عمر أمة الإسلام
2 - الطريقة الثانية (طريقة طرح
المدد)
ويمكن أن نسميها
طريقة الإمام (السيوطي) ومفادها : حساب جملة الماضي من عمر الأمم منذ آدم
عليه السلام إلى بعثة النبي محمد (ص) ، وبطرح هذه الجملة من جملة عمر الدنيا
نستنتج عمر أمة الإسلام .
ونورد أولا نص
كلام الإمام السيوطي . قال - رحمه الله - : (الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه
الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة 500 سنة ، وذلك لأنه ورد من طرق أن
مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وأن النبي (ص) بُعِث في أواخر الألف السادسة ، وورد
أن الدجال يخرج على رأس مئة وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ثم يمكث في الأرض
أربعين سنة وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة ، وأن
بين النفختين أربعين سنة فهذه مائتا سنة لا بد منها والباقي الآن من الألف
مائة سنة وسنتان وإلى الآن لم تطلع الشمس من مغربها ولا خرج الدجّال الذي
خروجه قبل طلوع الشمس ولا ظهر المهدي الذي ظهوره قبل الدجّال بسبع سنين ولا
وقعت الأشراط التي قبل ظهور المهدي . . . فكيف يتوهم أحد أن الساعة تقوم فبل
تمام ألف سنة . . بل إن اتفق خروج الدجّال على رأس ألف وهو الذي أبداه بعض
العلماء احتمالا ، مكثت الدنيا بعده أكثر من مائتي سنة . المائتين المشار
إليها والباقي ما بين خروج الدّال وطلوع الشمس من مغربها ولا ندري كم هو ،
وإن تأخير الدجّال عن رأس ألف إلى مائة أخرى كانت المدة أكثر ولا يمكن أن
تكون المدة ألفا وخمسمائة سنة أصلا .
وقد أوردت نص ما
قاله (السيوطي) لان بعض صغار طلبة العلم من أمثال ..... أنكروا علينا أننا لم
نورد في الكتاب هذا النص الكامل واكتفينا بالجملة التي يقرر فيها السيوطي أن
عمر الأمة يزيد على الألف ولا تبلغ الزيادة 500 سنة ، وأقول لهؤلاء :
أولا : نص كلام السيوطي الذي
ذكرته ههنا ، بل كل رسالته (الكشف)
(نص كلام "السيوطي" من
رسالته المسماه "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف" ص 23 - 24 وهي صحيحة
النسبة إلى الإمام "السيوطي" جلال الدين ولد بأسيوط من صعيد مصر سنة 849 هـ .
وتوفي سنة 911 هـ . وملأ طباق الأرض علما وتصنيفا وتأليفا ، وقد حقق هذه
الرسالة الشيخ / جاسم بن محمد مهلهل الكويتي)
ما هو إلا تأييد وتفصيل للجملة التي اكتفيت بها في الكتاب وهي أن عمر الأمة
يزيد على الألف ولا يبلغ 1500 أصلا ، فإيراد كل كلامه يلزمني إذا كان بعضه
يعارض بعضا أو كان آخره ينقض أوله ، أما إذا كان آخره يفصِّل أوله ويؤكده ،
فلا أظن أحدا يلزمني بإيراد كلام طويل لإثبات جملة اكتفيت بها ، خاصة وأنني
قد ألزمت نفسي في مقدمة الكتاب بالاختصار والإيجاز .
ثانيا : ناشدتكم الله أن
تراجعوا نياتكم ، وتراقبوا ربكم فإن الله يعلم بما في الصدور .
والآن إلى
تفصيل كلام الإمام السيوطي :
أولا : جملة عمر الدنيا
- صحّ عن أبي
هريرة موقوفا أنه قال ، في قوله سبحانه : "لابثين فيها أحْقَابًا" قال :
(الحَقْبُ ثمانون عاما اليوم منها كسدس الدنيا) .
رواه "عبد بن حميد" ذكره "السيوطي"
مسندا في أواخر "اللآلىء" وإسناده صحيح . ورواه "هنّاد" في "الزهد" موقوفا
بمعناه وإسناده حسن . وابن جرير في التاريخ بلفظه مرفوعا وفي إسناده مقال ،
وفي التفسير بمعناه موقوفا .
(ورواه "البزار" مرفوعا
مقتصرا على الفقرة الأولى منه . وروى الفقرة الأولى منه الحاكم في المستدرك
2/556 عن عبد الله بن مسعود وصححه ووافقه الذهبي)
- قال ابن جرير عقب هذا الأثر :
(فبيّن في هذا الخبر أن الدنيا كلها ستة آلاف سنة وذلك أن اليوم الذي هو من
أيام الآخرة إذا كان مقداره ألف سنة من سنيِّ الدنيا وكان اليوم الواحد من
أيام "الحقب" سدس الدنيا كان معلوما بذلك أن جميع الدنيا ستة أيام من أيام
الآخرة وذلك ستة آلاف سنة ، انظر تاريخ الطبري ج1 ص17 .
- وثبت عن ابن عباس أن يهودًا كانوا
يقولون : "مدة الدنيا سبعة آلاف سنة" رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والواحدي
من طريق ابن اسحق قال حدثنا محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن سعيد بن
جبير عن عكرمة أو عن ابن عباس به . وحسَّن هذا الطريق الإمام السيوطي في
الإتقان 2/242 والحافظ ابن حجر في الفتح 7/332 .
- وهذا المنقول عن ابن عباس بسند
حسن عن أهل الكتاب هو خلاف ما صحَّ عن أبي هريرة من أنها "6000 سنة" مما يدل
على اختلاف المصدر عندهما . والراجح ما رواه أبو هريرة موقوفا وله حكم الرفع
. وقد روى الفقرة الأولى منه عبد الله بن مسعود وهو ممن لم يعرف بالرواية عن
أهل الكتاب .
- وبمكن الجمع بين القولين (قول ابن
عباس وقول أبي هريرة) بأن يحمل قول أبي هريرة بأن عمر الدنيا (6000 سنة) أي
دون الزيادة ودون يوم
القيامة ، والزيادة مقدارها نصف يوم (500 سنة) ويوم القيامة مقداره نصف يوم
(500 سنة) ويحمل قول ابن عباس (7000 سنة) على فنائها .
(حديث "سعد بن
أبي وقاص" : "إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم ... قيل
لسعد : كم نصف يوم ، قال : خمسمائة سنة" - صحيح رواه أحمد وأبو داود والحاكم
وأبو نعيم في الحلية . وهو في صحيح الجامع برقم 2481 و 1811
قال العلامة الألباني : "صحيح" وقال زهير الشاويش : في المشكاة برقم 5514 .
وأورده من حديث "أبي ثعلبة" في صحيح الجامع أيضا برقم 5224 ، وقال الألباني :
صحيح أ . هـ .
ادعى بعض
الطلبة - كذبا - أن الشيخ الألباني ضعف هذا الحديث . وأقول أيها الكاذب أن
العلامة الألباني لم يضعف الحديث بل صححه في عدة مواضع من صحيح الجامع ،
وكذلك في سلسلة "الصحيحة" لغيره)
.
(عن أبي هريره عن النبي (ص)
"يوم يقوم الناس لربّ العالمين" مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك
اليوم على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب"
ذكر
الهيثمي في "المجمع" كتاب البعث باب خفة يوم القيامة على المؤمنين وقال :
رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير اسماعيل بن عبد الله بن خالد وهو ثقة)
. ويؤيد ذلك ما جاء في
الأحاديث الصحيحة أن آدم خُلق يوم جمعة (أخروية) وأن الساعة تقوم - بلا خلاف
- يوم جمعة (أخروية) ، ودنيوية أيضا . ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه وأحمد
والترمذي عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم
الجمعة فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنة وفيه أُخرج منها ولا تقوم الساعة إلا
في يوم جمعة" .
ودليل أن جمعة
القيامة (أخروية) الحديث التالي : "أتاني جبريل بمثل المرآة البيضاء فيها
نكتة سوداء ، قلت يا جبريل ما هذه ؟ قال : هذه الجمعة ... قالت : ما هذه
النكتة السوداء ؟ قال : هذا يوم القيامة تقوم يوم الجمعة ونحن ندعوه (عندنا)
المزيد ..." حديث حسن رواه أبو يعلى عن أنس (جـ7 - 228) وحسنه الشيخ "مقبل"
في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين .
- فمقتضى ذلك أن الساعة إذا لم تقم
هذه الجمعة (الأخروية) لزم أن تقوم الجمعة (الأخروية) التالية أي بعد (7000
سنة) لان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون . وهذا محال بل باطل لاعتبارات
عدّة : منها قول الله تعالى : {فقد جاء أشراطها} وقوله سبحانه {اقتربت
الساعة} وقوله (ص) "بعثت أنا والساعة / كهاتين" ومنها وقوع كل أشراط الساعة
الصغرى . ومنها إخباره (ص) عن اليهود أنه أطول زمانا من المسلمين . فإن لم
هذه الجمعة (الأخروية) لزم أنضيف إلى عمر الأمة الإسلامية (7000 سنة) أخرى
على الأقل وهذا محال لأنه ينقض أصولا كثيرة . فيثبت بذلك أننا نعيش الآن في
الحقبة الأخيرة من عمر الدنيا . وهذا لا يعني علم الساعة وإنما علم قربها .
كما قال الألوسي في روح المعاني : "أن النبي (ص) لم يعلم وقت قيامها ،
نعم علم (ص) قربها على الإجمال وأخبر به" .
انظر الألوسي :
تفسير سورة الأعراف - قوله سبحانه : {قل إنما علمها عند الله" .
|
* إذن عمر
الدنيا - على طريقة السيوطي = 7000 سنة |
ثانيا : جملة الماضي من عمر الأمم
: (من آدم عليه
السلام إلى بعثة محمد (ص))
روى الحاكم
(رواه الحاكم عن
طريق علي بن زيد ، ولجل فقراته شواهد . فالقدر المرفوع منه صحيح لغيره وله
شاهد من حديث أبي هريرة في صحيح الجامع برقم 5209 والفقرة الأولى
والثانية منه جمعتا معا من حديث أبي أمامة مرفوعا (ذكره الهيثمي في المجمع
8/220/196) وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خثليد الحلبي
وهو ثقة وذكره ابن كثير في البداية والنهاية وقال رواه ابن حبان وصححه ابن
كثير على شرط مسلم بالفقرة الأولى منه .
وصحت
الفقرة الأولى منه عند الحاكم من حديث ابن عباس موقوفا وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي وقال على شرط البخاري . والفقرة الأخيرة من الحديث صحّت من حديث سلمان
عند البخاري) . (ونقله
عن السيوطي في الدر 2/248) عن ابن عباس عن النبي (ص) قال : "كان عمر آدم ألف
سنة . قال ابن عباس : وبين آدم ونوح ألف سنة وبين نوح وإبراهيم ألف سنة وبين
إبراهيم وموسى 700 سنة وبين موسى وعيسى 1500 سنة وبين عيسى ونبينا 600 سنة" .
- وقوله : (وبين موسى وعيسى 1500
سنة) موافق لما نقله ابن كثير في البداية والنهاية (جـ2 ص72) عن أبي زُرعة
الدمشقي قال : حدثنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عمن حدثه
قال : "أنزلت التوراة على موسي لست ليال خلون من شهر رمضان ونزل الزبور على
داود في اثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان , وذلك بعد التوراة بـ (482 سنة)
وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم في 18 ليلة خلت من شهر رمضان بعد الزبور بـ
(1050 عاما) وانزل الفرقان على محمد (ص) في أربع وعشرين من شهر رمضان" .
- وهو موافق أيضا لما رواه ابن
عساكر في تاريخ دمشق " ونقله عن ابن منظور في مختصره للتاريخ (جـ1 ص28) عن
أيوب بن عتبة قال : "كان بين آدم ونوح عشرة آباء وذلك ألف سنة وكان بين نوح
وإبراهيم عشرة آباء وذلك ألف سنة وكان بين إبراهيم وموسى سبعة آباء ولم يسم
السنين وكان بين موسى وعيسى 1500 سنة وكان بين عيسى ومحمد (ص) 600 سنة وهي
الفترة" .
وأثر أيوب بن
عتبة هذا موافق أيضا لحديث ابن عباس في المدة بين إبراهيم وموسى عليهما
السلام بل وموافق لكل المدد المذكورة فيه . وتلك المدد موافقة للمذكور بكتب
أهل الكتاب من حيث الجملة .
|
* إذن جملة المدد من آدم عليه
السلام إلى محمد (ص) = 4800 سنة |
ثالثا : جملة المدة ما بين طلوع
الشمس من مغربها : (انتهاء عمر
امة الإسلام تقريبا) إلى انقضاء الحساب ودخول الناس منازلهم في الدار الآخرة
.
- المدة بين طلوع الشمس من مغربها
إلى قيام الساعة = 120 سنة قال عبد الله بن
عمرو : "يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها 120 سنة" صحيح موقوفا رواه أحمد
وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات .
- المدة بين النفختين =
40 سنة قال (ص) :
قال (ص) : "بين النفختين أربعون"
متفق عليه عن أبي هريرة . وعند ابن مردويه وابن أبي داود في "البعث" ورواية
ابن المبارك في الزهد عن الحسن زيادة "أربعون عاما" .
- المدة التي يمكثها الناس شخوصا
إلى السماء ينتظرون فصل القضاء = 40 سنة ، قال (ص) "يجمع الله
الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء
ينتظرون فصل القضاء وينزل الله في ظلل من الغمام ..."
ذكره "الإمام
الذهبي" في "العُلوّ" وحسّن إسناده عن ابن مسعود . وكذلك الألباني . انظر
مختصر العلو للألباني ص 110 - 111 .
- مقدار يوم القيامة
= 500 سنة
صحّ أن النبي
(ص) قال : "يوم يقوم الناس لربّ العالمين" مقدار نصف يوم سبق تخريجه في أوائل
هذه الطريقة . ويؤخذ هذا أيضا من الحديث الصحيح الذي فيه : "يدخل فقراء
المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو 500 عام" . انظر صحيح
الجامع برقم 8076 .
|
* إذن مجموع المدد من طلوع
الشمس من مغربها إلى انقضاء الحساب = 700 سنة |
وحيث
أن : جملة عمر الدنيا (من بعثة آدم وإلى انقضاء الحساب) = جملة الماضي من عمر
الأمم إلى بعثة محمد (ص) + عمر أمة محمد (ص) + المدة من انتهاء عمر أمة محمد
(ص) (طلوع الشمس من مغربها تقريبا) إلى انقضاء الحساب .
إذن : 7000 = 4800 + عمر أمة محمد (ص) + 700 .
|
إذن : عمر امة محمد
(ص) = 7000 -
4800 - 700
(بحساب الإمام
السيوطي)
= 1500 سنة . |
وهذه النتيجة تقريبية لأننا اعتبرنا أن عمر الأمة ينتهي بطلوع الشمس من
مغربها والواقع أنه ينتهي بعد ذلك بقليل عندما تأتي ريح فتقبض أرواح المؤمنين
. قال الإمام "السيوطي" في رسالته "الكشف ص 43" ما نصه : "ثم بعد انتهائي
بالتأليف إلى هنا رأيت في كتاب "العلل" للإمام أحمد بن حنبل قال : حدثنا
إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه حدثني عبد الصمد أنه سمع "وهبا" يقول
(قد خلا من الدنيا 5000 سنة و 600 سنة ، إني لأعرف كل زمان
ما كان فيه من الملوك والأنبياء) وهذا يدل على أن مدة هذه الأمة تزيد على
الألف بنحو 400 سنة تقريبا" .
المصدر : كتاب "ردّ
السهام عن كتاب عمر أمة الإسلام"
لمؤلفه : أمين محمد
جمال الدين - المكتبة التوفيقية - مصر
|