|
بلاغة الكلام لما للغة الكلام من علاقة وطيدة بلغة العيون ، فقد إرتأينا نحن "موقع الأرقام" ان نقدم لكم ولو اليسير مما يهم الإنسان في معايشته اليومية حتى يكون على معرفة ودراية بالأخذ بالمفيد وتجنب المقيت وبالطبع علم الكلام علم واسع يتطلب العشرات من الصفحات للتعرض له من تعريفاته وشرحة وتفرعاته العديدة والتي ستقودنا إلى علوم أخرى مثل علم الأصوات والنطق ....... إلخ . ونقمه لكم في 4 فصول مختصرة ميسرة :
(1) الوجه كله يتكلم : إن من تقابله , حتى ولم تكن قد قابلته قبل ذلك , يطلّ عليك بوجهه أولا ، ثم ينطق بلسانه ثانيا . فأنت تقرأ ملامح وجهه منذ اللحظة الأولى التي تلمحه فيها ، قبل أن تستمع إلى كلامه . ومعنى هذا أن للوجه ، بما يتضمنه من نظرات وملامح وقسمات ، لغةً خاصة به غير مسموعة ، مباينة للغة اللسان ، يستقبلها الناس الذين يقابلونه ، قبل أن يسمعوا ما يخرج من فمه من كلام مسموع . وهذل يعني في الواقع أن للوجه بما يتضمنه من أدوات تعبيرية صامتة ، وظيفة جوهرية إلى جانب وظيفة الكلام المسموع الذي ينطق به اللسان . ولعلنا لا نبالغ إذا ما قلنا إن للوجه بما فيه من عينين وملامح وقَسَمات ، وما يشتمل من حركات ، سواء بحدقتيْ العينين ، أم الحاجبين وفوقه يتفوّق على ما ينطق به اللسان ، بإزاء نقل المشاعر والأحاسيس الوجدانية إلى من يقابلهم المرء او يتحدث إليهم . وحتى إذا لم ينطق الشخص الذي تقابله بأي كلمة ، فإنك بمشاهدتك لملامح وجهه ، وهو مُقْبِل عليك ، تستطيع أن تقرأ فيها ما يعتمل بدخيلته من أحاسيس ومشاعر ، وما يفور بداخله من انفعالات . فالوجه هو بحق مرآة الشخصية ، التي تُفصح عما يدور بقوام المرء من حالات نفسية . وحتى إذا حاول من تقابله تخبئة ما يهيج بداخله من انفعالات ومشاعر وجدانية مُحتدِمة ، فإنه لا يستطيع أن يخدعك ، متظاهرا بالهدوء ورباطة الجأش . فما قد ينشأ من تضارب بين ما ينطق به اللسان ، وبين ما يُعبّر عنه الوجه من مشاعر واحاسيس ، إنما يعود إلى ما يريد المرء إخفاءه عمن يقابلهم ، من مشاعره ووجداناته . ولا شك أن ما يرتسم على وجه المرء من دلائل تشير إلى ما بدخيلته من حالات نفسية ، هو الخليق بالتصديق . فإذا ما أبدى بلسانه غير ما يرتسم على وجهه من أمَارات ، فإن تلك الأمَارات تكون هي التعبير الصادق عن حالته الداخلية ، وليس ما يفصح عنه بلسانه . فاللسان كثيرا ما يكذب ، أو يجامل ، أو يعبّر بكلام منافٍ لحقيقة المرء الداخلية . أما ملامح الوجه ، وما تنقله إلى الخارج من نظرات بالعينين ، أو من احمرار الوجه او اصفراره ، أو من تقطيب للجبين ، أو غير ذلك من أنماط التعبير التلقائي بالوجه ، التي لا يكاد يتسنى للمرء التحكّم فيها ، هي في الواقع المرآة الصادقة التي تُجلي عما يدور بدخيلته من مشاعر وأحاسيس وجدانية . ولسنا نغالي إذا ما قلنا إن ما يعبّر به الوجه عن المشاعر والأحاسيس ، هو الذي قد ينفُذُ إلى شغاف القلوب ، منذ اللحظة الأولى التي يتقابل فيها إنسان مع إنسان آخر لأول مرة ،فيُحِب الواحد منهما الآخر ، أو يكرهه ، بغير أن يكونا قد تعاملا قبل ذلك ، أو جمعتهما مواقف ، أو دار بينهما حديث . ونحن لا نَقْصر كلامنا هنا على المقابلة الأولى التي قد تتم بين شاب وشابّه ، بل نعمم القول بإزاء جميع الناس من الجنسين في جميع الأعمار وبجميع الجنسيات ، وبغض النظر عن مستوياتهم الثقافية ، أو مستوياتهم الثقافية المتباينة . فالناس جميعا أينما يكونون ، يقرؤون وجوه من يقابلونهم ، حتى منذ أول لقاء لهم بعضهم مع بعض ، إذ قد يُحِسّون بالارتياح او حتى بالتعلّق والحب بلا مقدمات ، أو قد يُحِسّون بالنفور أو في الرغبة في الابتعاد والقطيعة . (2) : موسيقى الكلام : قد ينبهر أحد الشبان بطلعة إحدى الشابات ، ولكن ما أن يلتقيا ، ويأخذان في تبادل أطراف الحديث ، حتى يستشعر النفور منها ، فيسارع بالانصراف عنها ، والبُعْد عن المكان الذي قد تتردد عليه ، وذلك لما يتصف به كلامها من نشوز ، وما يشوبه من تنافر في الأصوات التي تنطق بها ، او من رَتَابة في نغماتها يضيق بها الذرع ، وتمجّ منها الآذان . وليس هذا هو موقف الشاب من الشابة فحسب ، بل هو أيضا موقف كل إنسان من أي إنسان آخر . ولسنا نبالغ إذا ما قلنا إن نسبة كبيرة من النزاعات التي تحدث بين الأزواج أو بين الزملاء في تاعمل الواحد ، او بين من يلتئمون في اجتماعات أو مواقف اجتماعية متباينة ، إنما تنشأ لا شعوريا بين الواحد منهم ورفيقه بسبب النفور من سماعه وهو يتحدث ، وما يتصف به كلامه من تنافر ، وعدم اتساق ، أو من رتابة تمُجَّها الآذان . ولعلنا نقوم فيما يلي باستعراض أهم العيوب التي تصيب كلام بعض الناس بإزاء ما أطلقنا عليه اسم موسيقى الكلام :
(3) : مناسبة الكلام للمقام : قد تُعْجب بشخص ما بسبب طلعته البهية ، واناقة ملبسه ، ومظهره العام ، ولكنك ما تكاد تجلس إليه ، حتى تجد أنه يُفرط في الكلام الذي يدور حول القليل من المعاني ، أو يدور حول موضوعات مملة . أوتافهة ، أو أنه ينحو منحى واحدا عقيما فيما يلوكه من كلام . ذلك أنه يدير حديثه حول محور واحد ، أو حول محاور قليلة ، تكاد تكون عديمة القيمة ، أو أنه ذاتي المركز ، أي أن كلامه يدور حوله شخصيا ، أو أنه يأخذ في الشكوى من الظلم الواقع عليه ، أو يأخذ في الذم والقدح في ذمة فلان وعلان من مشاهير الرجال ، أو ينخرط معك في مجادلات عقائدية أو سياسية بلا مقدمات . كل ذلك وغيره يحملك على الرغبة في الهروب منه ، وعدم الاستمرار معه في الحديث . فمثل هذا الشخص لا يجد حظًّا في يستمع الناس إلى حديثه ، بل يجد أن كل من يقابله لأول مرة يسارع بالهرب منه ، لأنه لا يترك أثرار طيبا في القلوب . ومن الأخطاء الكلامية أيضا التحدث مباشرة مع من يقابله المرء لأول مرة بغير سابق معرفة ، وبغير تمهيد نفسي لما سوف يسوقه له من كلام . فثمة فترة معينة لا بد من قضائها لدى مقابلة شخص ما لأول مرة ، حتى يتسنى ائتلاف القلبين قبل البدء في الكلام . والأفضل بالطبع أن يبدأ الحديث بينهما بموضوع مشترك أو بموضوع عام لا يكون من الموضوعات الحساسة ، أعني المضوعات الدينية أو الموضوعات السياسية . ومن الأخطاء الكلامية أيضا الاسترسال في الحديث دون التقاط الأنفاس ، ودون إعطاء الشخص الآخر الفرصة للكلام . وهذا داء كلامي يجب التخلص منه ، وذلك لأن الكلام أخْذٌ ورَد ، وليس التشدُّق بالحديث بغي توقف ن وبغير تحرٍّ للعدالة في الموقف الكلامي ، وحرمان الطرف الآخر من حقه في التعبير عن أفكاره . ومن الأخطاء الكلامية أيضا انتهاز فرصة وجود المتلقِّي للتنفيس عما في الصدر من هموم ومشاكل . فالناس يمجُّون الاستمرار في الاتصالات إلى ما تئن منه قلوب الآخرين فليس من المناسب أن يأخذ المرء في الشكوى والأنين ، والتنفيس عما في قلبه من مكبوتات ، فيُفضي بها لمن يقابله لأول مرة ، ولم يسبق له أن عاشره أو عقد معه صلة صداقة ، حتى يبوح له بما يئن منه من مشاكل وهموم . (4) : وضوح مقاطع الكلام : من المزايا الكلامية التي يتمتع بها الشخص الذي نحبُّه من أول لقاء لنا معه ، وضوح مقاطع كلامه . ذلك أن اللغة التي يعبّر بها المرء عن أفكاره ومشاعره ، لا تتكون من عبارات فحسب ، ولا من كلمات فحسب ، بل تتكون بصفة أساسية من مقاطع . فبعض الكلمات تتكون من ستة مقاطع مثل كلمة (الإسكندرية) ا وبعضها تتكون من مقطع واحد مثل كلمة (أب) . وهكذا نجد أن كلامنا يتكون من مقاطع . وكلما كان المرء متدربا على النطق بالمقاطع في وضوح تام ، وبغير إضعام أو التباس ، كان بالتالي قريبا من قلوب المستمعين إلى حديثه . خلافا للشخص الذي تتداخل مقاطع الكلام في لسانه ، فلا يتسنّى للمتلقّين عنه استبانة كلامه ، وبالتالي فإنهم ينصرفون عنه ، ويعزِفون عن متابعة حديثه . فلكي تكون محبوبا من أول نظرة ، ومن أول لقاء لك مع الآخرين ، فإن عليك أن تفحص طريقتك في التعبير عن مشاعرك وأفكارك . فإذا ما وجدت أن كلامك لا يتصف بوضوح المقاطع ، فعليك إذن أن تدرب نفسك على التحدث ببطء ووضوح ، حتى لا تضيع بعض المقاطع من سياق كلامك ، فتلتبس المعاني التي تقصد التعبير عنها ، ويمُجُّك من يقابلك ، وتتحدث معه .
المصدر : كتاب (الحب من أول نظرة) دار غريب - للأستاذ / يوسف ميخائيل أسعد . مع تحيات موقع الأرقام
|