشرق، والموقف الصحيح منها الإعراض واللامبالاة، دون السعي
لمواجهتها والتصدي لها. ثالثاً: لا مفر من هذه التطورات، كما لا عيب فيها
ولا شرور، لذا ينبغي التحرّك لاستقبال هذا الضيف، والقبول بالحداثة وبما بعد
الحداثة، والتكيّف مع هذه الظواهر، والعمل على عصرنة الدين. رابعاً:
التحولات المذكورة حقيقة واقعة، والعصر الحديث موجود فعلاً، ولابد من أخذه
مأخذ الجد، واعتبار مهمّة طبع العصر بطابع ديني من أول واجبات المتكلم
المعاصر. ولاشك أن الكلام المعاصر يتشكل على أساس أحد هذه الفروض الأربعة
(أو الى أي افتراض يستند اليها). والموقفان الأولان يجهضان محاولات الكلام
الجديد لحل المعضلات، بسبب إلغائهما للمشكلة بدل السعي لحلها، فهما إذن
يحولان دون بلوغ المتكلم أهدافه. والموقف الثالث بدوره يفرغ الكلام المعاصر
من هويته بسبب استسلامه التام دون قيد أو شرط أمام الحداثة، ويلغي ضرورة
الالتزام بالوحي، ويفضي الى نمط انتقائي من الفكر الديني، أو أنه يمسخ
التعاليم الدينية الى منظومات فلسفية. والظاهر أن الموقف الأخير هو القادر
على حفظ الالتزام بالوحي وصيانة الهوية الوسائطية لعلم الكلام، وتثبيت قدسية
الوحي وحاكمية الدين واقتداره في عالم الحداثة وما بعد الحداثة. ثم إنه
الموقف الوحيد الذي يبدو متمكنا من العمل على تلوين العصر الحديث بصبغة
دينية، ففي إطار هذا الموقف يجهد المتكلم المعاصر لفهم التحولات الأخيرة
فهماً عميقاً وإدراك كنهها وتحليل مستلزماتها وركائزها وآثارها، واستقصاء
المسائل الكلامية الجديدة، والمعرفة بالمباني الحديثة والتوفر على اللغة
والمناهج المناسبة. |
ويستلزم
تبنّي الموقف الأخير تجديداً شاملاً مختصاً بعلم الكلام(1)، ودالاً على
هيكلية معينة لهذا العلم وتحولات محددة فيه. والكلام الجديد بهذا المعنى
مسبوق بتحولات معينة، ومطبوع بتعيّن ثقافي خاص. والحقيقة أن تأسيس مثل هذا
الكلام ليس بالعملية السهلة، ولا هو أمر فجائي الحصول، وإنما يحتاج الى مساعٍ
متظافرة محفوفة بأنواع الأخطار والآفات، وبحوث مُشبَّعة بالاختبارات
والأخطاء، وشجاعة تستند الى أساس متين من الدقة. والنتيجة هي أن المعرفة
العميقة بضوابط الوحي (القرآن والسنة االشريفة) في كل أبعادها، والاطلاع
الواسع على العالم المعاصر، شرط لازم لتأسيس مثل هذه المنظومة
الكلامية.
| |
القسم الرابع: الأضلاع المعرفية في الكلام
الجديد |
|
وفقاً للتحليل الذي
قدمناه للكلام الجديد، فإنه لا يتفاوت من حيث هويته المعرفية عن الكلام
التقليدي، إلاّ أنه يختلف عنه بلحاظ الهندسة المعرفية. الكلام الجديد كالكلام
القديم واسطة بين الوحي ومخاطبيه، وعامل على تيسير ارتباط الناس بالوحي بصفته
برنامجاً تعليمياً دعوياً للدين. إنه العلم الذي يقدم لمخاطبي الوحي تعاليمه
والايمان المبتنى على هذه التعاليم بشكل واضح منظّم يتسم بالمعقولية. إذن،
لا يختلف الكلام الجديد في هويته الوسائطية عن الكلام التقليدي، كما لا يختلف
عنه في اختلافه واستقلاله عن كل الأبحاث والعلوم الدينية الأخرى. والذي
يمايز الكلام الجديد عن التقليدي، اضلاعه المعرفية. وسبب هذا التمايز
التطورات التي طرأت على أذهان ولغات مخاطبي الوحي. التحولات الثلاثية المحاور
التي ظهرت في مجالات المعرفة، والثقافة، والسياسة، والصناعة والاقتصاد في
المجتمعات الغربية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي اعتبرناها
الصُعُد الرئيسية الممهِّدة للتحولات في الإلهيات المسيحية، تتواصل اليوم
بسرعة أكبر وأبعاد أوسع، وتؤدي باستمرار الى تغييرات عميقة في أذهان ولغات
وحياة البشر. جرّب الانسان في القرون الأخيرة ثورتين كبريين، غيّرت كل
واحدة منهما افكاره وحياته تغييرات شاملة عميقة: الثورة الأولى هي الثورة
الصناعية التي أطلقت أيدي الإنسان للتصرف في الطبيعة من خلال تطوراتها
العلمية والتقنية الهائلة، وغيّرت علاقة الانسان بالطبيعة تغييراً تاما.
والإنسان الذي كان يعتبر الطبيعة عظيمة مرعبة غامضة ولا يمكن الوصول إليها،
هو اليوم يسخّرها كما يسخّر العبيد؛ ولهذا تصوّر أن بإمكان العلوم والصناعات
المتطورة الكشف عن جميع اسرار الطبيعة وتذليل كامل قواها، وبالتالي مَحْق
جميع المتاعب والآلام الإنسانية. الثورة الصناعية غيّرت نظرة الانسان الى
نفسه والى بيئته والى الآخرين، ووضعت نصب عينيه
(1) مرد كون التجدد بهذا المعنى
خاصاً بعلم الكلام هو كما أشرنا الى أن قابلية التجدد في علم الكلام تكمن في
هويته الوسائطية، أي كونه واسطة بين أمر ثابت بالذات هو الوحي، وأمر متحول
على الدوام هو أذهان ولغات البشر؛ ولذلك فهو يقبل التجديد تبعاً للتحولات
التي تطرأ على ذهنيات وأفهام ولغات البشر. |
|
مفهوما
جديدا للحياة، وبهذا ظهرت ((الحداثة)) بكل مستلزماتها وآثارها ـ من التنوير
وحتى العلمانية ـ فإذا كان الانبياء العظام أصحاب رسالات منزلة بواسطة الوحي
تبشر بنجاة الإنسانية وفلاحها، فإن بعض البشر في عصر الحداثة زعم بحمل ما
يشابه هذه الرسالات، ونادى بفلاح الانسان بعيداً عن إعتبارات العالم الآخر،
بل حصر اهتمامه بالسعادة الدنيوية. ومثل هذا التنافس مع الأنبياء العِظام لا
سابق له في تاريخ البشرية، وهو أمر أوجد للمتكلمين مسألة جديدة
تماما. والثورة الثانية هي التحولات المتسارعة والمستمرة في تقنية
الاتصالات التي ألغت الفواصل بين البشر، الفواصل التي بدت قبل ذلك غير ممكنة
الزوال، وقاربت بين الحضارات، وأفصحت عن أسرار الحضارات وخباياها، وقارنت بين
التعيّنات الثقافية، والصور العقيدية، واشكال التدين، وأخضعتها جميعا للنقد.
وأوجدت أجيالاً متعددة العناصر، وثقافات متعددة الأصوات، وحوّلت العالم على
رحابته وسعته الى قرية صغيرة. وإذا كانت الثورة الصناعية قد وزّعت الأمة
المسيحية الواحدة الى دول اوروبية متعددة، فإن ثورة الاتصالات أعادت الدول
الأوروبية الى الاتحاد، وتشكلت تدريجيا القرية العالمية الواحدة. وإذا
أثمرت الثورة الصناعية ((الحداثة))، فقد تمخضت الاتصالات المتطورة عن ((ما
بعد الحداثة)). وإذا كان علم المعرفة النقدي الكانتي ـ البوبري، باعتباره أحد
مستلزمات الحداثة، قد أوجد تحولات عميقة في فهم العقلانية والعلاقة بين الدين
والعقل، فإن الفوضوية المعرفية لدى أمثال فايرابند، والافكار القومية لأضراب
بول واطسون، خلقت فضاء جديداً تماما لأذهان مخاطبي الأديان في الوقت
الحاضر. والمتكلم الذي يرى دوره في إشاعة وتعليم رسالة السماء، بعدما واجه
ظاهرة رسل العلمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، يجد نفسه اليوم أمام
ظاهرة أفظع وأخطر، هي أن ((كل إنسان رسول نفسه)). وإذا كان في عصر الحداثة
يعالج مشكلة تهرّب البشر من النزعات المعنوية، فإنه اليوم يواجه أوبة البشرية
الى النزعات المعنوية. وقد أوجدت هذه العودة الى المعنويات تعقيدات كثيرة
في برامج الترويج للدين وإشاعة التعاليم السماوية. الكلام القويم في العصر
الحالي يحتفظ من ناحية بهويته الوسائطية ودوره الدعوي. ومن ناحية ثانية لابد
أن يعتمد أدوات ومبانٍ ولغة ومنهجية جديدة، تواكب التحولات المعقدة لدى
مخاطبي الوحي. وهذا ما يتوقف على أمرين: الأول، التحول في كافة أضلاع علم
الكلام، والثاني، قراءة جديدة وإعادة بناء شاملة للمعرفة الدينية. ومما يوضح
أبعاد هذا الطرح أن نقيم مقارنة بين كتاب ((مدخل الى الرؤية التوحيدية
للعالم)) للشهيد مرتضى مطهري، الذي كتبه دون شك بهدف تقديم برنامج متماسك
لترويج الدين وتعليمه بأدوات تواكب العصر، وبين أي واحد من الكتب الكلاسيكية
القديمة في علم الكلام. وللمثال نقول: إن مبحث الإيمان في الآثار الكلامية
التقليدية مبحث فرعي جداً، يُطرح ضمن مبحث |
المعاد
ومشكلة الثواب والعقاب بصورة استطرادية. ومبحث الانسان كذلك لا يرد إلاّ في
بعض المصادر الكلامية بشكل ضمني. في حين نجد في المنظومة الكلامية للشهيد
مطهري أن مبحثي الانسان والايمان يستقران في المقدمة ويقفان في طليعة عناصر
برنامجه الرامي الى تعليم الدين وترويجه. لقد اكتسب علم الكلام اليوم هوية
تنتسب الى الفروع الوسيطة، بسبب أن المسائل الكلامية المعاصرة مسائل متعددة
الأصول، وتكرّس علم الكلام في ارتباط متقابل مع سائر فروع البحث الديني، فهذه
الفروع في الوقت التي نحتت للكلام مسائل جديدة، ساعدت من ناحية أخرى على
إثرائه بأدوات وأسس جديدة. إن الهوية الكلامية المتشابكة مع باقي العلوم تؤدي
فضلاً عن تخصص المتكلم في فهم النصوص الدينية، الى إلمامه بعلوم الفيزياء
والمعرفة والأخلاق والاساطير والاجتماع والنفس و… الخ، مما يمكّنه صياغة علم
الكلام على أساس تحاور وتبادل لوجهات النظر مع باقي العلماء، فكيف يتسنّى
للمتكلم بدون الاطلاع على باقي العلوم إطلاق آراء واضحة حول التدين وأشكاله
ومصادره وظروفه، تقع موقع القبول في الذهنيات العارفة بمعطيات العلوم
المختلفة. إن دراسة الفروع العلمية المختلفة تعد من أهم أضلاع الكلام
المعاصر ذات التأثير في تشكيل الهندسة المعرفية للكلام الجديد، فبهذا التوجه
نُدخِل في الحساب مناهج متنوعة ومبانٍ مختلفة ولغات عصرية مؤثرة. وقد اهتم
السلف أيضاً بالاطلاع على الفروع العلمية المختلفة، وأدركوا ضرورة هذه
الممارسة. ونعتقد أن ((تعالي)) الحكمة الصدرائية وليد اهتمامه الذكي بدراسة
الفروع المتنوعة في مسائل الإلهيات(1). وطبعاً ثمة فاصلة شاسعة بين مستوى
العلوم الدينية في زمن صدر المتألهين وبينها في الوقت الحاضر. لقد اكتسب
المتكلم اليوم أدوات ومقدمات جديدة تتدخل في جميع شؤونه المعرفية كفهم وشرح
تعاليم الدين، وتقديم الايمان الديني، واثبات صحة الطروحات الدينية وغير ذلك،
فهو يتحرك أحياناً بخطىً ظاهراتية، وتارة يتحدث بلهجة تاريخية، وفي أحيان
أخرى ينقد التحليلات النفسية بأدوات عصرية، ويشيد نهاية من كل هذا نظاماً
معرفياً جديداً.
| |
القسم الخامس: إشكاليات منهجية في الفكر الكلامي
المعاصر |
|
من أساليب تقييم الفكر
الكلامي المعاصر التدقيق في مزالقه وآفاته المنهجية. وفي هذا البحث سنناقش
الفاصلة العميقة بين الكلام المحقق والكلام الحديث، حسب الهندسة
المرسومة. التفكير الكلامي عرضة للزلات والآفات من جهات مختلفة شأنه شأن
باقي العلوم البشرية. وهناك ثلاثة أسباب لاعتبار المزالق المنهجية أهم ما
يتعرض له علم الكلام من مزالق؛ أولاً بسبب أهمية المناهج في العلوم بشكل عام.
وثانياً؛ بسبب التنوع المنهجي في علم الكلام. وثالثاً؛ لأهمية القضية في
تكوين منظومة كلامية حديثة. ويمكن تسجيل نوعين من المزالق المنهجية يقع
فيها التفكير الكلامي: المزالق الفكرية العامة، والمزالق الخاصة بالفكر
الكلامي. ومن أبرز الأخطاء والمزالق العامة التي تواجه عالم الكلام المعاصر،
حصر الاهتمام بالتوجهات المباشرة وإغفال التوجهات الأخرى، والإفراط والتفريط،
(1) انظر: قراملكي، أحد.
توجهات الفروع العلمية والتعيّن المعرفي للفلسفة الصدرائية. مقالات ودراسات ـ
العدد 63، 1999م. |
والتعميمات الخاطئة الناتجة عن اعجاب المفكر بابداعاته الخاصة، وأخذ
وجه من وجوه الشيء بدل كنهه، والخلط بين الدليل والعلة، ومغالطة اعتبار ما
ليس بدليل دليلاً، والمزج بين الواقع وتفسيره. بيد أن ما نريد مقاربته في
هذه الصفحات هو بعض الآفات المنهجية الخاصة بالفكر الكلامي المعاصر(1).
والملاك في انتقاء الآفات هو الأغلال التي تقعد الكلام المعاصر عن طرح
ومعالجة المعضلات الكلامية. ويبدو أن ثمة أربع آفات أساسية تهدد الفكر
الكلامي المعاصر، وعلاجها من شروط تشييد علم الكلام الجديد،
وهي:
1 ـ النزعة
التقليدية:
هناك عوامل عديدة دفعت
بعض المتكلمين المعاصرين الى الإفراط في الانحياز للماضي وللافكار
الكلاسيكية. إن المعرفة بالفكر التقليدي وماضي المسائل الكلامية من الشروط
اللازمة لتأسيس نظام كلامي جديد، إلاّ أن التأكيد المفرط عليها، يحول دون
تعاطي المتكلم وتفاعله مع القضايا الكلامية المعاصرة، فالمعرفة بالمسائل
الجديدة في علم الكلام شرط لازم لعرض الايمان الديني والدفاع عن طروحات الوحي
في العصر الحاضر. ونجاح المتكلم في التواصل مع الذهنيات المعاصرة من أبرز
مقومات هويته، فالكلام بحسب تعريفه ذو هوية وسائطية، ومهمّة المتكلم المعاصر
تقديم الايمان وتفهيم الفكر الديني لمخاطبيه العصريين، وفهم شبهاتهم الكلامية
المعاصرة. وحصول هذه الحالة منوط بالتعاطي الجاد مع العصر الراهن، والمعرفة
المعمّقة بأبعاد تحولاته وتطوراته. النزعة التقليدية تحجز المتكلم عن
الوعي بالعلم الحديث وملابساته واعتباراته، وتجعله يرى الشبهات الكلامية
الجديدة، شبهات فارغة وشيطانية وعديمة الأهمية، ولا يجد تفاوتاً بين أذهان
المعاصرين وبين نمط التفكير التقليدي. وللنزعة التقليدية اشكال مختلفة:
شكلها الصريح عدم الإقبال على المسائل الكلامية الجديدة، ومعارضة كافة
المباحث الحديثة في علم الكلام. ومثل هذا اللون من التقليدية نجده لدى من
يعتبرون الكلام الجديد صراحةً، عبارات خالية من المضمون وعناوين بدون معنون.
فهم بالتالي ينكرونه من باب ((الناس أعداء ما جهلوا)). أما شكلها المضمر
فيتمثل في الإقبال على المسائل الكلامية الجديدة دون الالتفات الى المباني
والتوجهات والمناهج المناسبة لها، فإذا كان الاهتمام بالمسائل الكلامية
الجديدة غير مرتكز على وعي صحيح بالتحولات الحديثة، ولا يقوم على معرفة واسعة
بالعالم المعاصر، فسيكون جهداً ضائعاً وبحثاً لا طائل من ورائه؛ لأنه سيبقى
بعيداً عن التواصل والتخاطب مع المعاصرين وذهنياتهم المعاصرة، بحيث يجد
النقاد إشكالاتهم ما تزال قائمة ولا من يجيب دعوتها. ثمة عوامل مختلفة
تؤدي الى النزعة التقليدية في علم الكلام المعاصر، منها: أ ـ عدم الاطلاع
على ابعاد ومستلزمات التحولات الجذرية في القرون الأخيرة على صعيد الافكار
(1) للبحث في المزالق الفكرية
العامة انظر: قراملكي، أحد. ستار الوهم. طهران 1999م، ص 164 ـ 200، تحليل
الغفلة في ضوء الخطبة رقم 174 من نهج البلاغة. |
والحياة
الإنسانية. ب ـ الحرص على النقاء الديني والاحتراز الشديد من كل أنواع
الالتقاط، والقراءات الدينية المستندة الى مفاهيم فلسفية وعلمية
حديثة.
ج ـ التفكير المنغلق،
والاعتزال الثقافي، والركون الى السلامة والبحث عن الأسهل، وبالتالي تقليد
السلف، الذي هو بحد ذاته من الآفاق الفكرية العامة. التقليديون لا يدركون
عادة حقيقة تاريخية تقول: إن عظماء من امثال الشيخ الطوسي ونصير الدين الطوسي
لو أرادوا أن يكونوا تقليديين ويعتبروا أفكار أسلافهم مقدسة لا تقبل النقد،
ويمتنعوا على هذا الأساس من تشييد نظام كلامي جديد، لما وصل لنا اليوم تراثهم
الكلامي الحافل. إن السلف الذين يرى التقليديون اليوم أفكارهم خطوطاً حمراء
لا يمكن تجاوزها، كانوا في الغالب نقّاداً ملحّين لأفكار اسلافهم، ومؤسسين
مبدعين لمنظومات كلامية جديدة (في وقتها). وقد عرفت عن الشيخ المفيد ملاحظاته
النقدية على ((الاعتقادات)) للشيخ الصدوق. وكذلك الحال بالنسبة لابداعات
اشخاص مثل نصير الدين الطوسي وابن ميثم
البحراني.
2 ـ معاكسة الماضي:
وهي
النزعة التي تقف في مقابل النزعة التقليدية من حيث موقفها من التراث، فإذا
كانت التقليدية نزعة إفراط في تبنّي الماضي وعدم الخروج عنه، فإن نزعة معاكسة
الماضي أو (اللاتقليدية) سارت في طريق التفريط بالتراث. وقد أدى التركيز
الفائض على التجديد الى غفلة بعض المفكرين المعاصرين عن الأفكار القديمة،
فدفعهم الشغف بالحداثة والجديد الى معارضة كل ما هو قديم، واعتبار نتاجات
السلف غير ذات قيمة بالمرّة. واللاتقليدية حصيلة ظروف مأزومة، ونتيجة
مؤثرات شخصية واجتماعية متعددة. وقد كانت النزعة التقليدية بحد ذاتها من
العوامل المهمة في ظهور حمّى معاكسة الماضي، والانهزام الثقافي واحد آخر من
هذه العوامل. وتسببت هذه النزعة في ظهور العديد من الآفات والتشويهات على
مسرح الثقافة المعاصرة. ويمكن بحث آفة اللاتقليدية في الفكر الكلامي على
مدارين: الأول التفريط بالنقاء الديني، وتأويل الأفكار الدينية وفق الآراء
الحديثة. والثاني عدم الاطلاع على المسائل الكلامية الجديدة والفشل في
معالجتها. ذلك أن معرفة الحال في ضوء الماضي من الممارسات المهمة جداً في
معرفة مسائل الكلام الجديد، ثم إن المعرفة بتجارب الماضين في تعاملهم مع
القضايا الكلامية يساعد كثيراً في اكتشاف المناهج الصحيحة لتحليل المسائل
المطروحة. لا يصح اعتبار الكلام الجديد منقطعاً عن التفكير الكلامي
التقليدي، فالكلام الجديد كسابقه يمتاز بهوية معرفية وسائطية، ولا يختلف عنه
اختلافاً أساسياً من حيث كونه كلاماً. هذا من حيث التعريف ومن حيث التحقق فهو
احدى المراحل التكاملية للكلام التقليدي. بعض البحوث التي تطرح تحت يافطة
الكلام الجديد تتبنّى نمطاً من الانقطاع عن الماضي، يتصوّر
|
معه
الطلبة الجامعيون أن الماضين لم تطرح لديهم أساساً مثل هذه القضايا
والاشكاليات. في إطار مبحث ((الايمان)) مثلاً، والذي يطرح اليوم في بعض
الدروس الكلامية الجديدة، من العجيب حقاً أن نجد اشارات عديدة ونظريات جديدة
مشهورة وغير مشهورة، في حين لا تذكر آراء الماضين حول الموضوع، أو تبحث مسألة
لغة الدين بدون التنويه بطروحات السلف من علماء الأصول والمتكلمين والعرفاء
المسلمين التي تلامس هذه القضية. إن طرح آراء الماضين في المسائل الكلامية
الجديدة من شروط البحث المنهجي المستند الى عملية المقارنة التاريخية، إلاّ
إذا كانت هناك مسائل لم تكن مطروحة أساساً في الماضي. وللنزعة اللاتقليدية
مراتب مختلفة، من مراتبها تخطئة الماضين وتسخيف آرائهم في المسائل الكلامية
الجديدة، والمرتبة الأخرى السكوت عن آرائهم وإهمالها، ومن مراتبها أيضاً
إصدار الأحكام الاعتباطية غير المدروسة حول الأفكار التقليدية. والمراد
بالأحكام الاعتباطية، تلك التي تصدر على أساس معرفة إجمالية بسيطة بمقطع معين
من تاريخ الفكر الكلامي، أو بالاستناد الى عدد محدود من نتاجات السلف
(النتاجات المطبوعة مثلاً) وقد أشرنا في القسم الثاني من هذا البحث الى نماذج
من هذه الأحكام. المتكلمون المعاصرون لا يبدون اهتماماً لائقاً بالتراث
الكلامي الزاخر، وحتى أصحاب النزعة التقليدية أيضاً يماثلون أضدادهم في هذا
الاهمال! وهناك شواهد عديدة تثبت هذا الادعاء، فالكثير من المؤلفات الكلامية
للسلف ما تزال مخطوطة، لا سبيل للباحثين إليها. وما يزال الكثير من المتكلمين
المؤثرين في التاريخ غير معروفين ولا يجري لهم ذكر مناسب في المحافل العلمية.
وهناك العديد من المسائل الكلامية لا يزال تاريخ ظهورها وتطوراتها مجهولاً،
ومعنى هذا أن المتكلمين المعاصرين لا يتعاطون بطريقة منهجية بنّاءة مع
أسلافهم، في حين أن تخصيب الكلام المعاصر بحاجة الى مثل هذه التوجهات البحثية
في التراث الكلامي.
3 ـ الخلط بين الكلام الجديد
والالهيات المسيحية الحديثة:
الكلام
الاسلامي والالهيات المسيحية منظومتان عقيديتان متفاوتتان أساساً. والتثنية
في التسمية مؤشر على ثنائية المسمّى. فالمبنى في المنظومة العقيدية لدى
المسلمين هو التلقّي عن الوحي. والوحي كلام الله مع البشر، وظهور الله للناس
يتم من خلال كلامه معهم. وعلم الكلام هو المعرفة الوسيطة بين الوحي (كلام
الله) وأذهان المخاطبين. أما في الرؤية المسيحية فالوحي هو ظهور الله ذاته
للبشر. ونظريّة التجسّد والوجود التاريخي للوحي بين المسيحيين (الوحي الخاص)
من أسس العقيدة المسيحية المهمة. وعلى هذا الأساس تسمى الواسطة المعرفية بين
الوحي (الله ذاته) وأذهان ومدارك المخاطبين، بعلم الالهيات أو
الالهيات. وتبدو معرفة المتكلمين المعاصرين بالالهيات المسيحية الحديثة
مهمة لما يلي: أولاً: ظهرت التحولات الجذرية التي أشرنا إليها، في رقعة
تدين بالدين المسيحي. والكثير من
|
المسائل
الكلامية الجديدة مسبوقة ومصبوغة بالفكر والتقاليد المسيحية، حتى أن الجهل
بهذه التقاليد والافكار يحرم الباحث من الاحاطة بكل جوانب المسألة، فكيف يمكن
يا ترى التوفّر على وعي عميق بمسألة العلمانية من دون المعرفة بالفكر
التقليدي المسيحي في القرون الوسطى؟ ثانياً: بسبب التاريخ الطويل لتجارب
الالهيات المسيحية الحديثة مع تحولات العالم الغربي من القرن السابع عشر الى
التاسع عشر، فقد تضمنت هذه الالهيات وجهات نظر متعددة في دراسة المسائل
الكلامية الجديدة، فتاريخ قرن كامل من التأمل في المسائل المستحدثة نقلهم من
مرحلة اتخاذ المواقف المتسرعة الى مرحلة التنظير والمناقشة العميقة، فطرحوا
نظريات تحتوي طبعاً مواطن ضعف وقوة مختلفة. ثالثاً: يحتاج المتكلم
الاسلامي الى اطلاع جيد بالالهيات المسيحية، لاتخاذ موقف دقيق من مسائل مثل:
الالهيات العامة لكل الأديان، وماهية التجربة الدينية، وتشييد كلام اسلامي
موجّه للأديان الأخرى. إن التضلّع في تجارب المتألهين المسيحيين في
مواجهتهم للمسائل الجديدة، والتبحر في أساليبهم وحلولهم للمعضلات الجديدة،
وإمعان النظر في مستويات نجاحهم ونقاط الخلل والقوة في آرائهم، هي بمثابة
أدوات مفيدة جداً للمتكلم المعاصر، بل وضرورية حتماً لاستكمال مقوماته
العلمية. غير أن الاقتصار على الاهتمام بنتاجات وتجارب المتألهين المسيحيين
يستتبع بروز آفات عديدة تؤدي بالتالي الى عقم الفكر الكلامي، فلا مسائلهم هي
بالضبط مسائل الكلام الاسلامي، ولا أجوبتهم عن المسائل هي بالضرورة صحيحة
وناجعة وفق التعاليم الاسلامية. إن وجه الاشتراك بين الكلام الجديد
والالهيات الحديثة يكمن في هويّتيهما الوسائطية بين الوحي ومخاطبيه، ووجه
الاشتراك هذا يستوجب الكثير من المواقف المشتركة، لكن ماهية الوحي والنظام
المعرفي القائم عليه لدى المتألهين المسيحيين يختلف عن المعارف المبتنية على
الوحي لدى المسلمين، وهذا الاختلاف يتمخض بطبيعة الحال عن تباينات كبيرة في
المنهج والمباني والأجوبة.
4 ـ الخلط بين الكلام الجديد
وفلسفة الدين:
من المزالق المنهجية
المهمة في علم الكلام الجديد عدم التمييز بينه وبين فلسفة الدين(1). إن
العلاقة بين الكلام الجديد وفلسفة الدين تبدو غامضة من عدة جهات، فمن ناحية
لا تخلو هوية الكلام الجديد في مقام التعريف، من جوانب غامضة، كما أن الهندسة
المعرفية لهذا العلم الجديد في مقام التحقق، لم ترتسم بوضوح لحد الآن. ومن
ناحية أخرى تزيد الصور المتعددة لفلسفة الدين من غموض القضية، ويعود جزء مهم
من هذا الغموض الى حداثة هذين الفرعين المعرفيين. وهذا ما يدل عليه العدد
(1) لمزيد من
التفصيل راجع: ـ فلسفة الدين (ندوة) مجلة قبسات، العدد 2 ـ شتاء 1997 ـ ص
22 ـ 35. ـ قراملكي، أحد. ((توضيحات حول مميزات الكلام الجديد عن فلسفة
الدين)). نفس المصدر، ص 54 ـ 59. - Adler Mortimel and Coin Seymor, Religion
and Theology, Newyork, 1961. |
القليل
من الكتب والمؤلفات التي ظهرت عن الكلام الجديد وفلسفة الدين باللغة
الفارسية، أو التي ترجمت إليها. وهو غموض لا يعاني منه طلبة العلم وحسب، بل
وحتى الباحثون والاساتذة، فثمة بحوث يعتبرها أحد الدارسين جديرة بعنوان
فلسفة الدين، لكنّ باحثاً آخر لا يرى ذلك. وفي البحوث التي تنشر تحت عنوان
الكلام الجديد، يمكن ملاحظة صور مختلفة لماهية الكلام الجديد وهندسته
المعرفية بعدد هذه البحوث(1). ولهذا توجد آراء متفاوتة بخصوص طبيعة
العلاقة بين الكلام الجديد وفلسفة الدين: ((... ولذلك يسمى الكلام الجديد
أحياناً فلسفة الدين، وفلسفة الدين اليوم ذات مفهوم أعم يشمل الكلام القديم
والكلام الجديد بجانب بعضهما...))(2). وان ((ما نسميه كلاماً جديداً، يسميه
المتكلمون الغربيون فلسفة الدين))(3). وقد يؤدي الغموض المضاعف في مسألة
التمايز بين فلسفة الدين والكلام الجديد الى أن يكون طرح المسألة غير مفيد
وغير ضروري. وغالباً ما يقال: ((من المناسب بدل البحث في ماهية هذين العلمين
والتمييز بينهما، أن تطرح وتبحث مسائل معينة في الكلام الجديد وفلسفة الدين،
ليمكن تشخيص شأنيهما في مقام العمل)). وهذا الرأي قمين بالتمعّن والتدقيق
لعدة أسباب: أولاً: حال طالب العلم المشتغل بالبحوث الكلامية والدراسات
الدينية من دون الاطلاع على الشأن المعرفي للكلام الجديد أو فلسفة الدين،
كحال من يريد السباحة، فيلقي نفسه في البحر من دون أن يعلم عرضه وطوله وعمقه
وباقي خصائصه. ثانياً: الخوض في علم من دون المعرفة الاجمالية بهندسته
المعرفية يؤدي الى الوقوع في مزالق منهجية عديدة، ولا يتمخض إلاّ عن
الالتقاط. والالتقاط في الكلام الجديد وفلسفة الدين؛ لأنهما علمان من علوم
الدين يفضي الى البدع والانحراف والأخطاء الخطيرة. ثالثاً: الغموض الذي
يكتنف قضية التميز بين هذين العلمين ينبغي أن لا يحضّنا على إلغاء المعضلة،
بدل حلّها إيثاراً للسلامة. الاجابة عن السؤال: كيف يمكن التمييز بين
الكلام الجديد وفلسفة الدين؟ منوط بالاتفاق على تفسير معين لكل من الكلام
الجديد وفلسفة الدين. ويجب قبل كل شيء التذكير بأن هذا السؤال يطرح بالنسبة
للمتألهين المسيحيين على شكل سؤال عن العلاقة بين الالهيات الجديدة وفلسفة
الدين، وقد أجابوا عنه
(1) كنموذج لهذه البحوث انظر كتاب ((الكلام الجديد في مسار الأفكار)).
(2) سروش، عبدالكريم. القبض والبسط النظري للشريعة. ص 71. (3)
اسفندياري، محمد. ((ببليوغرافيا وصفية للكلام الجديد)). مجلة ((نقد ونظر))
ربيع 1995، العدد 2 ـ ص 211 ـ 248. |
إجابات
متعددة، لكننا نطرحه في شكل العلاقة بين الكلام الجديد وفلسفة الدين. إن
القاسم المشترك بين جميع الصور المطروحة لعلم الكلام هو أنه ذو هوية وسائطية،
فعلم الكلام واسطة بين الوحي المنزل (القرآن والسنة) ومخاطبيه، والهوية
الوسائطية لعلم الكلام بمثابة جنسه. ويمكننا أن نؤسس التمييز بين الكلام
الجديد وفلسفة الدين على هذه الركيزة، أي على جنس علم الكلام الذي هو القاسم
المشترك بين مختلف تعاريفه. المتكلم عالم متدين بالضرورة، ينظّم علمه
بدوافع دينية من أجل تعريف الدين وتعليمه وتبليغه للناس. إنه يرمي الى منح
معنىً للمفاهيم والافكار وحتى للحياة الدينية، ويجعلها متبلورة مفهومة من قبل
اكبر عدد من مخاطبي الوحي. وبالتالي فإن مهمة المتكلم الاساسية توضيح وإثبات
وعرض الفكر الديني. أما التعاريف المختلفة لفلسفة الدين فيمكن إرجاعها الى
تعريفين رئيسيين: التعريف الأول أنها ((تبيين المفاهيم الفلسفية المختلفة
التي يمكن أن تتضمّنها الأديان والمعتقدات الدينية))(1) وعلى هذا القول تكون
فلسفة الدين بمعنى الدفاع الفلسفي عن المعتقدات الدينية، وهي بذلك خليفة
الالهيات الطبيعية في دورها ومفعولها(2). فلسفة الدين حسب التصور الغالب
لدى فلاسفة الدين هي في الواقع التفكير الفلسفي حول الدين، وهي بذلك تشبه
فلسفة العلوم أو فلسفة الفن وما الى ذلك(3). وبالتالي فإن فلسفة الدين بهذا
المعنى هي البحث العقلاني في الاديان المختلفة والظواهر الدينية(4). ويعزو
هوبلينغ في ((اصول فلسفة الدين)) الفارق بين هذين التعريفين الى نظرتين
مختلفتين للدين ((المضاف إليه في تعبير فلسفة الدين)). فقد يكون المضاف إليه
مأخوذاً بمعنى الاضافة الذهنية أو المعادلة للاضافة العينية(5). كما يمكن
تفسير التمايز المذكور برؤيتين متفاوتتين الى المضاف، فقد تكون الفلسفة في
هذا التعبير بمنزلة بحث معرفي كما هو في الاعتبارات الفلسفية التحليلية، وقد
تؤخذ بمنزلة بحث ميتافيزيقي وانطولوجي كما هي في الأفكار الحديثة عموماً.
ونموذجا هاتين الرؤيتين يمكن ملاحظتهما على التوالي في فلسفة الدين عند غسلر
(1977) وفلسفة الدين لدى باسيل ميشيل (1986). يكتب ميشيل في مقدمة كتابه
((فلسفة الدين)): ((من هنا فإن مكانة فلسفة الدين بالنسبة للدين، ذات المكانة
التي تحتلها فلسفة التاريخ بالنسبة للتاريخ، أو فلسفة العلم بالنسبة للعلم.
ففي جميع هذه الحالات يقف الفيلسوف على صعيد النقد ومناقشة الأدلة وتوضيح
المفاهيم الداخلة في مجاله
(1)
هوبلينغ. ((مفاهيم ومسائل فلسفة الدين)). من المقدمة، ترجمة: آيت اللهي، مجلة
قبسات، السنة الاولى ـ العدد2 ـ شتاء 1997ـ ص 68. (2) جاهن هيك. ((فلسفة
الدين)). ص 21. (3) نفس المصدر. (4) هوبلينغ ـ ص 69. (5) نفس المصدر.
|
الدراسي، فالفيلسوف بما هو فيلسوف ليس في هذا الموقف متألهاً
(متكلماً) وهو لا مؤرخاً ولا عالماً طبيعياً))(1). إن تمايز فلسفة الدين
بالمعنى الأول عن الكلام والالهيات بصورة عامة (سواء كانا قديمين أو جديدين)
يبدو واضحاً الى حدٍ ما. لكن المغلّف بالغموض والاشكالات هو تمييز فلسفة
الدين عن الكلام بالمعنى الثاني. وبما أن مسائل فلسفة الدين والالهيات
الحديثة هي ذات المسائل في الغالب، تصور البعض أن هذين العلمين غير مفترقين
ماهوياً، والكلام الجديد هو ذاته فلسفة الدين أو جزء من فلسفة الدين، أي أن
الاشتراك في المسائل أوهم بوحدة العلمين. إن فلسفة الدين بالمعنى الأول
كما يذكر هيك هي استمرار للالهيات الفلسفية. والالهيات الفلسفية
(Philosophical Theology) عند الفلاسفة المسيحيين تختلف عما يسمى بالالهيات
الجزمية (Dogmatic Theology). الالهيات الفلسفية تهتم بتفسير المفاهيم
الدينية الاساسية (الله وصفاته وافعاله و...) بأدوات عقلية محضة، ومن دون أي
اعتماد على الوحي. وفلسفة الدين بهذا المعنى يمكن مساواتها بما عرف عند
الحكماء المسلمين بـ((الالهيات)) بالمعنى الأخص. إن الالهيات بالمعنى
الأخص في المؤلفات الفلسفية للحكماء المسلمين، والمؤلفات التي وضعها الفلاسفة
تحت عنوان المبدأ أو المعاد، تختلف اختلافاً بيّناً وأساسياً عن علم الكلام.
ويمكن ملاحظة هذا الاختلاف حتى في اكثر المؤلفات الكلامية نزوعاً للفلسفة
كالمطالب العالمية للفخر الرازي، وتجريد الاعتقاد وقواعد العقائد لنصير الدين
الطوسي (المتوفى سنة 672 هـ). وربما أمكن توضيح هذا التمايز أكثر عبر النزاع
التاريخي الحافل بين الفهم الفلسفي للنصوص الدينية وتشييد تعاليم الدين على
أساس الحقائق الفلسفية، وبين الفهم الديني للتعاليم الفلسفية وابتنائها على
حقائق الوحي. وهو نزاع ظل قائماً منذ عصور السلف وحتى عصر أصحاب التفكيك
متخذاً لغات متعددة ومبانٍ مختلفة، ودالاً على الفوارق بين الأفكار الكلامية
والتفاسير الفلسفية للفكر الديني. وفي مضمار هذا التمايز بين فلسفة الدين
بمعناها الثاني ـ الذي شاع في العقدين الأخيرين ـ والكلام الجديد، يمكن أن
تطرح عدة نقاط: أولاً: فلسفة الدين بصفتها بحوثا فلسفية في الدين هي من
فروع البحث الديني (study of Religion) وهي كباقي هذه الفروع (كالبحوث
الدينية المقارنة، والتاريخية، وعلم اجتماع الدين، وعلم نفس الدين) تدرس
الظاهرة الدينية من منطلقات مستقلة خارج الدين. ((في الواقع ليس من الضروري
أساساً أن ننظر للدين من منطلقات دينية، فالملحدون واللاأدريون، والمتديّنون،
جميعهم يستطيعون الخوض في التفكير الفلسفي حول الدين، وهم يقومون بذلك
فعلاً))(2). في حين أن للمتكلم أساساً شأناً دينيّاً، فهو لا يمارس البحث
الكلامي من خارج الدين ولمجرد تحصيل المعرفة، وإنما الكلام وحسب تعريفه مسبوق
(1) Mitchell B. (ed) Philosophy of Religion, Oxford.
1968. P.1. (2) جان هيك. فلسفة الدين ـ ص 27. |
بحصول
معرفة وجدانية. من هنا ينطلق المتكلم من داخل الدين وبقصد عرض الدين وتقديمه
للناس. والمراد بالدراسة من داخل الدين غير ما قرره بعض المعاصرين تحت عنوان
بحوث من داخل الدين وبحوث من خارج الدين(1)، بل المراد أن الكلام وخلافاً
لفلسفة الدين ليس علماً ثانوياً مع الواسطة، ولا يتمتع بالاستقلال عن موضوع
بحثه. فعالم الكلام يتحدث عن معتقدات وأفكار دينية يؤمن بها، وهو يبحث الأمور
من وجهة نظر إنسان متدين يؤمن بنظريات دينه وطروحاته. المتكلم يتحدث بالدين،
والفيلسوف يتحدث عن الدين. ثانياً: ((ليس فلسفة الدين وسيلة للتعليم)) هذه
العبارة المجملة لجان هيك مؤشر لواحد من أبرز وجوه الاختلاف بين فلسفة الدين
والكلام الجديد. ففلسفة الدين بما هي شعبة من شعب الفلسفة، وليست من فروع
الالهيات كعلم لتدوين وتنسيق العقائد الدينية (حسب تعبير هيك) فهي كأي علم
أصلي، وسيلة لاكتساب المعرفة، تتوفر على كل سمات المعرفة الفلسفية. في حين أن
الكلام الجديد أداة لعرض الايمان الديني ووسيلة للدفاع عن الأفكار الدينية
يستعملها المتكلم بقصد التبليغ للدين في العصر الحاضر. إنه يهندس نظامه
الكلامي بما يتناسب والحياة المعاصرة، ومن واجبه الحفاظ على الشأن المعرفي
لعلم الكلام (هويته الوسائطية). فيلسوف الدين والمتكلم كلاهما يهتمان
بمفاهيم ومعتقدات واحدة، لكن توجهاتهما مختلفة. فالفيلسوف لا يُعنى بالافكار
الدينية بغية تعليمها وترويجها واثباتها أو الدفاع عنها. بينما يخوض المتكلم
غمار الفكر الديني لهذا الهدف بالضبط. ثالثاً: انطلاقاً مما ذكرناه في
الوجه الثاني من وجوه التمايز، تصادفنا في فلسفة الدين مناحٍ لا يمكن أن تنبت
في التربة الكلامية. ومن ذلك ما يسميه بول ريكور قطباً تحليلاً في فلسفة
الدين، أي الفلسفات التي ترى القضايا الدينية خالية من المعنى، أو أنها لا
تتوفر على الضوابط المنطقية والمعرفية المعترف بها في جميع التيارات
العلمية(2). رابعاً: الضوابط في علم الكلام هي ضوابط الوحي. وحسب هذا
الملاك ينقسم الفكر البشري الى ثلاثة أصناف: الأفكار المنسجمة مع تعاليم
الوحي، والأفكار غير المنسجمة، والأفكار التي لا هي منسجمة ولا هي غير
منسجمة. في علم الكلام تسمى الأفكار غير المنسجمة شبهاتٍ، والرد على الشبهات
من أبرز مهمّات عالم الكلام، فالمتكلم حينما يواجه الآراء المعارضة لتعاليم
الوحي، لا يحق له الموائمة بينهما وبين الوحي، عبر تفريغ الأخير من محتواه أو
تفسيره بطريقة مغلوطة. أمّا فيلسوف الدين فغير ملزم بهذه المعاني، وبإمكانه
إعادة بناء الفكر الديني وفق الافكار الفلسفية الموجودة، وتقديم فهم جديد
للدين ينطبق وهذه الأفكار. ومثل هذه العملية قد يعتبرها المتكلم إماتة للدين
أو ممارسة إلتقاطية.
(1) سروش، عبدالكريم. دروس في فلسفة علم الاجتماع. مؤسسة صراط
الثقافية ـ طرهان 1995 ـ ص 406 ـ 428. (2) ريكور، بول. التيارات الرئيسية
في فلسفة الدين. ترجمة: مصطفى ملكيان، فصلية ((نقد ونظر)) ـ العدد 2 ـ ربيع
1995 ـ ص 137 ـ 160. |
|
خامساً: الكلام بحسب هويته ذو دور وسائطي بين الوحي ومخاطبيه.
وهذه الهوية الوسائطية تحدد بنيته المعرفية، وتضع أهدافه ومسائله ومبانيه
ومناهجه في مواضعها الصحيحة، وتعطيها شكلها المناسب، وتجعل علم الكلام في
نهاية المطاف واحداً من علوم الدين. في حين أن فلسفة الدين وبالرغم من
ارتباطها بالدين إلاّ إنها تفتقر الى مثل هذه الهوية. ومن هذه الناحية يمكن
تشبيه شأن المتكلم بشأن الفقيه، وشأن فيلسوف الدين بشأن عالم نفس الدين.
فلعالم نفس الدين شأن عالم النفس، ولا يختلف من هذه الناحية مع عالم نفس
الادارة مثلا. إذ لا يمكن بذريعة أن متعلق علم نفس الدين، هو المعتقدات
والسلوكيات الدينية، اعتبار علم نفس الدين جسراً بين الوحي والبشر وإقحامه
ضمن دائرة الكلام الجديد أو الالهيات. إن الدراسة المقارنة للكلام الجديد
وفلسفة الدين تكشف عن ثنائية هاتين المعرفتين البشريتين المتعلقتين بالدين،
إنْ في مقام التعريف، وإنْ في مقام التحقق. وعليه فإن تحويل الكلام الجديد
الى فلسفة الدين من المزالق المنهجية المهمة في التفكير الكلامي المعاصر، وهو
خلط لا مبرر له سوى الذهول عن الهوية الوسائطية للكلام، والتنكّر لطابعه
التبليغي والدعوي والدفاعي. يأتي التأكيد على تمييز الكلام الجديد عن
فلسفة الدين في سياق الدفاع عن الهوية الكلامية الدينية للكلام الجديد، من
دون جفاء للتقارب البيّن بين هاتين المعرفتين، فالكلام الجديد وفلسفة الدين
علمان متقاربان متضامنان من عدة نواحٍ، فهما متداخلان في المسائل مثلاً، وهذا
ما تدل عليه مراجعة لائحة المسائل المطروحة في آثار فلاسفة الدين والمتألهين
الجدد، ولا يفيد الاشتراك في المسائل انطباق العلمين ووحدتهما، فمع أن الكلام
الجديد وفلسفة الدين متطابقان غالباً في المسائل، إلاّ أنهما مفترقان في
المباني والمناهج والتوجهات والنتائج. إعادة بناء الفكر الديني مثلاً،
قضية تشغل فيلسوف الدين بقدر ما تعني المتأله الجديد. إلاّ أن الأول يدرسها
صرفاً من باب قابلية المعارف البشرية على التطور، في حين يطرحها المتكلم لا
من باب تحول المعرفة الدينية، وإنما من حيث إحياء أو اندثار الفكر الديني.
وواضح أن الطرح الأول من مباني الكلام الجديد، بينما الطرح الثاني شبهة ينبغي
للمتكلم أن يدحضها. فلسفة الدين تهتم بالكلام والالهيات، كما تُعنى فلسفة
العلم بالعلوم. وفلسفة الدين الى ذلك تتعمق في المفاهيم والنظم العقيدية
الدينية وظواهر التجربة الدينية والمراسم العبادية. وبناء على هذا يغدو علم
الكلام والالهيات بعض قضايا فلسفة الدين. ولا يعني هذا تحويل الكلام الى
فلسفة دين، كما أنه لا يتعارض مع ثنائية هذين العلمين. فعلم التاريخ مثلاً
يبقى مغايراً لفلسفة التاريخ رغم أنه موضوعها. وبعبارة أخرى؛ فلسفة الدين
مسبوقة بالالهيات والكلام، لكن الكلام والالهيات مسبوقة بالدين، فالكلام لا
يظهر إلاّ إذا كان ثمة دين يتحدث عنه المتكلم (معرفة من الدرجة الاولى)، أما
فلسفة الدين فهي معرفة من الدرجة الثانية تتخذ من المعارف الكلامية موضوعاً
لها. وبالطبع تقتضي المهمة الدفاعية لعلم الكلام أن يتناول بدوره معارف من
الدرجة الثانية.
|
سادساً:
الكلام الجديد مدين لفلسفة الدين بمعنيين، فدراسات فلاسفة الدين كثيراً
ماتعتبر في الكلام الجديد إما شبهات، أو مباني. وعليه يرتكز الكلام الجديد في
جانب من تطوره الى فلسفة الدين. من هنا كانت الكثير من التيارات والمذاهب
المهمة في الالهيات المسيحية الحديثة متأثرة بفلاسفة الدين. وللتوضيح نقول:
إن المتألهين والمتكلمين في مواجهتهم للبحوث الدينية الفلسفية ونتائجها
يتخذون إما موقف الاقبال أو الانكار. فما يحظى بإقبالهم يتحول الى مبادئ
فلسفية لتبيين المسائل الكلامية، أما ما يرفضونه فيتخذ شكل الآراء المعارضة
للمعتقدات الدينية ويطرح كشبهات تحتاج الى نقد وردود. وعموماً ينحت كل من
علم الكلام وفلسفة الدين لبعضهما المسائل والاشكالات، ويعمل كل واحد على
إغناء الآخر. والتمايز والارتباط بين فلسفة الدين والكلام، كتمايز وارتباط
الكلام الجديد وباقي فروع البحث الديني، ولا فرق في ذلك بين علم اجتماع الدين
وفلسفة الدين. ولأن فلسفة الدين شاعت اكثر من باقي البحوث الدينية في الثقافة
المعاصرة، أوحت التباساً للبعض بأنها والكلام الجديد شيء
واحد.
5 ـ تحديد الخيارات المنهجية:
المسائل الكلامية
الجديدة متعددة الأصول، وهي لذلك تحتاج الى دراسات للفروع الوسيطة، فالاقتصار
على توجه خاص، وتحديد إطار معين دون غيره يشل البحث في المسائل الكلامية
الجديدة. ولعل أهم تبعات هذا التحديد هو النزعة ((الاختزالية))
الخاطئة. وليس المقصود بتحديد الخيارات المنهجية، اعتماد رؤية أحادية
المنهج (Monomethodic) في مقابل تعددية المنهج (Polymethodic)، وإنما التحديد
يأتي في مقابل الدراسات الوسيطة (Multipledisciplinary). ففي البحث المتعدد
المناهج تستخدم مناهج متنوعة بحسب نوعية المسائل المطروحة، أما في الدراسة
الوسيطة فتدرس المسألة الواحدة بمناهج متعددة، على نحو التعاطي بين الفروع
المختلفة ديالكتيكياً لا ميكانيكياً، الأمر الذي يحقق فهم المسألة بشكل
متكامل.
6 ـ الاختزالية:
وهي من
الأخطاء العامة في الممارسة الفكرية لدى علماء الكلام وباقي الباحثين في
قضايا الدين. وأنا أستعمل مفهوم الاختزالية (Reductionism) للتأشير على
الأخطاء المنهجية داخل آراء سمّاها أدولف رايناخ ((فلسفات هذا وليس سوى
هذا))، وكثيراً ما تتلخص هذه الآراء بجمل تتضمن عبارة ((ليس سوى...)) والجمل
أدناه نماذج للأخطاء الاختزالية: * ليس الانسان سوى ماكنة معقدة. *
ليست القوانين المنطقية سوى القوانين النفسية. * القواعد الأخلاقية ليست
سوى تجليات أخلاق مجتمع معين. * ليست الأشياء المادية سوى مجموعات مركبة
من كيفيات نفسية. * ليس الكلام الجديد سوى مسائل كلامية
جديدة. |
ولا
نقصد هنا أن عبارة ((ليس سوى...)) عبارة كاذبة، أو أنها وليدة خطأ اختزالي
وإنما المراد بالاختزالية خطأ يشغل الانسان عن البحث ليدفعه صوب فلسفة ((ليس
سوى كذا وكذا)). ولهذا الخطأ في الواقع منبعان: أولاً: لا يدرس الباحث
الموضوع الذي أصدر حكمه حوله بشكل دقيق وشامل، ولذلك لن تتكئ نتائجه على أدلة
كافية. وثانياً: الذي يستدرج الباحث لاتخاذ هذه المواقف قبليات كلية
معينة. وخطأ الاختزالية يبدو أخطر في البحوث الخاصة بالأديان، ذلك أن
الدين والظواهر الدينية متعددة الأضلاع ولها أبعادها المختلفة، فرؤية ضلع
واحد، وإنكار باقي الجوانب والأضلاع ــ وهذا وليد قبليات الباحث ـ يؤدي
بطبيعة الحال الى الطريقة الاختزالية، فتارةً يُختزل الدين الى أخلاق، وتارةً
يختزل الى الاصلاح الاجتماعي، وأخرى تحال التجربة الدينية الى أرضيتها
البايولوجية أو النفسية(1)، وأحياناً يختصر الدين بتجربة دينية، وتارةً يخفض
الى المعرفة الدينية، وآخرون يختزلون الدين الى ايديولوجيا. إن شيوع
النزعة الاختزالية في الفكر الكلامي والبحوث الدينية مردّه الى تعددية جذور
المسائل في هذه المجالات البحثية. وقد طرح الظاهراتيون الظاهراتية لتلافي
أخطاء الاختزالية، وفي مثل هذه الظروف نشأت ظاهراتية الدين. إلاّ أن حصر
التركيز على الظاهراتية واستبعاد باقي التوجهات كالتاريخية، يؤدي هو الآخر
الى نمط من الاختزالية. والحل الناجع لهذه المشكلة يتمثل في اعتبار
الاختزالية وليدة كون البحوث حول الدين متعددة الأصول، والمسائل متعددة
الأصول تستلزم دراسات الفروع الوسيطة. أما تكريس الاهتمام في إطار فرع معين
دون غيره، فتنجم عنه بالطبع مثل هذه المزالق والأخطاء.
(1) هود، رولف. ((التجربة الدينية، علم نفس الدين
والالهيات)). تدوين وترجمة: أحد قراملكي، مجلة قبسات ـ 1998م.
|