سحر التابعة وشرور الآخر

 

العكس في المعتقدات الشعبية للمغاربة هو سوء حظ من عمل التابعة, والتابعة في الأصل جنية تتبع الأطفال الصغار- كما رأينا- كي تلتهم, لكن المعنى المستلهم من أسطورة التابعة اتسع بمرور الوقت، ليشمل كل الشرور التي تعتقد العامة في كونها مدبرة من الآخر: الأسرة التي تفقد اطفالها الصغار أو مصدر رزقها، والنساء اللواتي يجهضن بلا سبب واضح، كما الفتيات اللواتي لا يتمكن من الزواج، وما إلى ذلك من العشاق المهجورين والأحبة الممنوعين من الوصال، إلى رجال الأعمال الذين توشك مقاولاتهم على الإفلاس.
كل هؤلاء وغيرهم ممن يلاحقهم سوء الحظ والفشل، يعانون من وجهة نظر المعتقد الشعبي من مطاردة العكس ولعنة التابعة, وحيث إن الاعتقاد في التابعة والعكس يتجسد أكثر ما يتجسد في الممارسات السحرية المرتبطة بأمور الحب والزواج، فإننا سنعرض للمفهومين وللمعتقدات المرتبطة بهما، على سحر تعطيل الزواج عند الفتاة المغربية، كأحد أبرز أهداف الممارسة السحرية في بلادنا.

العكس عمل التابعة

يعتبر تأخر سن زواج الفتاة في المغرب إلى حدود سن الثلاثين أمرا معيبا، ومؤشرا على خلل ما يثير علامات الاستفهام والحيرة في محيط الأسرة والمجتمع, وفي مواجهة نظرات التشفي أو الاشفاق التي تظل تلاحقها، تتنكر الفتاة العانس لمنطق العقل الذي يرى مبرر أزمة الزواج القائمة في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تشل دينامية المجتمع وحركيته, وتحت ضغط الوسط الأسري، وتقبل الفتاة بتفسيرات الوهم والخرافة التي تحمل مسؤولية تأخر فرص الزواج للقوى الغيبية الشريرة.

التابعة، يقول مزوار (محافظ) أحد الأضرحة المتخصصة في قطعها (أي علاجها)، هي بلاء يبتلى به الإنسان, يمكن أن تكون من أذى البشر المسلط بأعمال السحر.

وتحكي (فاطمة) التي التقيتها في ذلك الضريح، وهي خريجة كلية العلوم، شدت الرحال إليه أملا في العلاج، كيف انها تمت خطوبتها خمس مرات خلال ثلاث سنوات, وفي كل مرة يختفي طالب يدها بشكل غامض، مخلفا لها الفضيحة وتشفي الصديقات المنافقات.

إن التابعة معروفة منذ قديم الزمان تعلق تلك الفتاة المتعلمة في محاولة لتبرير تواجدها هناك وسط خليط من النسوة الأميات أو أشباه المتعلمات.

والحقيقة أم مصنفات السحر الرائجة على نطاق واسع في المغرب، تتحدث عن التابعة كواحدة من أكثر إناث الجن الشريرات بطشا ببني البشر.

فالسيوطي مثلا، أسهب في رسم ملامح هذا المخلوق الخفي المرعب، وافرد له الباب الخامس والسبعين بعد المئة من كتاب الرحمة الواسع الانتشار، فخصصه للحديث عن علاج التابعة وقطعها من أول أصلها لكن التابعة تحولت- فيما يبدو- من صورتها الأصلية، صورة المخلوق الخفي الذي يزحف على الأرض بين اقدام البشر ليتسلق سيقان الأمهات إلى ظهورهن كي يلتهم أطفالهن الرضع بدموية مرعبة لتتحول إلى لعنة أزلية تتنقل بين البشر وتطارد بـ العكس (سوء الحظ) الكبير والصغير، الرجل والمرأة.

سحر تعطيل الزواج

من أشهر وصفات تعطيل زواج المرأة بأعمال السحر المؤذي، أن يتم رشها بقطرات من الماء الذي غسل به الميت, ويعود منشأ الاعتقاد هذا إلى كون الماء الذي يستعمل في الحمام الجنائزي، يصير محملا بالموت الذي رأينا انه- في اعتقاد العامة- يعدي, ومن ثم فإن الذي نلمسه مجرد قطرة من ذلك الماء السحري أو يتناولها مع الأكل والشراب، مرشح لعدوى الموت.
وبمنطق التفكير البدائي نفسه، تبدو عليه السحر واضحة في وصفة رش الفتاة بماء غسل الميت لتعطيل زواجها, فالماء المحمل بالموت يحمل اليها موتا معنويا، مادامت حياة المرأة في الزواج والإنجاب.
ويحتفظ السحر الرسمي سحر الفقهاء المحترفين بالكثير من وصفات السحر الاسود التي تعطل زواج المرأة من خلال اعداد جداول سحرية لها.

وهذا النوع من السحر في معتقد العامة ذو تأثير رهيب وعلاجه معقد، إن لم يكن مستحيلا.

الجداول

ومن الجداول الكثيرة التي يقدمها البوني في مصنفه (منبع أصول الحكمة)، واحد يزعم فقهاء السحر أن له خواصا شريرة رهيبة، يقدمه كالتالي: وإذا أردت تعطيل البنت عن الزواج، فاكتب الخاتم (يقدم مع الوصفة جدولا) ومع اذا العشار عطلت- يحسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم- تتجافى جنوبهم عن المضاجع, يا فلان، انظر ولا تعرف ولا تنظر وقيل اقعدوا مع القاعدين كذلك تقعد كذا عن الزواج أو عن كذا (,,,) وتقرأ القسم سبع مرات وتدفنها في محل من شئت.
ويقوم السحرة المحترفون بمثل هذه الوصفة لفائدة الراغبين (أو الراغبات) في الانتقام من فتاة لسبب من الأسباب, ويزعمون ان هذا النوع من السحر لن ينفع في حلة سوى ساحر له من العلم والتجربة ما يعادل أو يفوق ما لدى واضع الجدول من معرفة بالسحر.

ومن الوصفات الأخرى الكثيرة التي يلجأ إليها السحرة لنفس الغرض، وصفة تعتمد تسليط جني على الفتاة المرغوب تعطيل زواجها، وتفصيلها كالآتي: يذهب الراغب (أو الراغبة) في ذلك إلى ساحر، ويذكر له اسمها (الشخصي) واسم والدتها يقدم اليه أثرا منها (قطعة من ثيابها، شعرة من رأسها,,,)، فيسلط الساحر- بالاعتماد على هذه العناصر- جنيا على الفتاة يدخل فيها ويسكنها حين تتاح له أقرب فرصة (عندما تكون في الحمام البلدي أو في المرحاض، مثلا), فيظهر لها الجني بعد ذلك كل شخص يتقدم لخطبتها في صورة شنيعة كي ترفضه، أو يقوم بالعكس: يظهرها للراغب في خطبتها في صورة تجعله لا يرغب فيها.

وتعاني الفتاة المسكونة بجني العكس- طبعا- من الأعراض الثانوية التي يعاني منها الممسوسون بالجن ومنها سهو وصداع دائم في الرأس.

للوقاية من سوء الحظ

للوقاية من العكس والتابعة، ينصح الفقيه بحمل حرز يتكون من سبع حبات من حبة حلاوة وسبع حبات من الحرمل وسبع حبات من القزبر، أو يرسم على الورق الأزرق المستعمل في تلفيف السكر خاتم سليمان (عبارة عن مثلثين متقاطعين)، يحرق ويتبخر به المعني أو المعنية بدخانه.

وحسب بعض الفقهاء المعالجين، الذين طلبنا رأيهم، فإن كل أساليب الوقاية من العين الشريرة تنفع للوقاية من سوء الحظ، وإن كان علاج الأولى لا ينفع بالضرورة في شفاء الثاني,,, ومن العادات المنتشرة في المغرب حول الوقاية من العكس، ما ذكره لاوست عن قبائل التسول باقليم تازة, فقد كانت الفتاة التي ترافق العروس وتضع لها الحناء، حين تنتهي من مهمتها، تضع الإناء (الطيني) المحتوي للحناء فوق رأسها وهي ترقص وتغني, ثم في نهاية الحفل، تسقط الإناء بقوة على الأرض كي يتكسر, وكانوا يعتقدون بذلك إبعاد التأثيرات الشريرة المتربصة بعروس المستقبل.

وقد رصدنا بعض الطقوس المشابهة، التي لا تزال تمارس حتى اللحظة الراهنة من طرف الفتيات المؤهلات للزواج، في جوار بعض الأضرحة وسنأتي على ذكرها فيما بعد، مع محاولة فهم للقيمة الطقوسية لتكسير الأواني، بعد استعمالها.

ويستعرض لاوست في نفس الدراسة، عادة انقرضت اليوم- حسب معلوماتنا- وكانت حتى ماض قريب تمارس طقوسها بشاطئ الرباط: فعند اسفل قصبة الاوداية من جهة الغرب، وسط المقبرة القديمة، يتموقع ضريح سيدي اليابوري المشهور بتخليص العوانس من العكس وتزويجهن، بعد التطهر الطقسي بماء البئر المجاور له, وحسب الباحث الفرنسي، فقد كانت صفوف طويلة من النساء يتجهن صوبه بعد ظهر اليوم الموالي لعاشوراء، وهن ملتحفات بالبياض، ومصحوبات بأولادهن الصغار في أبهى حلة، وبناتهن الصغيرات مثل العرائس، مرتديات الثياب حريرية ومجوهرات أمهاتهن.

وفي صمت المقبرة يجلس الموكب وسط القبور لتناول الحلويات والفواكه الجافة, وبعد ذلك، ينهض الأطفال الذكور، ويسرعون في لمس شواهد القبور بأيديهم وهم يدعون لالة قصابة أثناء ذلك قائلين: اعطيني امرأة دابا دابا (دابا: تعني الآن في الدارجة المغربية)، بينما الصغيرات يقمن بنفس الحركة الطقسية، وهن يدعين الولية (المجهولة) قائلات اعطيني راجل، دابا دابا.

وينتهي الحفل الغريب في الأعلى، قرب مدخل القصبة، بتفاصيل لا نجد داعيا لذكرها، وهي التي جعلت لاوست يطرح احتمال أن يتعلق الامر ببقايا حفل حب كبير، كان يقام في أزمان غابرة تحت حماية لالة قصابة التي نجهل عنها كل شيء اليوم: وربما كان الأقرب إلى الحقيقة أن ذلك الاعداد المبكر للعرائس والعرسان، كان حفلا طقوسيا غايته وقايتهم من أذى التأثيرات الشريرة التي قد تعرقل زواجهم مستقبلا.

ودليل اعتقادنا في ذلك، ان ضريح سيدي اليابوري المجاور، معروف لدى سكان العاصمة بتخصصه في قطع العكس وتزويج العوانس، كما أسلفنا.

طقوس القطع

من وصفات قطع سوء الحظ الأكثر بساطة وانتشارا، تقتني الفتاة المشتكية حرباء عذراء (تاتة عزبة) من عند العطار وتلقي بالحيوان المسكين حيا في لهيب مجمر، وتنتصب فوقه واقفة لتتبخر بالدخان المتصاعد الذي له خاصية فسخ كل عمل مديور ليها (أي معمول لها) كي لا تتزوج أو تشتغل, وينصح بعض الفقهاء بنفس الوصفة لكن بحرباء بلا شروط مع قليل من العرعار, أما أكثرهم في العلم فيكتبون عبارات سحرية بالصمق (مداد السحرة) في آنية ويجعلون الزبونة تغسلها بالماء الذي تشربه أو ترشه على جسمها, كما يصنعون بعض التمائم لتعلقها الراغبات في الزواج من أجل التعجيل بقدوم العريس, ويقدم معلم السحرة، البوني نموذجا منها في منبع أصول الحكمة يستثمر سحر حرف الكاف، فيقول: ومن الفوائد النفيسة أن حرف الكاف (,,,) له شكل مثلث يتصرف به في جذب القلوب والعقول إلى حامله فإذا كتب في كاغد بالشكل الآتي وحملته عازبة هرعت إليها الخطاب من كل مكان (,,,).

وإذا كان ماء غسل الميت كفيلا بأن يعطل زواج فتاة ويلحق بها نحسا يلازمها مثل ظلها، فإن ماء آخر يستطيع تخليصها من تلك التأثيرات الشريرة، وييسر سبل الحظ السعيد أمامها بمجرد تطهرها به, لكن، ليس أي ماء.

وليس هذا الماء سوى ماء البحر حين تمنحه مجاورته لضريح ولي، خائصه السحرية, ولذلك نجد أغلب أولياء الساحل مشهورين بطقوس التطهر من العكس والتابعة والنحس وغيرها من مرادفات سوء الحظ, أما في المناطق البعيدة عن البحر، فقد تفتق الاجتهاد عن استبدال ماء الأمواج السبعة بمياه آبار سبعة مادام أمرا مستحيلا في حالة المغرب (ذي المناخ شبه الجاف)، على أي كان أن يقوم بتجميع الماء من سبعة أنهار، أو حتى سبع عيون.

الاستحمام

إن عادة الاستحمام في ماء البحر بقصد التطهر من سوء الحظ قديمة في المغرب، وتختلف طقوس التطهر حسب المناطق، لكنها تقوم في مجملها على شرطين أساسيين: الاستحمام والتبخر، وهذان الشرطان لم يتغيرا في العادة المتأصلة، رغم ما يطال تفاصيلها الثانوية من تغييرات باختلاف المكان والزمان، والعقد مقارنة عابرة بين أسلوب ممارستها ماضيا وحاضرا، بحثنا في المراجع المتوافرة، فلم نجد سوى الوصف الذي قدمه عنها ادموند دوتيه، قبل قرن من اليوم، فمن اجل ابطال المفعول السحري الذي ينجم عن رش الفتاة بماء غسل الميت كانت هذه تنزل إلى شاطئ البحر وتتجرد من ملابسها بشكل كامل لتعرض نفسها لسبع موجات متتابعة، وتشرب من ماء كل واحدة رشفة, ثم تأخذ قفة استعملت أثناء حفر قبر ميت وتثقب قاعها كي تمرر منه رأسها، فتسقط القفة على ذراعيها,,.

بعد خروج الفتاة من البحر، تأخذ الخشب وتوقد فيه النار لتتبخر بالروائح الخانزة (الروائح الكريهة) التي يطلقها إحراقها للمواد الآتية: الكبريت، السبيب، الصوف، شوك القنفذ، قشور البيض (بيض الدجاج)، قرن (الكبش) وسبع شعيرات من رأس زنجية (امرأة بشرتها شديدة السواد).

وتمارس طقوس التطهر اليوم، كما أسلفنا القول، في الشواطئ القريبة من أغلب أضرحة أولياء الساحل الأطلسي، وسنكتفي هنا باستعراض تلك الطقوس كما تمارس في اثنين من أشهر الأضرحة المتخصصة في علاج سوء الحظ بالمغرب، وهما لالة عيشة (البحرية) بآزمور وسيدي عبدالرحمن (بوالمجامر) بالدار البيضاء, ثم سنسعى بعد ذلك إلى التقاط الدلالات والقيم الرمزية لتلك الطقوس.

لالة عيشة البحرية

ضريح صغير تحيط به الاحراش البرية عند مصب ام الربيع، على بعد كيلو مترات من مدينة آزمور بناية الضريح عبارة عن غرفة صغيرة مساحتها عن عشرة امتار، يحيط بها سور وخلفها غرفتان صغيرتان للاستحمام، واحدة خاصة بالرجال والثانية للنساء, في جوار الضريح توجد بئر يستعمل ماؤها للاغتسال ويباع للمستحمات من طرف المرأة العجوز التي تقوم بتسخينه.

لا ينقطع زوار لالة عائشة، وخصوصا زائرتها من الشابات اللواتي يقصدن ضريحها بحثا عن حظ افضل في الحياة، وعن عريس, تبدأ طقوس التطهر بعد التبرك بتقبيل ضريح الولية وتقديم القرابين (نقود، شمع، أو طائر دجاج) إلى المقدمةتقتني الفتاة لوازم التطهر من عين المكان: مجمر صغير، حناء، بخور، مشط وماء الورد، وتمزج الحناء بماء الورد لتكتب بالعجين اللزج اسمها الشخصي إلى جانب اسم فارس أحلامها المطلوب، على جدار مدخل الضريح, إن هذا الطقس الذي ينفرد به ضريح دفينة مصب أم الربيع، يحتم على المشرفين عليه أن يقوموا بإعادة طلائه بالجير مرة في السنة، من أجل اعداده لاستقبال اسماء جديدة، لكن جدار الرغبات ذاك يمتلئ دائما بالأسماء قبل حلول الموعد السنوي، وتصبح أجزاء من مساحته عبارة عن بقع من الحناء بكل الألوان، وهو ما يؤشر على كثرة الوافدات عليه.

إن طقس كتابة الأسماء بالحناء على جدار الرغبات، هو شكل من اشكال التعبير عن القمة الطقوسية للحناء بتعبير اميل درمنغن، التي تستمدها من الدين ومن كونها تبدو بديلا عن الدم القرباني.
بعد الاغتسال بماء البئر الساخن أو البارد، حسب القدرة على التحمل، وعلى الدفع تقتني الفتاة مجمرا صغيرا به جمر، وقليل من البخور، وبعد التبخر، تفرض متوالية الطقوس ان تكسر المعنية المجمر.

إن التبخير في معتقد المغاربة كما في الشعائر الرومانية القديمة يبدد التأثيرات الشريرة، ويجذب الحسنة منها.

ولذلك يطلق عليه أحيانا اسم (فسوخ) و(تبطيل)، في اشارة إلى كونه يفسخ يخفض ويدمر التأثيرات الشريرة والمجمر يصبح، تبعا لنمط التفكير السائد، رمزا مجسدا للتأثيرات الشريرة التي طردتها البخرة المطهرة، وهو ما يستوجب تدميره.

سيدي عبد الرحمن بو المجمامر

يتفرد ضريح سيدي عبدالرحمن بموقعه في أعلى مرتفع صخري، في شكل شبه جزيرة يقطعها البحر عن اليابسة عند المد, وبحكم تواجده عند الضاحية الجنوبية للدار البيضاء، كبرى المدن المغربية، لا ينقطع اقبال الوفود عليه على امتداد الأيام والفصول، وبشكل عام, يمكن ملاحظة أنه إذا كانت لالة عيشة تنفرد بطقس كتابة الأسماء بالحناء على جدار الرغبات المقدس، فإن سيدي عبدالرحمن يتميز هو الآخر بطقس التفوسيخ باللدون (إبطال مفعول السحر من خلال التبخر ببخار الرصاص المصهور), وهو طقس يعتبر بمثابة حصة للتشخيص تستدل خلالها الشوافة على أصل الإصابة ونوعها، لتحدد نوع العلاج الضروري بعد ذلك.

فوق نار موقدة، تضع الشوافة قطعة رصاص في إناء معدني، وبعد دقائق يتحول اللدون إلى سائل ثقيل تفرغه في إناء ماء موضوع بين رجلي الفتاة المنتصبة وقوفا فيتصاعد منه بخار، تزعم الشوافة انه افضل مبطل للعكس والتابعة, تتناول قطع الرصاص بعد أن تكون قد صبتها في إناء ماء لتبرد، تقرأ تبرد، لتقرأ في ثقوبها وتجاعيدها ملامح مستقبل الفتاة الذي يكون دائما سعيدا، ضمانا لعطاء جزيل.

وتشترط الشوافة على الفتاة أن تغتسل في الخلوة بماء موجات سبع متتابعة، أو تقديم بعض القرابين، أو التبخر والتخلص من ملابسها الداخلية,,.

بالنسبة لطقس الاغتسال، يتم في خلوة وهي غرفة صغيرة خلف الضريح، علقت فوق بابها عابرة (خلوة العوم ومن يتوكل على الله فهو حسبه), ويتم الاغتسال داخلها بماء تقول المقدمة إن بعض الشبان جبلوه من سبع موجات متتابعة, وخلال طقس الاغتسال يسيل الماء المطهر منحدرا عبر قناة صغيرة ليعود إلى البحر، محملا بـ التابعة والعكس، فتطمئن الفتاة إلى كون التابعة داها البحر (أخذها البحر).
وبالنسبة لطقس القربان، فإن رمي طبق التمر والحليب في البحر هو حركة موجهة إلى الجنون البحريين الذين تعتقد العامة أن لسيدي عبدالرحمن سلطة عليهم، أما طقس الدم، المتمثل في نحر طائر دجاج أحمر أو بين اللون، فيتم على النحو التالي: تناول الفتاة أو من ترافقها من قريباتها فيأمرها بأن تلتفت جهة الضريح وتولي ظهرها للبحر ليمر الطائر على أنحاء متفرقة من جسمها (الرأس فالكتفين ثم الإبطين والبطن فالرجلين.
ينحر القربان ويلقى جانبا ثم يناول الذباح السكين الملطخ بدم القربان للفتاة ويطلب منها أن تمسح به أنحاء جسمها وفق الترتيب المذكور، وتدوسه بقدميها ثم تمضي حافية، دون أن تلتفت إلى الوراء.

إن طقس الدم هنا، يتطلب لوحده تحليلا مستفيضا لكن بشكل عام, يبدو أنه لتفسير دلالاته الرمزية، قد نجد سندا في الاشارات التي تحتلها الدراسات الانتربولوجية حول القوة السحرية لدم القربان ولسكين الذبح، وإلى أهميتها, في معتقدات شعوب شمال افريقيا, في طرد الشر وجلب البركة.

أما بالنسبة لطقس التبخر، فإنه لا يختلف عن الشكل الذي يمارس به في لالة عيشة البحرية، إلا في النهاية، فبدل كسر المجمر، كما يحدث في لالة عيشة، تنصرف المتبخرة تاركة ناره تخبو لوحدها، بعد أن ترش حواليه بماء الورد, وترمي قطعة من ملابسها الداخلية (تبان أو حاملة الصدر) إلى البحر، بين الصخور كي يخلصها (من خلال التبان أو حاملة الصدر المرمية إليه) من اللعنة التي تلحقها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر : موقع :  http://site.voila.fr/ouarab

بريد الكاتب :  mouarab@yahoo.fr

كتاب (المعتقدات السحرية في المغرب)

المؤلف :  مصطفى واعراب

 

Nedstat Basic - Free web site statistics