زهير بن أبي سلمى

عرفت عائلة زهير بن أبي سلمى بأنها عائلة شعر وهي عريقة به فقد شهر خاله أوس ابن حجر بالشعر ثم شهر بعد ذلك زهير بن أبي سلمى، وأختاه، وأتى بعد ذلك ابناه كعب وبجير، وكعب هو الذي شهر ببردته حينما قدم على الرسول تائبا وقدم قصيدته المشهورة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

 

متيم أثرها لم يفد مكبـول

هذه القصيدة التي أثارت ضجة في البلاد الإسلامية وفي شعراء الإسلام فسموها البردة ونهجوا على منوالها وشرحوها الشروح الكثيرة.
عرف لزهير مدرسة شعرية خاصة، فقد كان ينقح أشعاره حتى عرفت مدرسته بمدرسة عبيد الشعر ، فقد كان يقول القصيدة في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر ويرسلها في أربعة أشهر ودعيت هذه القصائد بحوليات زهير عاشت هذه المدرسة طويلا وكان لها رواد وتلاميذ.
فقد كان كعب تلميذ أبيه زهير وكان الحطيئة تلميذ كعب وزهير وكان هدبة بن خشرم تلميذ الحطيئة وكان جميل تلميذ هدبة بن خشرم.
ثم رأينا من يحمل هذه الراية في العصر العباسي منهم مسلم بن الوليد صريع الغواني حامل راية التجديد في البديع قبل أبي تمام.
وحسبي أن أسوق هذه الوقفة بين هذه المدرسة مدرسة عبيد الشعر والمدرسة الأخرى التي لا تنقح مسلم بن الوليد وأبي العتاهية ليكون هذا المثال شاهدا على شموخ أعلام هذه المدرسة.
التقى أبو العتاهية بمسلم بن الوليد فقال له يا مسلم إنما يعيبك قلة شعرك فأنت في العام لا تقول إلا قصيدة أو قصيدتين بينما أنا أقول في كل يوم قصيدة قال مسلم: لو أردت أن أقول شعرا مثل شعرك لكان كل كلامي شعرا، ولكني أعطيك العمر كله لتقول مثل هذا القول:

موف على مهج في يوم ذي رهج

 

كأنه أجل يسعـى إلـى أمـل

هذا الكلام المنقح لا يقدر على سبكه إلا قلة من الشعراء أمثال زهير وتلامذته والنابغة وأضرابه ومسلم ومن نحا نحوه.
يعتبر زهير عند بعض النقاد القدماء ثالث الفحول من الشعراء في الجاهلية. بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اعتبره خير الشعراء في الجاهلية على الإطلاق لأنه شاعر الحكمة، وكان لا يعاظل في الكلام.
ولم يختلف النقاد في شأن معلقته نهائيا ولم يخرجوه من شعراء المعلقات كما فعلوا مع النابغة، والحارث بن حلزة اليشكري، والأعشى، أو عبيد بن الأبرص وكل الذين قالوا بالمعلقات ذكروا اسم زهير بينهم وكان واسطة العقد. فقد ترفع عن فحش امرئ القيس، وعنجهية بن كلثوم وغرابة كلمات لبيد وكان نسيجا مفردا في زمنه.

المعلقة وزهير بن أبي سلمى

وقال أبو سلمى زهير بن أبي سلمى يمدح الحارث بن عوف بن سنان المريين. وأبو سلمى بضم السين، وليس في العرب سلمى بضم السين غيره، وأبو سلمى هو ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن برد بن لاطم بن عثمان بن مزينة بن أد طابخة بن إلياس بن مضر.
وآل سلمى حلفاء في بني عبد الله بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.
وكان ورد بن جابس العبسي قتل هرم بن ضمضم المري الذي يقول له عنترة:

ولقد خشيت بأن أموت ولم تـدر

 

للحرب دائرة على ابني ضمضم

قتله في حرب جرت بين عبس وذبيان قبل الصلح، ثم اصطلح الناس، ولم يدخل حصين بن ضمضم أخوه في الصلح فحلف: لا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يطلع على ذلك أحدا.
وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فأقبل رجل من بني عبس ثم أحد بني مخزوم حتى نزل بحصين بن ضمضم ففال من أنت أيها الرجل؟ فقال: عبسي فقال من أي عبس؟ فلم يزل ينسب إلى غالب فقتله حصين فبلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم ابن سنان فاشتد ذلك عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو الحارث، فلما بلغ الحارث ركوب بني عبس، واشتداد ذلك عليهم من قتل صاحبهم، وإنما أرادت بنو عبس أن يقتلوا الحارث، بعث إليهم بمئة ناقة من الإبل معهما ابنه، وقال للرسول قل لهم الإبل أحب إليكم أم أنفسكم؟ وأقبل الرسول حتى قال لهم ما قال ربيع بن زياد: إن أخاكم قد أرسل إليكم يقول الإبل أحب إليكم أم أنفسكم؟ يعني قتل ابنه تقتلونه؟ فقالوا: بل نأخذ الإبل، ونصالح قومنا.
فقال زهير يمدح الحارث ين عوف وهرم بن سنان:  

أمن أم أوفى لم تكـلـم

 

بحومانة الدراج فالمتثلم

تقديره أمن دمن أم أوفى دمنة، لأن من هنا للتبعيض فأخرج الدمنة من الدمن. لم تكلم، وروى أن بعض أهل الإغارة وقف على معاهد، فقال: أين من شق أنهارك؟ وغرس أشجارك وجنى ثمارك ثم بكى.
وقال أهل النظر في قوله تعالى: (قالتا أتينا طائعين) إنما كانت إرادة فكانت على ما أراده والدمنة: أثار الناس،وما سوي بالرماد وغيره.
فإذا اسود المكان قيل: قد دمن، والدمن البعر والسرخين، والحومانة المكان الغليظ المنقاد وقيل الحومانة القطعة من الرمل والجمع: الحومان، والحوامين، والدراج بفتح الدال وضمها، وحومانة الدراج والمتثلم موضعان بالعالية متقاربان منقادان، ومعنى قوله لم تكلم أي لم يكلم أهلها.

ديار لها بالرقمتـين كـأنـهـا

 

رواجع وشم في نواشر معصم

قال الأصمعي: الرقمتان أحدهما قرب المدينة، والأخرى قرب البصرة ومعناه بينهما وقال الكلابي: الرقمتان من جرثم، ومن مطلع الشمس من بين أسد، وهما أبرقان مختلطان بالحجارة، والرمل، والرقمتان أيضا بشط فلج أرض بني حنظلة، وقوله رواجع وشم أي ما رجع وكرر، وفلان يرجع صوته أي يكرره، والنواشر: عروق ظاهر الذراع. وقيل الناشر عصب الذراع من باطنها وظاهرها. والمعصم موضع السوار. شبه الآثار التي في الديار كمراجع الوشم ويروى دار لها بالرقمتين.

بها العين والآرام يمشين خـلـفة

 

وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

العين: البقر الوحشي الواحدة عيناء والذكر أعين، وإنما قيل لها عيناء لكبر عيونها، والأصل أن تجمع على فعل كما تقول في جمع أحمر وحمراء حمر لأن العين كسرت لمجاورتها الياء وقوله خلفة إذا مشى فوج جاء فوج، وقيل خلفة أي مختلفة، هذه مقبلة وهذه مدبرة، وهذه صاعدة، وهذه نازلة، وخلفة في موضع الحال بمعنى مختلفات، والمجثم المكان الذي يجثم فيه أي تسكنه وتقيم فيه.

وقفت بها، من بعد عشرين حجة

 

فلأيا عرفت الدار بعد توهـم

الحجة: السنة، يقال حج وحج بالفتح والكسر فإذا جئت بالهاء كسرت لا غير، وقال أهل النظر بالإعراب الحجة السنة والحجة الفعلة من الحج بالفتح، واللأي البطء وقيل الجهد والمشقة.
قالوا والمعنى فبعد لأي كأنهم يقدرونه على الحذف، والأجود أن يكون المعنى، فعرفت الدار لأيا، وقوله في موضع الحال والمعنى مبطئا فهذا بغير حذف.
ومعناه إن عهدي بهذه الدار قد تم حتى أشكلت علي وقيل اللأي هو البطء. والتوهم ما وقع في وهمك ولم تحققه، وحجة منصوب على التفسير.

أثافي سفعا في معرس مرجل

 

ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم

الأثافي: الحجارة التي تجعل تحت القدر الواحدة أثفية، والسفع: السود، وإنما قوله تعالى (لنسفعن بالناصية) ومعناه لنأخذن يقال سفعت بناصيته: إذا أخذت بها، والمعرس هنا الموضع الذي يكون فيه المرجل، وكل موضع يقام فيه يقال له: معرس، والمرجل كل قدر يطبخ فيها من حجارة أو حديد.
والنؤي حاجز يجعل دون الخباء يمنع من السيل من تراب وغيره. ويقال نأى إذا تباعدن وأناء غيره: إذا باعد غيره، وقد يقال ناءى غيره إذا باعده وجذم الحوض بقيته. ومعنى قوله لم يتثلم أي قد ذهب أعلاه ولم يتثلم باقيه.
ويروى أثافي سفعا بتخفيف الياء وهو أكثر، وإن كان الأصل التثقيل لكثرة استعمالهم، وأثافي منصوب بقوله بعد توهم أثافي سفعا ويروى ونؤيا الحوض، والجد البئر العتيقة، والجد الطريق في الماء، ويقال للموضع الذي ترفأ فيه السفن جد وجدة أيضاً.

فلما عرفت الدار قلت لربعـهـا

 

ألا انعم صباحا أيها الربع واسلم

الربع: المنزل في الربيع، ثم كثر استعمالهم حتى قيل لكل منزل ربع وقوله إلا أنعم صباحا: أي كن في نعمة -يدعو له- لا تدرس، والذي في الظاهر للربع وفي الباطن لأهله ومن كان ساكنه.
وروى الأصمعي ألا عم صباحا ومعناه أنعم صباحا وقال هكذا ينشده عامة العرب وتقدير الفعل الماضي منه وعم يعم ولا ينطق به.
قال الفراء: وقد يتكلمون بالأفعال المستقبلية، ولا يتكلمون بالماضي منها، فمن ذلك قولهم: عم صباحا، ولا يقولون وعم صباحا، ويقولون: ذرا ذرا، ودعه.
 ولا يقولون: وذرته وودعته، ولا يقولون غيره، ويتكلمون بالفعل الماضي ولا يتكلمون بالمستقبل، فمن ذلك عسيت أن أفعل ذلكن ولا يقولون: أعسى ولا عاس. وكذلك يقولون لست أقوم ولا يتكلمون بمستقبل ولا دائم.
وصباحا منصوب على الظرف.

تبصر خليلي هل ترى من ظعائن

 

تحملن بالعلياء من فوق جرثـم

الظعائن النساء في الهوادج الواحدة ظعينةش ويقال للمرأة وهي في بيتها ظعينة وسميت بذلك لأنها يظعن بها أي يسافر، وأكثر أهل اللغة يقولون لما كثر استعمالها؛ لهذا سموا المرأة ظعينة حتى تكون في الهودج، ولا يقال للهودج ظعينة حتى تكون فيه المرأة.
وقال الأصمعي من في قوله من ظعائن زائدة يريد أنها زائدة للتوكيد ويحتمل أن تكون غير زائدة وتكون للتبعيض والعلياء بلد وجرثم بضم الميم وبالتاء المثلثة المضمومة ماء لبني أسد.

جعلن القنان عن يمين وحزنه

 

وكم بالقنان من محل ومحرم

روى الأصمعي ومن بالقنان، والقنان جبل لبني أسد، والحزن، والحزم الأسود، وهو ما غلظ من الأرض والمحل الذي ليس له ذمة تمنع، ولا حرمة. والمحرم الذي له حرمة تمنع منه هذا قول أكثر أهل اللغة.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المحل والمحرم هنا الداخلان في الأشهر الحرم وفي الأشهر التي ليست بحرم، ويقال أحرم إذا دخل في الشهر الحرام، وأحل إذا خرج منه، وقد حل من إحرامه، يحل حلا فهو حلال، ولا يقال حال، وقد أحرم بالحج يحرم إحراما فهو محرم وحرام.
والمعنى كم بالقنان من عدو وصديق لنا، يقول حملت نفسي في طلب هذه الظعن على شدة أمر بموضع فيه أعدائي ولو ظفروا بي لهلكت.

وعالين أنماطا عتاقـا وكـلـه

 

وراد الحواشي لونها لون عندم

وروى الأصمعي:

علون بأنطاكية فوق عقـمة

 

وراد حواشيها مشاكهة الدم

ويروى:

علون بأنماط عـتـاق وكـلـه

 

وراد الحواشي لونها لون عندم

عالين أي رفعن، الأنماط جمع نمط، والكلل جمع كلة وهي الستور الرقاق على الإبل الوارد الحمر التي لونها يميل إلى الأحمر وأنه أخلص الحاشية بلون واحد لم يعملها بغير الحمرة، والأنطاكية أنماط توضع على الخدور نسبتها إلى أنطاكية، وعقمة والجمع عقم، مثل شيخة وشيخ، وشحمة وشحم، والعقم أن تظهر خيوط أحد السيرين، فيعمل العامل به، وإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه وجمعه، وأظهر ما يريد مكانه والمشاكهة: المشابهة، والمشاكلة سواء، والعندم البقم والعندم: دم الأخوين ويقال النمط ثوب منقوش عتاق أي حسان.

ظهرن من السويان ثم جزعنه

 

على كل قيني قشيب ومفأم

السوبان واد لبني أسد، وظهرن أي خرجن منه، وجزعنه قطعنه، والجزع قطع الوادي: والقيني القتيب يكون تحت الهودج، وهو الغبيط، منسوبة لبني قين وقشيب جديد، ومفأم واسع، وأراد الغبيط، والغبيط تحت الرحل.

ووركن في السوبان يعلون متنه

 

عليهن ذل الناعم المتـنـعـم

وركن فيه أي ملن فيه، يقال توركن موضع كذا، ووركن الإبل موضع كذا: أناخت فيه، ورأوا أوراكها، والمتن ما غلظ من الأرض، وارتفع، وقوله عليهن أي على الظاعنين، والتقدير ووركن في السوبان عاليات متنه، والتوريك ركوب أوراك الدواب والتنعم تفعل من النعمة.

كأن فتات العهن في كل منزلة

 

نزلن به حب الغنا لم يحطـم

ويروى في كل موقف، وقفن به، والعهن جمع عهون، الصوف المصبوغ، شبه ما تفتت من العهن الذي علق على الهودج، إذا نزلن به منزلا بحب الغنا والغنا شجر له حب أحمر فيه نقط سود وقال الفراء هو عنب الثعلب وقال أبو عبيدة هو نبت له حب تتخذ منه القراريط، وهو شديد الحمرة. لم يحطم أراد حب الغنا صحيح، لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة، والفتات اسم لما أنفت من الشيء؛ أي انقطع وتفرق، وأصله من الفت وهو التقطيع.
قال الأصمعي: العهن الصوف صبغ ألم يصبغ، وهو هنا المصبوغ، وقوله لم يحطم: لم يكسر.

بكرن بكورا واستحرن بسحـرة

 

فهن ووادي الرس كاليد في الفم

ويروى فهن لوادي الرس كاليد في الفم، والرس واد فيه ماء ونخل لبني أسد، واستحر أي سار سحرا، ولا ينصرف سحرة، وسحر إذا عينتهما من يومك الذي أنت فيه، وإن عينت سحرا من الأسحار انصرف، ومعنى كاليد للفم: أي لا يجاوزن من هذا الوادي: أي لا يخطئنه كما لا تجاوز اليد للفم.
 

فلما وردن الماء زرقا جمامـه

 

وضعن عصي الحاضر المتخيم

يقال ماء أزرق إذا كان صافيا، وجمام جمع جمة، وهو الماء المتجمع، يقال جم يجم جموما ويسمى الماء نفسه جما، والحاضر: النازل على الماء. المتخيم: المقيمن وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة، ويقال: وضع الرجل عصاه إذا لم يرد السفر منه، المتخيم الذي ضرب خيمة وأقام، عصي جمع عصا وكان يجب أن يقول عصو، فأبدل من الواو ياء لأنها أطراف، ولأنه ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، والجمع باب تغيير، ثم كسرت الصاد من أجل الياء التي بعدها.
وصف أنهن في أمن ومنعة، فإذا نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه. ونصب زرقا على أنه حال للماء ويصلح أن يكون حالا لأنه قد عادت عليه الهاء في قوله جمامه، ويرفع جمامه بقوله زرقا، ويكون المعنى يزرق جمامه، وجاز أن يقول زرقا، وإن كان بمعنى النظر، لأنه جمع مكسر فقد خالف الفعل من هذه الجهة كما تقول هذا رجل كرام قومه وكما قال:

بكرت عليه غدوة فوجدتـه

 

فعودا لديه بالصريم عواذله

ولو كان في غير الشعر لجاز أن يقول: قاعدا.
ومن يروي زرق جمامه رفع زرقا على أنه خبر الابتداء وينوى به التأخير وجمامه مرفوع بالابتداء.
والمعنى: فلما وردن الماء جمامه زرق، ويجوز في غير الشعر أزرق جمامه على أن التقدير جمامه أزرق كما تقول الجيش مقبل.

[تذكر في الأحلام ليلى ومن تطف

 

عليه خيالات الأحـبة يحـلـم]

وفيهن ملهى للطيف ومـنـظـر

 

أنيق لعين الناظر المـتـوسـم

ملهى ولهو واحد، وهو في موضع رفع الابتداء، وإن شئت بالصفة واللطيف المتلطف الذي ليس معه جفاء. وقيل عنى باللطيف نفسه: أي يتلطف في الوصول إليهن. وقوله اللطيف: الحسن الشمائل الفطن، وأنيق بمعنى مؤنق أي معجب، والمتوسم: الناظر، وقيل: المتوسم الطالب للوسامة، وهي الحسن. قال مجاهد في قوله تعالى: (والخيل المسومة) قال هي الحسنة والمتوسم الوسامة المتثبت. وقيل أنيق جميل.
ويروى: وفيهن ملهى للصديق.

سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما

 

تبزل ما بين العشيرة بالـدم

الساعيان الحارث بن عوف، وهرم بن سنان سعيا في حرب داحس والغبراء، فأصلحا. وغيظ بن مرة بن عبد الله بن غطفان.
تبزل: تشقق وهو تمثيل. أي قد كان بينهم صلح فتشقق بالدم، فسعى ساعيا غيظ بن مرة، فأصلحاه، ويقال تبزل الجرح إذا هو تشقق فخرج ما فيه، وتبزل جلد فلان إذا عرق، وبزل ناب البعير أي موضع نابه، وذلك في السنة التاسعة، فإن البعير في أول سنة حوار، وفي الثانية ابن مخاص، وفي الثالثة ابن لبون، وفي الرابعة حق، وفي الخامسة جذع، وفي السادسة ثني، وفي السابعة رباع وفي الثامنة سدس، وسديسن وفي التاسعة بازل، وفي العاشرة مخلف، وهذا آخر سنيها، فإذا زاد على هذا قيل بازل عامين، ومخلف عامين، وبازل ثلاثة أعوام إلى أن ينتهي ويبلغ منتهاه.

فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله

 

رجال [بنوه] من قريش وجرهم

يعني بالبيت: الكعبة وجرهم: كانو ولاة البيت وسكان الحرام قبل قريش وهم حي من اليمن، وهم أخوال إسماعيل بن إبراهيم 4، وبقوا بمكة مدة، واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، ثم لم يتناهوا، حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه، دخل بناء الكعبة فزنى. وكانت مكة لا بغي فيها، ولا ظلم فيها، و لا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، وكانت تسمى الناسة لأن أهلها كأنهم يبس من العطش كما قال:

ويلد تمسـي

 

قطاه نسسا

ثم استوى من بعد جرهم خزاعة ثم قريش، وقد أوضحنا ذلك في كتابنا ترجمان الأشواق.

يمينا لنعم السـيدان وجـدتـمـا

 

على كل حال من سحيل ومبرم

أي نعم السيدان وجدتما حين تفاجآن لأمر قد أبرمتماه وأمر لم تبرماه، ولم تحكماه أي على كل حال من شدة الأمر وسهولته، والسحيل الخيط الذي على طاق واحدة، والمبرم المفتول على طاقين أو أكثر، والسحيل الضعيف، والمبرم القوي يقال: أبرم فلان الأمر إذا ألح فيه حتى يحكمه، وأبرم العامل الحبل: إذا أعاد عليه الفتل ثانيا بعد أول. فالأول سحيل والثاني مبرم ومنه قوله تعالى (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون) قال الأفوه الأودي:

إشارة الغي أن تلقى الجميع لدى

 

الإبرام للأمر والأذناب أكتـاد

 ومنه رجل برم، إذا كان لا يحضر الميسر، و لا يشهد الناس حيث يكون كأنه قد اشتد ضيق صدره، حتى صار لا يفعل مثل هذا.
وحبل مبرم، وقد أبرمني، وأبرمت الشيء أبرمه برما، ومنه سميت البرمة؛ لإلحاح الناس عليها بالنار، وسكنت الراء لأنها مفعول به، يقال رجل ضحكة إذا كان يضحك منه وضحكة إذا كان يضحك من غيره بكسر الحاء.
والسيدان الحارث بن عوف وهرم بن سنان مدحهما لإتمامهما الصلح بين عبس وذبيان وتحملهما ديات القتلى.

تداركتما عبسا وذبيان بعـدمـا

 

تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

أي نعم السيدان وجدتما حيث تداركتما أمر هذين الحيين بعدما تفانوا في الحرب، فأصلحتم بينهم، ومنشم اسم امرأة عطارة من خزاعة، ويقال جرهمية، يشترى منها الحنوط، فإذا حاربوا كانو يشترون منها الحنوط والكافور لموتاهم فتشأموا بها ويقال إن قوما تحالفوا، فأدخلوا أيديهم في عطرها، ليتحرموا به، ثم خرجوا إلى الحرب، فقتلوا جميعا فتشاءمت العرب بها. يقول: فصار هؤلاء بمنزلة أولئك في شدة الأمر.
وقال أبو عمرو بن العلاء عطر منشم، إنما هو من التنشيم في الشر، ومنه قولهم لما نشم الناس في أمر عثمان.
وقال أبو عبيدة منشم اسم وضع لشدة الحرب وليس ثم امرأة كقولهم جاءوا على بكرة أبيهم وليس ثمة بكرة.
وقال أبو عمرو الشيباني منشم امرأة من خزاعة كانت تبيع عطرا، فإذا حاربوا اشتروا منها كافورا لموتاهم فتشاءموا بها.
وقال ابن الكلبي منشم ابنة الوجيه الحميري.
وذبيان بالضم والكسر، والضم أكثر، والأصل ذبان ثم أبدل من الباء ياء كما يقال تقصيت من القصة.

وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا

 

بمال ومعروف من القول نسلم

ويروى من الأمر، ومعنى واسع ممكن، يقول نبذل فيه الأموال، ونحث عليه وقوله نسلم أي نسلم من الحرب إن قبل منا إعطاء الديات، والسلم بكسر السين، وفتحها: الصلح يذكر ويؤنث قال:

فلا تفيقـن إن الـسـلـم آمـنة

 

ملساء ليس بها وعث ولا ضيق

فأصبحتما منها على خير موطن

 

بعيدين فيها من عقوق ومأثـم

منها: يعني الحرب بعيدين: أي لم تركبا منها ما لا يحل لكما، فلم تغمسوا أيديكما في الدماء فتأثموا ولم تتركوا قومكم، فتعقوهم، ونصب بعيدين على الحال، وخبر أصبحتما على خير، والعقوق قطيعة الرحم.

عظيمين، في عليا معد هديتـمـا

 

ومن يستنتج كنزا من المجد يعظم

عليا معد وعلياء معد أرفعها، ويعظم أي يأتي بأمر عظيم، ويعظم: أي يصير عظيما، ويعظم أي يعظمه الناس.

وأصبح يحدى فيهم من تلادكم

 

مغانم شتى من إفال مزنـم

ويروى: فأصبح يجري فيهم من تلادكم.
ويحدى: يساق، والتلاد: ما ولد عندهم أصله، ثم كثر استعمالهم إياه، حتى قيل لملك الرجل كله تلاده، وشتى متفرقة يقول صرتم تغرمون لهم من تلادكم.
وقال أبو جعفر: قوله من تلادكم معناه من كرم سعيكم الذي سعيتم له حتى جمعتهم لهم الحمالة، ويروى من نتاج مزنم.
فالإفال الفصلان، والواحد أفيل والمزنم علامة تجعل في الجاهلية، وعلى ضرب من إبل كرام وهو أن يسمى ظاهر الأذن أي يقشر جلدته ثم يفتل فيبقى زنمة تنوس أي تضطرب.
وروى أبو عبيدة من إفال المزنم قال وهو فحل معروف.

تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت

 

ينجمها من ليس فيها بمجرم

تعفى: تمحى الجراح بالمئين من الإبل، وتؤدى، تجعلونها نجوما، وقولهم: عفا الله عنك أي محا عنك الذنوب. وقد استعفى فلان من كذا سأل أن لا يكون له فيه أثر، وينجمها لأجل أدائها وقتا أي يغرمها لم يجرم فيها والجارم الذي قد أتى بالجرم، وهو الذنب.
يقال أجرم وجرم، وأجرم أفصح، وبهما جاء القرآن الكريم، وجرم الشيء إذا حق وثبت، قال الشاعر:

ولقد طعنت أبا عبـيدة طـعـنة

 

جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

ينجمهـا قـوم لـقـوم غـرامة

 

ولم يهرقوا من بينهم ملء محجم

ملء الشيء: مقدار ما يملؤه، والملء المصدر يقال: ملأته ملأ، وقد ملأ فلان إذا وضع في الشيء ما يملأه، وفلان مليء بين الملاءة، والملأ الأشراف. وأنت أملأ من فلان والملاءة بالمد التي يلتحف بها. والملاوة قطعة من الدهر، وأكثر أهل اللغة يقولون الملاوة وقد حكي بالضم وقولهم أمل جديد، وتملى حينا هو من هذا أي عاش قطعة من الدهر وقد أتى تفسير هذا البيت مع الذي قبله.
 

ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة

 

وذبيان هل أقسمتم كل مقسم

الأحلاف أسد وغطفان، واحدهم حلف، ويقال: فلان حلف بني فلان إذا منعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وأن يكونوا يدا واحدة على غيرهم. ومعنى هل أقسمتم كل مقسم: أي هل أقسمتم كل أقسام أنكم تفعلون ما لا ينبغي. وروى الأصمعي فمن مبلغ الأحلاف، يريد مبلغ الأحلاف على أن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين.
وحكي عن عمارة أنه قرأ (ولا الليل سابق النهار)

فلا تكتمن الله ما في صدوركم

 

ليخفى ومهما يكتم الله يعلـم

ويروى: في نفوسكم، يقول لا تكتموا الله ما صرتم إليه من الصلح، وتقولوا إنا لم نكن نحتاج إلى الصلح، وإنا لم نسترح من الحرب، فإن الله يعلم من ذلك ما تكتمون وقال أبو جعفر: معنى البيت لا تظهروا الصلح، وفي أنفسكم أن تغدروا كما فعل حصين بن ضمضم إذ قتل ورد بن حابس بعد الصلح أي صححوا الصلح.

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر

 

ليوم حساب أو يعجل فينقـم

أي لا تكتمن الله في ما نفوسكم فيؤخر ذلك إلى يوم الحساب فتحاسبوا به أو يعجل في الدنيا النقمة به.
وقال بعض أهل اللغة يؤخر بدل من يعلم كما قال تعالى (ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة).
وكما قال الشاعر:

متى تأتنا تلحم بنا في ديارنـا

 

تجد حطبا جزلا ونارا تأججا

فأبدل تلحم من تأتنا، وأنكر بعض النحويين هذا وقال لا يشتبه هذا بقوله تعالى (ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب) لأن مضاعفة العذاب هو لقي التأثيم. وليس التأخير العلم ألا ترى أنك تقول: "إن تعطني تحسن إلي أشكرك" فبدل تحسن من تعطني، لأن العطية إحسان، ولا يجوز أن تقول: إن تجئني نتكلم أكرمك إلا على بدل الغلط لأن التكلم ليس هو المجيء، وبدل الغلط لا يجوز أن يقع في السفر وأجاز سيبويه: أن يكون قوله يؤخر مردود إلى أصل الأفعال. قال بعض النحويين يؤخر جواب النهي والمعنى فلا تكتمن الله ما في نفوسكم يؤخر، وأجاز لا تضرب زيدا يضربك.

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتـم

 

وما هو عنها بالحديث المجمجم

ويروى بالحديث المرجم يقول: ما الحرب إلا ما جربتم و ذقتموه.
فإياكم أن تعودوا إلى مثلها. وقوله وما هو عنها بالحديث أي الخبر عنها بحديث يرجم فيه بالظن، فقوله كناية عن العلم لأنه لما قال: إلا ما علمتم دل على العلم.قال تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لكم).
بل هو المعنى أنه لما قال يبخلون دل على البخل، كقولهم من كذب كان شرا أي كان الكذب شرا. والمرجم الذي ليس بمستيقن يقال: رجمه لظنه. إنما قال ما لا يتيقنه.

متى تـبـعـثـوهـا ذمـيمة

 

وتضر إذا ضربتموها فتضرم

تبعثوها: تثيروها، ذميمة: مذمومة، وقال بعض أهل فعيل إذا كان بمعنى مفعول كان بغير هاء كقوله قتيل بمعنى مقتول، وهذا إنما يقع على المؤنث بغير هاء إذا تقدم الاسم كقولك مررت بامرأة قتيل أي مقتولة، فإن قيل مررت بقتيلة لم يجز حذف الهاء لأنه لا يعرف أنه مؤنث، وذميمة أي حقيرة وتضر يقال ضري يضرى ضراوة يكون أولها صغيرا ثم يعظم بعد ذلك، يقال تضرمت النار إذا اشتعلت.

فتعرككم عرك الرحى بثفالها

 

وتلقح كشافا ثم تنتج، فتتـئم

الثقال جلدة تجعل تحت الرحى، ليكون ما سقط عليها، وأراد عرك الرحى، ومعها ثفالها: أي عرك الرحى طاحنة. قال تعالى: (تنبت بالدهن).
المعنى: ومعها الدهن كما تقول باء فلان بالسيف أي ومعه السيف. يقال لقحت الناقة كشافا إذا حمل عليها كل عام، وذلك أردأ النتاج، والمحمود عندهم أن يحمله عليها بعد سنة وتحجم سنة، يقال ناقة كشوف، إذا حمل عليها كل سنة، واللقح واللقاح حمل الولد. وإنما شبه الحرب بالناقة إذا حملت، ثم أرضعت ثم فطمت لأنه جعل ما يحلب منها من الدماء بمنزلة ما يحلب من الناقة، وقيل شبه الحرب بالناقة لأن هذه الحرب يطولهم شأنها وهو أشبه (بالمعنى) وتتئم أي تأتي بتوأمين: الذكر توأم والأنثى توأمة والجمع التوائم وقيل في قوله كشافا أي أنه يعجل عليكم أمرها بلا وقت، يقال: أكشف القوم إذا فعل بإبلهم كذلك.

فتنتج لكم غلمان أشأم كلـهـم

 

كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم

يقال نتجت الناقة تنتج، ولا يقال نتجت، وأنتجت، إذا استبان حملها فهي نتوج، ولا يقال منتج، وهو القياس، وأشأم فيه قولان أحدهما أنه بمعنى المصدر كما قال غلمان شؤم، وأشأم هو الشؤم بعينه. يقال كانت لهم بأشأم يريد بشؤم فلما جعل أفعل مصدرا لم يحتج إلى من ولو كان أفعل غير مصدر لم يكن بد منه.
والقول الآخر أن يكون الغلمان غلمان امرئ أشأم أي مشؤوم. وكلهم مرفوع بالابتداء ولا يجوز أن يكون توكيدا لأشأم ولا الغلمان لأنهما نكرتان والنكرة لا تؤكد، وما بعدها خبر المبتدأ، كأنه قال كلهم مثل أحمر عاد يريد عاقر الناقة قدار بن سالف.
وقال الأصمعي أخطأ زهير في هذا لأن قدار عاقر الناقة ليس من عاد وإنما هو من ثمود، فغلط، فجعله من عاد.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد وهذا ليس بغلط لأن ثمود يقال لها عاد الآخرة ويقال لقوم هود عاد الأولى، ودليل قوله تعالى (وإنه أهلك عادا الأولى) وبه أقول.
وقوله: ثم ترضع، فتفطم: أي أنه يتطاول أمرها حتى تكون بمنزلة من تلد وترضع وتفطم.

فتغلل لكم ما لا تغل لأهلـهـا

 

قرى بالعراق من قفيز ودرهم

قال الأصمعي يريد أنها تغل لهم دما يكرهون وليس تغل ما تغل قرى العراق من قفيز ودرهم، وقال يعقوب هذا تهكم وهزء. يقول لا يأتيكم منها ما تسرون به مثل ما يأتي أهل العراق من الطعام والدراهم، ولكن غلة هذا ما تكرهون.
وقال أبو جعفر معناه أنكم تقتلون وتحمل إليكم ديات قومكم فافرحوا فهذه لكم غلة.

لحي حلال يعصم الناس أمرهـم

 

إذا طرفت إحدى الليالي بمعظم

الحلال: الكثير، والحلة: مائتا بيت، وقيل حي حلال: إذا نزل بعضهم قريبا من بعض، واللام في لحي متعلقة بقوله: سعى ساعيا غيظ بن مرة لحي حلال. وقيل المعنى اذكر هذا لحي حلال، أي هذه الإبل التي تؤخذ في الدية لحي كثير، وإنما أراد أن يكثرهم ليكثر العقل، وقوله يعصم الناس أمرهم معناه: إذا ائتمروا أمرا كان عصمة الناس.

كرام فلا ذو الضغن يدرك تبله

 

ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم

ويروى ولا ذو الوتر يدرك وتره، والجارم الذي أتى الجرم، وهو الذنب ويروى فلا ذو النبل يدرك نبله لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم الضغن، والضغينة: ما تكن في القلب من العداوة، والجمع الأضغان والضغاين.

رعوا ما رعوا من ظمئهم، ثم أوردوا

 

غمارا تفرى بالـسـلاح وبـالـدم

الظمء في الإبل العطش، وهنا ما بين الشربتين، وإنما يريد أنهم تركوا الحرب ثم رجعوا، فحاربوا ألا تراهم أنهم أوردوا غمارا، والغمار جمع غمر وهو الماء الكثير، يريد أنهم وردوا على الموت كقول ورد القوم على الماء، تفرى: تشقق، وتكشف، وتتفتح، وأصله يتفرى ويروى، رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا.

فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا

 

إلى كلأ مستوبل متوخـم

المنايا: الآجال، أصدروا: أوردوا إبلهم الكلأ والرعي، والمستوبل: والمستثقل الذي لا يمري على من أكله، والمستوخم مثله، وقيل معنى قوله: ثم أصدروا إلى كلأ أي إلى أمر استوخموا عاقبته.

لعمري لنعم الحي جر عـلـيهـم

 

بما لا يؤاتيهم حصين بن ضمضم

لعمري في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال لعمري الذي أقسم به وجر عليهم بمعنى جنى من الجريرة، وقوله بما لا يؤاتيهم: أي بما لا يوافقهم ويروى: بما لا يماليهم حصين بن ضمضم: أي يماليهم عليه والممالاة: المتابعة، وكل حصين من بني مرة أبى أن يدخل في صلحهم، فلما اجتمعوا للصلح شد على رجل منهم فقتله.

وكأن طوى كشحا على مستكنة

 

فلا هو أبداها ولـم يتـقـدم

الكشح منقطع الأضلاع، والكاشح: العدو المضمر العدواة في كشحه، وقيل هو من قولهم كشح يكشح كشحا إذا أدبر، وولى، فسمي العدو كاشحا لإعراض قلبه عن الود. يقال طوى كشحه على كذا: أي أضمره في صدره، والاستكنان طلب الكن، والاستكنان الإستتار ومعنى البيت: وكان طوى الكشح على فعلة أكنها في نفسه، فلم يظهرها ويروى ولم يتجمجم أي ولم يدع التقدم على ما أضمر، وكان هرم بن ضمضم قتله ورد بن حابس فقتله حصين به، والمستكنة يعنى فعلة مكتومة وهي الغدرة.
 وقال أبو العباس هذا بإضمار قد، ومعناه، وكان قد طوى كشحا؛ لأن كان فعل ماض عنه إلا باسم، أو بما ضارع الاسم وأيضاً، فإنه لا يجوز كان زيد قام، لأن قولك زيد قام يغنيك عن كان، وخالفه أصحابه في هذا فقالوا الفعل الماضي قد ضارع أيضا، فهو يقع خبر لكان كما يقع الاسم، والفعل المستقبل، وأما قوله إن قولك زيد قام يغني عن كان، فإنه يجيء بكان لتوكيد أن الفعل ماض.
وقوله على مستكنة أي على حالة مستكنة، فلا هو أبداها أي فلم يبدها؛ أي لم يظهرها، ومثله (فلا صدق ولا صلى) فلم يتصدق ولم يصل ولا يجيز النحويون ضربت زيدا. ولا ضربت عمرا، لئلا يشبه الثاني الدعاء ولا يجوز أن يكون المعنى ضربت زيدا، ولم أضرب عمرا لأن هذا إنما يكون إذا كان في الكلام دليل عليه كما قال تعالى (ولكن كذب وتولى) فمعنى لكن يدل على أن لا في قوله فلا يصدق ولا صلى بمعنى لم يصدق ولم يصل.

وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي

 

عدوي بألف من ورائي ملجم

فمن روى الجيم ملجم أراد بألف فرس ومن روى بكسرها أي بألف فارس ملجم، والملجم نعت للألف، والألف مذكر، فإن رأيته في شعر مؤنثا، فإنما يذهب في تأنيثه إلى تأنيث الجمع وحاجته قتل ورد بن حابس.

فشد ولم ينظر بيوتـا كـثـيرة

 

لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم

أي لم يحفل ويروى: ولم يرفع بيوتا كثيرة، ولم يخرج بيوتا أي لم يتجمع عليه أحد. والقشعم: العنكبوت، وقيل النسر، وهي هنا الحرب.

لدى أسد شاكي السلاح مقاذف

 

له لبد أظفاره لـم تـقـلـم

ويروى مقذف وهو الغليظ اللحم، ومعناه أن سلاحه ذو شوكة وهو داخل فيه.

جريء متى يظلم يعاقب بظلمة

 

سريعا وإلا يبد بالظلم يظلـم

ويروى جريء بالرفع أي هو جريء، ويظلم مجزوم بالشرط ويعاقب جوابه سريعا حال منصوبا، ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر المحذوف كأنه قال يعاقب عقابا سريعا.

لعمرك ما جرت عليهم رماحـهـم

 

دم ابن نهيك أو قتيل الـمـثـلـم

ولا شاركت في الحرب في دم نوفل

 

ولا وهب فيها ولا أبيه المـحـزم

روى يعقوب وغيره المحزم بالحاء المهملة وروى أبو جعفر المخزم بالخاء المعجمة وفاعل شاركت مضمر فيه ذكر الرماح، ويروى ولا شاركت في الموت، ويروى ولا شاركت في القوم، ويروى ولا شاركت كغيره.

فكلا أراهم أصبحوا يعقلونـه

 

علالة ألف، بعد ألف مصمم

قوله يعقلونه أي يودون عنه أي ديته، والعلالة هنا زيادة، وأصله من العلل وهو الشرب الثاني، كأنه فاضل عن الشرب الأول، والعرب تقول عرضت عليه عالة، وعلالة، ويكون للشيء اليسير نحو القلامة، وما أشبهها، والمصمم التام ويروي عثمان ألفا وكلا منصوبة، بإضمار فعل يفسره ما بعده، وكأنه قال فأرى كلا ويجوز الرفع على أن لا تضمر، إلا أن النصب أجود لتعطف فعلا على فعل لأن قبله ولا شاركت في الحرب فصار كقوله:

أصبحت لا أحمل الـسـلاح ولا

 

أملك رأس البعير إن نـفـرا

والذئب أخشاه إن مـررت بـه

 

وحدي وأخشى الرياح والمطرا

ومن بعض أطراف الزجاج فإنه

 

مطيع العوالي ركبت كل لهذم

ويروى: يطيع العوالي، والزجاج جمع زج، وهو أسفل الرمح، والعوالي جمع عالية وهو أعلى الرمح، واللهذم الحاد، وهو تمثيل أي من لم يقبل الأمر الصغير يضطره إلى أن يقبل الأمر الكبير.

ومن يوف لا يذمم، ومن يغض قلبه

 

إلى مطمئن البر لا يتجـمـجـم

يقال وفى، وأوفى أكثر وقوله من يغض قلبه أي يصير، ومطمئن البر: خالصه، ولا يتجمجم أي لا يتردد في الصلح، ويوف مجزوم بالشرط وجوابه لا يذمم، ولم تفصل "لا" بين الشرط وجوابه كما لم تفصل بين النعت والمنعوت في قولك مررت برجل لا جالس ولا قائم، وإنما خصت "لا" بهذا لأنها تزاد التأكيد كما قال الله تعالى: (ما منعك ألا تسجد) أي أن تسجد.

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

 

ولو رأم أسباب السماء بسلم

ويروى: ومن يبغ أطراف الرماح ينلنه=ولو رام أسباب السماء بسلم يقول من تعرض للرماح نالته، ورام حاول، والأسباب النواحي، وإنما عنى بها من هاب كريهة أن تناله، لأن المنايا تنال من يهابها ومن لا يهابها ونظير هذا قوله تعالى: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملقيكم) والموت ملاقي من فر ومن لا يفر عنه.
 

ومن يجعل المعروف في غير أهله

 

يكن حمده ذمـا عـلـيه ويذمـم

يقول من وضع أياديه في غير مستحقيها، أي من أحسن إلى من لم يكن أهلا للإحسان إليه والامتنان عليه، وضع الذي أحسن إليه موضع الحمد ذمه. أي كافأه على إحسانه بدل المدح ذما للمحسن الذي وضع إحسانه في غير موضعه.

لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده

 

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

هذا قول العرب: المرء بأصغريه قلبه ولسانه.

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

 

على قومه يستغن عنه ويذمم

جزم يك بالشرط وما حذف النون للتخفيف أو الأصل يكن إلا لكثرة الاستعمال ومضارعتها لحروف اللين والمد. ألا تراها تحذف في التثنية والجمع كما يحذف حروف المد واللين في قولك: لم يضربا، ولم يضربوا فكذلك حذفت هنا للتخفيف، وقوله: فيبخل معطوف على يك، والجواب في قوله يستغن عنه ويذمم معطوف عليه.

ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه

 

ولا يعفها يوما من الذل ينـدم

أي يجعل نفسه كالراحلة للناس يركبونه، ويذمونه.

ومن يغترب يحسب عدوا صديقه

 

ومن لا يكرم نفسـه لا يكـرم

أي من اغترب حسب الأعداء أصدقاءه، لأنه لم يجربهم، فتوقفه التجارب على ضمائر صدروهم، ومن لا يكرم نفسه بتجنب الرذائل لم يكرمه الناس.

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه

 

يهدم ومن لايظلم الناس يظلم

يذد: يطرد، ويدفع. أي من لا يمنع عن عشيرته يذل. قال الأصمعي: ومن ملأ حوضه ثم لم يمنع منه غشي، وهدم. وهو تمثيل: أي من لان للناس ظلموه، واستضاموه.

ومن لا يصانع في أمور كثيرة

 

يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

يصانع: يترفق ويداري، فإنه من لا يصانع الناس، ولم يدارهم في كثير من الأمور قهروه، وأذلوه، وربما قتلوه، ويضرس: يمضغ بضرس، ويوطأ بمنسم، والضرس العض على الشيء بالضرس والمنسم خف البعير.

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

 

يفزه ومن لا يتق الشـتـم يشـتـم

يفره: يتمه ولا ينقصه. يقال وفرته؛ وفارة ووفرة.

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش

 

ثمانين حولا لا أبا لك يسـأم

يقال سئمت السوء سآمة: مللته، والتكاليف هي المشاق، والشدائد. يقال: علي في مثل هذا الأمر تكلفة: أي مشقة.
أي سئمت ما تجيء به الحياة من المشقة وقال سئم سآمة وسأمة ومثله رؤف رآفة ورأفة، وكآبة وكأبة، والألف تمد وتقصرن واللام في قوله: لا أبا لك زائدة ولولا أنها زائدة لكان لا أب لك، لأن الألف تثبت مع الإضافة، والخبر محذوف، والتقدير لا أبا لك موجود أو بالحضرة.

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

 

تمته ومن تخطئ يعمر فـيهـرم

الخبط ضرب اليدين والرجلين، وإنما يريد أن المنايا تأتي على غير قصد، وليس ذلك إلا لأنها تأتي بقضاء وقدر، يقال عشي يعشو إذا أتى على غير قصد كأنه يمشي مثل الأعشى:

ومهما تكن عند امرئ من خلـيقة

 

وإن خالها تخفى على الناس تعلم

الخليقة والطبيعة واحد. قال الخليل: مهما أصله ماما فما الأولى للشرط والثانية للتوكيد فاستبقوا الجمع بينهما ولفظهما واحد فأبدلوا من الألف هاء.

وأعلم ما في اليوم والأمس قبلـه

 

ولكنني عن علم ما في غد عمي

أي أعلم ما مضى في أمس، وما أنا فيه اليوم، لأنه شيء قد رأيته فأما في غد فلا علم لي به لأني لم أره.

[وكائن ترى من صامت لك معجب

 

زيادته أو نقصانه في التـكـلـم

وإن سفاه الشيخ لا حـلـم بـعـده

 

وإن الفتى بعد السفـاهة يحـلـم

سألنا فأعطيتم، وعدنـا فـعـدتـم

 

ومن أكثر التسآل يوما سـيحـرم